هواري بومدين رجل المرحلة الصعبة في تاريخ الجزائر

6 مارس، 2018 لايوجد تعليقات شخصيات من الذاكرة

الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين(1932-1978) من الشخصيات التاريخية التي لعبت دورا مهما في تاريخ النضال الجزائري والعربي ،ويعد من أبرز رجالات السياسة في الجزائر والوطن العربي في النصف الثاني من القرن العشرين، وأحد رموز حركة عدم الإنحياز ،كان له تأثير بارز على الساحة الأفريقية والعربية، وكان أول رئيس عربي يتحدث في الأمم المتحدة عن نظام دولي جديد.

محمد بن ابراهيم بوخروبة المشهور بإسم (هواري بومدين)،ولد في23 أغسطس1932 ، في دوّار بني عدي (العرعرة) مقابل جبل دباغ، بلدية مجاز عمار على بعد بضعة كيلومترات غرب مدينة قالمة، وسط عائلة كبيرة العدد ومتواضعة الحال،تعمل في مجال الزراعة،وتنتمي إلى عرش بني فوغال التي نزحت من ولاية جيجل عند بداية الاحتلال الفرنسي ، ترعرع في حضن والده الذي  رغم ظروفه المادية الصعبة قررّ تعليمه،ولهذا أدخله ( المدرسة القرآنية ) في القرية التي ولد فيها، وكان عمره آنذاك 4 سنوات ، وعندما بلغ بومدين سن السادسة دخل مدرسة ألمابير سنة 1938 في مدينة قالمة و تعرف المدرسة اليوم بإسم مدرسة محمد عبده، وكان والده يقيم في بني عديّ ولهذا أوكل أمره إلى عائلة بني إسماعيل وذلك مقابل الفحم او القمح أو الحطب وهي الأشياء التي كان يحتاجها سكان المدن في ذلك الوقت

وبعد سنتين قضاهما بومدين في دار ابن إسماعيل،أوكله والده من جديد لعائلة بامسعود بدار سعيد بن خلوف في حي مقادور والذي كان حياّ لليهود في ذلك الوقت ،والذي يعرف حاليا بإسم شارع ديابي.وبعد ثماني سنوات من الدراسة بولاية قالمة،عاد بومدين إلى قريته في بني عدي، وطيلة هذه السنوات كان مشغول البال شارد الفكر لا يفعل ما يفعله الأطفال .

لقد كان بومدين يدرس في المدرسة الفرنسية وفي نفس الوقت يلازم الكتّاب من طلوع الفجر إلى الساعة السابعة والنصف صباحا، ثمّ يذهب في الساعة الثامنة إلى المدرسة الفرنسية إلى غاية الساعة الرابعة وبعدها يتوجّه إلى الكتّاب مجددا.

وفي عام1948ختم بومدين القرآن الكريم،وأصبحَ يُدَرّس أبناء قَريتِهالقرآن الكريم واللغة العربية، وفي سنة 1949ترك بومدين، أهله مجددا وتوجه إلى المدرسة الكتانية في مدينة قسنطينة الواقعة في الشرق الجزائري، وكان نظام المدرسة داخليًا وكان الطلبة يَقُومون بأعباء الطبخ والتنظيف. وفي تلك الآونة كان عمه الحاج الطيب بوخروبة قد عاد من أداء فريضة الحجّ مشيا على الأقدام، وبعد عودته ذهب إليه محمد (هواري بومدين) ليقدمّ له التهاني، وكان هواري يسأل عمه عن كل صغيرة وكبيرة عن سفره إلى الديار المقدسة، وكان عمه يخبره عن كل التفاصيل ودقائق الأمور وكيف كان الحجاج يتهربون من الجمارك والشرطة في الحدود وحدثّه عن الطرق التي كان يسلكها الحجّاج، وكان بومدين يسجّل كل صغيرة وكبيرة، وكان بومدين يخطط للسفر حيث أطلع ثلاثة من زملائه في المدرسة الكتانية على نيته في السفر وعرض عليهم مرافقته فرفضوا ذلك لأنهم لا يملكون جواز سفر، فأطلعهم على خريطة الهروب وقال: هذا هو جواز السفر .

في ذلك الوقت كانت السلطات الفرنسية تعتبر الجزائريين  مواطنين فرنسيين وتفرض عليهم الإلتحاق بالثكنات الفرنسية عند بلوغهم سن الثامنة عشرة،لذلك تم استدعاء بومدين للإلتحاق بالجَيش الفِرنسي لكنّه كان مؤمنا في قرارة نفسه بأنه لا يمكن الالتحاق بجيش العدو ولذلك رأى أنّ المخرج هو في الفرار والسفر، وعندما تمكن من اقناع رفاقه بالسفر باعوا ثيابهم للسفر برا باتجاه تونس .

 

ومن تونس توجه هواري بومدين إلى مصر عبر الأراضي الليبية ،وهناك تابع دراسته في الجامع الازهر الشريف، حيث قسّم وقته بين الدراسة والنضال السياسي حيث انضم إلى حزب الشعب الجزائري عام1950، كما كان يعمل ضمن مكتب المغرب العربي الكبير، وهذا المكتب أسسّه زعماء من الجزائر والمغرب وتونس،تعاهدوا فيما بينهم على محاربة فرنسا وأن لا يضعوا السلاح حتى تحرير الشمال الأفريقي، ومن مؤسسي هذا المكتب علال الفارسي من المغرب و صالح بن يوسف من تونس، وأحمد بن بلة وأيت أحمد من الجزائر وكان هذا المكتب يهيكل طلبة المغرب العربي الذين يدرسون في الخارج .

تولى بومدين الحكم في الجزائر عن طريق انقلاب عسكري على الرئيس الجزائري الأسبق أحمد بن بلة عام1965 ،وكان في أول الأمر رئيسا لمجلس التصحيح الثوري وتم انتخابه رئيسا للجمهورية الجزائرية عام 1975.

بعد أن تمكن هواري بومدين من ترتيب البيت الداخلي، شرع في تقوية الدولة على المستوى الداخلي وكانت أمامه ثلاث تحديات وهي  الزراعة والصناعة والثقافة، فعلى مستوى الزراعة قام هواري بومدين بتوزيع آلاف الهكتارات على الفلاحين،الذين كان قد وفر لهم المساكن من خلال مشروع ألف قرية سكنية للفلاحين ،حيث هدم معظم البيوت القصديرية والأكواخ التي كان يقطنها الفلاحون، وأمدّ الفلاحين بكل الوسائل والإمكانات التي كانوا يحتاجون إليها.

و إضافة إلى السياسة التنموية اهتم الرئيس هواري بومدين بالإصلاح الاجتماع والسياسي،و وضع أسس الدولة الجزائرية ،حيث بدأ بقانون التأميم،ثم وضع ميثاقا وطنيا شاركت جميع فئات الشعب فيه،وانبثق عنه دستور كل ذلك بأسلوب ديمقراطي بالمعنى العلمي وشعاره( لا نريد تقبيل اليد)،ثم أشرف على انتخاب المجلس الشعبي الوطني من طرف الجماهير الواسعة.

ازدهر القطاع الزراعي في عهد هواري بومدين واسترجع حيويته التي كانت عليها أيام الاستعمار الفرنسي عندما كانت الجزائر المحتلة ،تصدّر ثمانين بالمائة من الحبوب إلى كل أوروبا، وكانت ثورة هواري بومدين الزراعية خاضعة لإستراتيجية دقيقة بدأت بالحفاظ على الأراضي الزراعية المتوفرة وذلك بوقف التصحر وإقامة حواجز كثيفة من الأشجار أهمها السد الأخضر، للفصل بين المناطق الصحراوية والمناطق الصالحة للزراعة وقد أوكلت هذه المهمة إلى الشباب الجزائريين الذين كانوا يقومون بالخدمة الوطنية.

وعلى صعيد الصناعات الثقيلة قام هواري بومدين بإنشاء مئات المصانع الثقيلة،والتي كان خبراء من دول الكتلة الاشتراكية ومن الغرب يساهمون في بنائها، ومن القطاعات التي حظيت باهتمامه قطاع الطاقة، والمعروف أن فرنسا كانت تحتكر إنتاج النفط الجزائري وتسويقه، إلى أن قام هواري بومدين بتأميمه الأمر الذي انتهى بتوتير العلاقات الفرنسية –الجزائرية، وقد أدى تأميم قطاع المحروقات في الجزائر، إلى توفير سيولة نادرة للجزائر ساهمت في دعم بقية القطاعات الصناعية والزراعية. وفي سنة 1972،كان هواري بومدين يقول أن الجزائر ستخرج بشكل كامل من دائرة التخلف وستصبح يابان الوطن العربي.

وبالتوازي مع سياسة التنمية قام هواري بومدين بوضع ركائز الدولة الجزائرية وذلك من خلال وضع الدستور والميثاق الوطني للدولة وساهمت القواعد الجماهيرية في إثراءهما،رغم ما يمكن أن يقال عنهما إلا أنهما ساهما في ترتيب البيت الجزائري ووضع ركائز لقيام الدولة الجزائرية الحديثة.

وبالنسبة للسياسة الخارجية،فقد عرف عن الجزائر علاقاتها الحسنة بكل الدول خاصة الدول الإشتراكية،وحظيت القضية الفلسطينية دائما بإهتمام الرئيس بومدين،حيث أوفدت منظمة التحرير الفلسطينية سعيد السبع  لإفتتاح أول مكتب لفلسطين في الجزائر في عهد الرئيس الراحل بومدين في صيف 1965،في تلك الفترة فتح بومدين أبواب كلية شرشال العسكرية امام الضباط الفلسطينين ،وتم تخريج أوائل الضباط ،كما أنه منح مقر الجنرال ديغول ليكون مقرا لمنظمة التحرير الفلسطينية.

ومن أشهر المقولات المتوارثة عن بومدين حول فلسطين(نحن مع فلسطين ظالمة او مظلومة)والتي قالها  في قمة الرباط عام 1974،حيث  أكد على أن  ” لا وصاية على الفلسطينيين ” ،” لا تفاوض ، لا تطبيع ، ولا تعامل مع العدو ” , وكان من دعاة رفع التحدي ومقاومة الاستعمار والإمبريالية ، وبجهود رئيس الدبلوماسية الجزائرية آنذاك و الرئيس الحالي للجزائر عبد العزيز بوتفليقة ،تمكن الرئيس الراحل ياسر عرفات من إلقاء خطابه الشهير في الأمم المتحدة عام 1976م ..

وقد شدد الرئيس الراحل ياسر عرفات في أكثر من حوار أن التأييد الأول الذي تحصلت عليه الثورة الفلسطينية وهي في مهدها كان من الجزائر ، وأن أول مكتب فتح للثَورة كان بالجَزائِر مَكْتب لقَائِد فِرنسي من أصل يهودي كان يستعمل قبله لتعذيب الجزائريين , وأن جزائر بومدين لم تبخل يوماً على الثورة الفلسطينية في أي طلب في كافة المجالات من دعم سياسياً أو لوجستياً فاتحة ذِرَاعيهَا لإحتِضَان الثَورة الفِلسطينية .

ويحسب للرئيس الراحل بومدين مواقفه الثابتة إزاء القضايا العربية والإنسانية وإيمانه الشديد والعميق بحق الشعوب في تقرير مصيرها ،الأمر الذي خوله الحصول  على ميدالية السلام  عام1976التي منحتها إياه  الامم المتحدة عرفانا وتقديرا له على جهوده المتواصلة في الدفاع عن مبادئ السلم والعدالة في العالم ولا شيء غير ذلك ..

في آخر أيامه أصيب الرئيس الراحل بومدين بمرض استعصى علاجه ،ففي بداية الأمر ظن الأطباء أنّه مصاب سرطان المثانة ، غير أن  التحاليل الطبية جاءت مخالفة لهذا الافتراض، وتوفي الرئيس الراحل هواري بومدين في صباح الأربعاء 27 ديسمبر1978 في الساعة الثالثة وثلاثين دقيقة فجراً. وحين دقت ساعة توديع الزعيم، ظهر وزير الخارجية عبد العزيز بوتفليقة في الواجهة، وهو يلقي الكلمة التأبينية التي كانت آخر ما تلي على بومدين قبل أن يصبح تحت التراب في عالمه البرزخي. وفي “خطاب الوداع” – الذي تؤكد بعض المصادر أن وزير التربية الأسبق علي بن محمد هو من كتب نصه – بدا بوتفليقة متأثرا جدا لفراق رفيقه ورئيسه ورئيس كل الجزائريين، ولكنه ظل متماسكا حتى النهاية , حينها قال بوتفليقة في خطاب الوداع الشهير : بأرواحنا نفديك لو كان يقبل منا الفداء.

 


الوسوم:, , ,

" حنان ناصر "

عدد المواضيع: 107 , الملف الشخصي:

محرره صحفية في مجلة الرافد الفكري