عبد القادر الجزائري..مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة

15 يوليو، 2018 لايوجد تعليقات شخصيات من الذاكرة

هو الأمير المجاهد عبدالقادر بن محيي الدين الحسني، المعروف بـ عبد القادر الجزائري كاتب وشاعر وفيلسوف وسياسي ومحارب، اشتهر بمناهضته للاحتلال الفرنسي للجزائر،ويعتبر مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة،ورمز للمقاومة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي.

ترجع جذوره إلى المغرب الأقصى، هاجر أهله من هناك إلى نواحي مدينة وهران شمال غرب الجزائر، وقد ولد عام 1807م، ونشأ في جو من العلم والتقوى، وكان تعليمه الديني صوفيا سنيا، واعتنى بالتحصيل حتى تفوق في الأدب والفقه والتوحيد والحكمة العقلية، وكان رغم ذلك يعتني بالسلاح وركوب الخيل، فنبغ عالماً فاضلاً، وفارساً مدرباً، جمع بين السيف والقلم.

أجاد القراءة والكتابة في سن الخامسة،وحصل على الاجازة في تفسير القرآن الكريم والحديث النبوي وهو في الثانية عشر من عمره ليحمل سنتين بعد ذلك لقب(حافظ) وبدأ بإلقاء الدروس في الجامع التابع لأسرته في مختلف المواد الفقهية.

رافق والده إلى الحج، ولما عادا بعد عامين، كان الفرنسيون قد احتلوا الجزائر، فاضطر حسن بك حاكم وهران العثماني إلى تسليم البلدة، فدارت رحى القتال بين الحامية الفرنسية وبين الأهالي بقيادة السيد محيي الدين ومعه ولده عبدالقادر. فاجتمعت عليه القلوب، وعقدت به الآمال، ولما أراد أهالي تلك البلاد مبايعة السيد محيي الدين أميراً عليهم، اعتذر لهم بذريعة تقدمه في العمر، وأشار عليهم بولده عبدالقادر، الذي بويع بالإمارة في 21 تشرين الثاني (نوفمبر) 1832م، وتولى قيادة البلاد وهو في الخامسة والعشرين من عمره،حيث اختار عبدالقادر عاصمته مدينة معسكر، ورتب جنوده وباشر القتال.

عندما تولى عبد القادر الإمارة كانت الوضعية الاقتصادية والاجتماعية صعبة، لم يكن له المال الكافي لإقامة دعائم الدولة إضافة إلى وجود معارضين لإمارته، ولكنه لم يفقد الامل إذ كان يدعو باستمرار إلى وحدة الصفوف وترك الخلافات الداخلية ونبذ الأغراض الشخصية…كان يعتبر منصبه تكليفا لا تشريفا. وفي نداء له بمسجد معسكر خطب قائلا:”إذا كنت قد رضيت بالإمارة، فإنما ليكون لي حق السير في الطليعة والسير بكم في المعارك في سبيل ”الله“…الإمارة ليست هدفي فأنا مستعد لطاعة أيّ قائد آخر ترونه أجدر منّي وأقدر على قيادتكم شريطة أن يلتزم خدمة الدّين وتحرير الوطن”

جعل الأمير عبد القادر وحدة الأمة هي الأساس لنهضة دولته، واجتهد في تحقيق هذه الوحدة رغم عراقيل الاستعمار والصعوبات التي تلقاها من بعض رؤساء القبائل الذين لم يكن وعيهم السياسي في مستوى عظمة المهمة، وكانت طريقة الأمير في تحقيق الوحدة الوحدة هي الإقناع أولا، والتذكير بمتطلبات الايمان والجهاد،وقد كلفته حملات التوعية جهودًا كبيرة لأن أكثر القبائل كانت قد اعتادت حياة الاستقلال ولم تألف الخضوع لسلطة مركزية قوية.

ولكن بفضل جهود الامير عبد القادر، انضمت اليه قبائل كثيرة بدون أن يطلق رصاصة واحدة لاخضاعه بل كانت بلاغته وحجته كافيتين ليفهم الناس أهدافه في تحقيق الوحدة ومحاربة العدو، لكن عندما كان لا ينفع أسلوب التذكير والإقناع، يشهر سيفه ضدّ من يخرج عن صفوف المسلمين أو يساعد العدوّ لتفكيك المسلمين، وقد استصدر الأمير فتوى من العلماء تساعده في محاربة اعداء الدّين والوطن.

لقد قام الأمير بإصلاحات اجتماعية كثيرة، فقد حارب الفساد الخلقي بشدّة، ومنع الخمر والميسر منعًا باتا ومنع التدخين ليبعد المجتمع عن التبذير، كما منع استعمال الذهب والفضة للرّجال لأنّه كان يكره حياة البذخ والميوعة.

كان الأمير يرمي إلى هدفين: تكوين جيش منظم وتأسيس دولة موحّدة، وكان مساعدوه في هذه المهمة مخلصون..لقد بذل الأمير وأعوانه جهدًا كبيرا لاستتباب الأمن، فبفضل نظام الشرطة الذي أنشأه قُضِي على قُطّاع الطرق الذين كانوا يهجمون على المسافرين ويتعدّون على الحرمات، فأصبح الناس يتنقّلون في أمان وانعدمت السرقات.

ومن بين المنازلات العسكرية المشهورة التي خاضها عبد القادر الجزائري ضد الاستعمار الفرنسي، منازلته ضد الجنرال الفرنسي” بوايه” واستطاع أن يطارده من معاقله الحصينة، حتى اضطرت فرنسا إلى عزل بوايه وتعيين دي ميشيل، لكن سرعة عبدالقادر وقدرته على الالتفاف والانسحاب أحبطت مكائد القائد الجديد، فاضطر إلى مهادنة البطل وتوقيع معاهدة «دي ميشيل» والتي تعترف فيها فرنسا لعبدالقادر بجميع مقاطعة وهران، وتوجب له الحق في أن يعين قناصله في كل مكان، وأن يستورد الأسلحة من أي جهة أراد، فعظم شأن عبدالقادر، لكن بعض الحاسدين والمنافسين من أهل البلاد أنفسهم ثاروا عليه وانضمت قبيلتا: «الدوائر»، و «الزمالة» إلى فرنسا فطلب عبدالقادر تسليم رؤسائهم إليه فرفض الجنرال تريزل ذلك.

وبرز عبدالقادر للقتال، وانتصر على الفرنسيين في يوم «المقطع» في 26 تموز (يوليو) 1835م، فجهزت فرنسا جيشاً كبيراً استولى على عاصمته معسكر، ولكنه تمكن بدهائه السياسي من الصلح مع الفرنسيين على شروط أفضل من معاهدة «دي ميشيل» وذلك في معاهدة «التفنة» عام 1837م، وقد اعترفت له فرنسا بجميع مقاطعة وهران وقسم كبير من الجزائر.

ولما انتهى الخصام بينه وبين فرنسا شرع يقوي سلطته على البلاد ورتب جيشاً منظماً قسم إلى: مشاة وفرسان ومدفعية، واستعان لتدريبه وتعليمه بضباط من الجيش التونسي والجند العثماني، وسن لهذا الجيش نظاماً يتعلق بمأكله وملبسه ورواتبه، ومدة التعليم وشروط الترقي، واهتم بشؤون الزراعة والتجارة والتعليم، وأنشأ المخازن لادخار الأقوات والحبوب.

لكن فرنسا نقضت معاهدتها، فنشبت الحرب بين الفريقين، ونادى الأمير بالجهاد في 20 تشرين الثاني 1839 واستمرت الحرب أربع سنوات من دون انقطاع. ولكن عدم تكافؤ القوتين أدى أخيراً إلى سقوط معظم حصونه، واستيلاء العدو على أكثر مدنه، ففر إلى المغرب، وسعى في حمل سلطان المغرب على قتال الفرنسيين وظل متربصاً حتى لاحت ثورة 1846، فانقض على بلاد الجزائر ثانية، حتى بلغ بلاد البربر، وأعاد الأمر كما بدأ.

لكن قوة عبدالقادر كانت قد تناقصت، فلم تستمر غاراته، وأحاطت به الجيوش من كل جهة، فأسرع إلى الحدود المراكشية، فطلبت فرنسا من السلطان عبدالرحمن تسليمه، وألحت عليه، فساق السلطان عليه قوة عظيمة، فلما رأى إخوانه المسلمين تواطؤاً مع فرنسا ضده اشتد به الغضب وسلم نفسه للفرنسيين على يد الجنرال لامور يسيار في 23 كانون الأول (ديسمبر) 1847، على أن يخرج بعائلته من الجزائر إلى الإسكندرية أو عكا، لكن الفرنسيين نكثوا العهد، وأبوا إطلاق سراحه، وأبقوه أسيراً في بلادهم سنوات عدة، فلم يطلقوا سراحه حتى عام 1852، فذهب إلى الأستانة، ثم أقام في بورصة.

وفي عام 1855 ذهب إلى دمشق، فاستقبله أهل دمشق بالحفاوة والإجلال، وكان منزله مقصداً للناس، ولما وقعت في دمشق الحادثة المعروفة عام 1860، يوم زحفت جموع الدروز ببنادقهم وسيوفهم على منازل النصارى لإبادتهم، وقف الأمير حائلاً، وأنقذ عدداً وافراً من النصارى، وجعل داره ملاذاً لهم، وشاركه في هذه المرة كثير من أعيان دمشق، فاستحق بهذا الفعل الجميل ثناء الجميع، وجاءته الأوسمة وعبارات الشكر من فرنسا وأكثر الدول الأوروبية.

وقضى بقية حياته في مباحثة العلماء، وإسداء الخيرات، والاشتغال بالذكر والعبادة. كما كان راسخ القدم في التصوف، يمارسه عملاً ويعرفه ذوقاً، وله في التصوف كتاب سماه «المواقف»، وكتاب آخر تحت عنوان «ذكرى الغافل وتنبيه الجاهل» في الحكمة والشريعة.

وتوفي عام 1883م،عن عمرة يناهز76عاما، ودفن في مقام الشيخ محيي الدين بن عربي في الصالحية في دمشق، ثم نقل رفاته بعد استقلال الجزائر ،ودفن في مقبرة العالية في مربع الشهداء الذي لا يدفن فيه إلا الشخصيات الوطنية الكبيرة كالرؤساء.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


الوسوم:, , ,

" حنان ناصر "

عدد المواضيع: 100 , الملف الشخصي:

محرره صحفية في مجلة الرافد الفكري