الثقة بالنفس وانعكاساتها على شخصية الطفل

6 مارس، 2018 لايوجد تعليقات الرافد الاسري

يطمح الآباء عادة إلى أن يكون أطفالهم بصحة جسدية ونفسية جيدة، وما قد يثير قلق الوالدين هو أن يفتقر طفلهما إلى الثقة بنفسه، فلا يندمج مع الآخرين، ولا يملك الجرأة ليتحدث أمام الآخرين، وقد يتراجع مستوى تحصيله الدراسي، وقد يشعر بالرهبة والخوف من الذهاب إلى المدرسة أو من مخالطة الآخرين.

 ويمكن اعتبار مفهوم الثقة بالنفس من أهمّ العناصر المُكوِّنة لشخصيّة الفرد منذ نشأتِه، وترتبط بشكل قويّ باتّجاهات الفرد السلبيّة أو الايجابيّة تجاه نفسه وتجاه مُجتمعه، وبالتّالي هي الأساس لتكيُّف الفرد مع الذات والمُجتمع، فهي مقدار تقييم الفرد لقدراته ومهاراته واستعمالها بفاعليّة وكفاءة في المواقف المُختلفة التي يُعايشُها.

 كما أنّها (الثقة بالنفس)من السمات الشخصيّة الأساسيّة التي تدفع الفرد لاستخدام أكبر قدر مُمكن من قدراته الجسميّة، والنفسيّة، والاجتماعيّة، واللغويّة لتحقيق ما يهدف إليه، فهي مجموعة من الإمكانات والاستعدادات التي يُولد بها الفرد،وتُغذِّيها التنشئة الأسريّة والاجتماعيّة السليمة، فتُنشِئ شخصيّةً مُستقرّةً قادرةً على اتّخاذ القرارات بشكلٍ مُستقلٍ، وتتكامل بالتوافق النفسيّ، وهذا ما يساعد الفرد على مقاومة الكثير من الاضطرابات التي يتعرّض لها في المواقف المختلفة، كما ينتج عن ثقة الفرد بنفسه شعور حبّ الذات والتقدير النفسيّ.

ويركز علماء النفس والتربية،على أهمية تعزيز الثقة بالنفس لدى الطفل،لأنها تخلق حالة من السعادة والاطمئنان الداخليّ، لتصل بالطفل إلى حالة من التقدير والأمان الذاتي، فتجعله مُستقرّاً نفسيّاً بعيداً عن الاضطرابات، بالإضافة إلى قدرته على إعطاء العَقَبات التي يواجهها حجمها الأصلي دون تضخيم أو خوف مبالغ فيه، كما تعمل الثقة بالنفس على جعل الطفل ناجحاً في أدائه للمَهام من خلال إيمانه بذاته، وبالتالي ثقته بكفاءته للقيام بمهارة ما، ومنها إلى الدافعية للمزيد من التعلّم والنجاح والانفتاح النفسيّ لاكتساب خبرات جديدة، فالطفل الواثق بذاته يُحبّ من حوله ويُعبِّر عن مشاعره بحُريّة، أما الطفل غير الواثق بنفسه فإنه يخاف من التعبير عمّا يجول في خاطره، كما أنه لا يملك القدرة على اتّخاذ القرارات، فبالإضافة إلى كونه يخاف من التجمُّعات، فإنّه أيضاً يظن أنّ كل من حوله يراقب عيوبه، الأمر الذي يقوده في نهاية الأمر إلى العزلة والانطواء على نفسه؛ لعدم ثقته بكفاءته الاجتماعيّة والذاتيّة.

ولأن الثقة بالنفس هي البنية الأساسيّة لشخصية الطفل، فإن الدور الأساسيّ في التنشئة السويّة يقع على الأسرة والمدرسة لتمكين هذه البُنية، وبالنظر إلى الآثار السلبيّة لضعف ثقة الطفل بنفسه وتدنّي مفهومه الذاتي عن نفسه، فيجب على الوالدين علاج هذه الحالة التي قد تستمرّ مع الطفل أثناء تقدّمه في مراحله العمريّة، وتعرّضه للكثير من الأزمات والاضطرابات النفسيّة.

وسنتعرض هنا لأهم الاساليب العلاجية التي ينصح بها علماء النفس والتربية، لتعزيز الثقة بالنفس لدى الطفل، ومن أهمها يمكن ذكر ما يلي:

*التعبير عن الحب ، فالطفل يحتاج الحنان والعناق، وترك مساحة كافية له للتعبير عن مشاعره، والاستماع له بإهتمام مع مُراعاة مشاعره والأخذ بها مع عدم إهمالها، وتشجيعه على الإفصاح والتعبير عمّا في يجول في خاطره.

*الابتعاد التام عن الايحاءات السلبيّة والجمل الهدّامة التي يُلقي بها الآباء على أبنائهم دون مراعاة لمقدار الأذى النفسيّ الذي تُسببه هذه الكلمات، فينتج عنها تشويه الطفل لصورته عن ذاته، فهو يُصدّق كل ما يُقال له، بل إنه سيُخاطب نفسه بنفس الطريقة التي يُخاطبه بها أبويه، وعند تعرّضه لمشكلةٍ ما يرى نفسه غير كفؤ لمحاولة حلّها، وتنحدر ثقته بقدراته، فتُسيطر عليه التعابير السلبيّة المليئة بالاستسلام، مثل لا أستطيع، وغير قادر، وأخاف من… لتتبعُها حالة من العجز الذاتيّ والإحباط.
*انتقاد السلوكيّات غير المرغوب بها الصادرة عن الطفل، وليس انتقاد الطفل نفسه، مثل ضربك لأخيك سلوك غير لائق بدل قول أنت ولد مشاغب، فتوجيه الملاحظة على سلوك الطفل يُحافظ على التقدير الذاتيّ مع إيصال التوجيه المطلوب، أمّا توجيه الملاحظة للطّفل بذاته فهو يُقلّل من القيمة الذاتيّة لشخصيّة الطفل.

*الثبات بآلية التعامل مع الطفل وعدم التذبذب بها، فلا يجب على الوالدين نهي الطفل عن سلوك تارةً والتغاضي عنه تارةً أخرى، مع أهميّة الاتّفاق بين الأم والأب في اتّخاذ قراراتهم المُتعلقة بأطفالهم، فيُمكن أن يتميّز الأب بالقسوة بينما تكون الأم ليّنةً.

*دفع الطفل للاختيار واتخاذ قراراته بنفسه، كالألعاب التي يرغب باللعب بها، أو بملابسه التي سيرتديها، وذلك بطرح جميع الخيارات المُتاحة لديه وشرحها، وشرح الآثار المُترتّبة عليها، وترك الحرية له لاختيار القرار الذي يراه مُناسباً، مع احترام هذا القرار الذي اتّخذه، وفي حال اتّخاذه قراراً غير ملائم يجب شرح سبب رفض قراره بطريقة منطقيّة ومُقنعة بما يتناسب مع عمر الطفل، فإن ذلك يرفع لديه ثقته بأفكاره ومهاراته باختيار ما هو مُناسب لنفسه.

*مدح الطفل وجهوده التي يقوم بها في محاولاته بالقيام بمهاراته الاستقلاليّة، كما أنّ الإيحاءات الإيجابيّة وإظهار ثقة الأم بطفلها بأنّه قادر على أداء المَهمّة المُوكلة له وإخباره أنّها ليست بالمَهمّة السّهلة لكنّه استطاع التغلّب عليها والقيام بها.

*الابتعاد عن المقارنة بين الفرد وأقرانه لما يسببه ذلك من بث الاتّجاهات السلبيّة للطفل تجاه نفسه، وأنه غير قادر على مُجاراة أصدقائه أو إخوته، وأنّه ليس به ما يُميّزه عن غيره، بل يجب على الأم التّركيز على ما يُميّز الطفل وإشعاره بذلك، ويجدر بالوالدين انتهاج نهج الرسول عليه الصّلاة والسّلام في توزيع الأدوار وتوظيف الطّاقات لدى الأفراد دون مُقارنة أو مُفاضلة، حيث كان الرسول عليه الصّلاة والسّلام يلفت انتباه أصحابه رضوان الله عليهم إلى القدرات والمَهارات التي يتمتّع بها كل فرد منهم، فيُطلِق الألقاب الحافزة لهم والمُلائمة لطاقاتهم ليثمر ذلك التعزيز في إقبال كلّ منهم على دوره المُناسب بكامل قوتّه وطاقته الداخليّة.

*تشجيع الطفل لإبداء رأيه في قضيّة مُعيّنة تخصُّة أو تخصّ أسرته، مع اتاحة الفرصة له بتحمّل بعض المسؤوليّات الصغيرة للاعتماد على ذاته، مع التحفيز المُستمرّ لجميع التّجارب الناجحة له، وتجاهل المُحاولات الفاشلة في أيّ مهارة يقوم بها.

في النهاية نقول أن أطفالنا هم مستقبلنا،إن ربيناهم في بيئة تتميز بالمحبة  والدفء العاطفي والثقة بالنفس وتشجيع للقدرات، فإنهم سيكبرون ليصنعوا مستقبلا زاهرا لهم ولنا،لأن أطفالنا هم سندنا في المستقبل،فلنحسن بناء هذا السند منذ الصغر لكي يكون قويا  يتحمل متغيرات الحياة المعاصرة.

 


الوسوم:, , ,

" حنان ناصر "

عدد المواضيع: 120 , الملف الشخصي:

محرره صحفية في مجلة الرافد الفكري