الاتجاهات الحديثة لتربية أطفال ما قبل الروضة..!

15 أبريل، 2022 التعليقات على الاتجاهات الحديثة لتربية أطفال ما قبل الروضة..! مغلقة الرافد الاسري

أ‌.        حنـان عبـد الكريم

(مديرة روضة براعم الصباح)

تؤدي وظيفة الطفولة دوراُ أساسيا في تكوين الإنسان ،حيث أن عملية التربية للطفل هي عملية نموه التي يتطور وينتقل خلالها من مجرد كائن بيــولــوجي إلى كائن اجتماعي له سماته وخصائصه،حيث أنه من المعلوم، أن الطفل عند الولادة يبدو كائنا حيا عاجزا عن فعل أي شئ ، ملتصقا  ومعتمدا كل الاعتماد على أمه. وهو في هذه البداية ، ليس له من حاجات أو مطالب إلا أن يرضع فيشبع فينام كما يتخلص مما يرضعه بطريقة تلقائية في التبول والتبرز ، كما يبكي عند الإحساس بالجوع. كذلك ليس له من مشاعر مرئية إلا أن يحس بالدفء والحنان والطمأنينة في صدر أمه أو على حجرها أو حين تضمه إليها. ورغم انقطاع الحبل السري الذي كان يربطه بأمه جنينا وعند الولادة، إلا انه يظل جزءا لا ينفصل عنها في الوفاء بوظائف حياته في السنة الأولى على الأقل.
وفي هذه الحال من الاعتماد يتميز الطفل الوليد عن معظم الكائنات الحية الأخرى التي تولد مزودة بغرائز ومعدات عضوية وتكوينات فسيولوجية للحياة والبقاء ، من مخالب أو أسنان أو قوة بدنية أو حاسـة حادة ، تمكنها من الانفصال عن الأم بعد فترة قصيرة ، لتشق طريقها في الحياة مكتملة النضج والقدرة بمفردها واستقلاليتها. بيد أن الطفل ، يولد أعزل من كل سلاح أو معدات للاستقلال عن أمه ، والتي تقوم بإشباع حقوقه المطلقة ، ولن يستقل عنها جسميا إلا بدءا من عامه الثاني ، بل ويظل في رعاية والديه طفلا ، ثم يافعا ثم شابا حتى تكتمل مقومات استقلاله رجلا أو امرأة             .
ومما لا شك فيه، أن امتداد مرحلة الطفولة لدى الإنسان حتى سن الثامنة عشرة ، وقصرها أو عدم وجودها في الكائنات الحية الأخرى ، هي الميزة التي منحها الله للإنسان بما فيها من مرونة تتيح له التعليم والتعلم ، وتجعله قابلا وقادرا على التكيف مع من يحيط به من البشر ، وما يتعامل معه من عوالم الأشياء والطبيعة والرموز والمعاني ، ومع إدراك هذه المرونة والقدرة على التعلم والتكيف والتعديل والتطوير في الكيان الإنساني ، اختفت نظرية الغرائز الوراثية التي كان يسند إليها سلوكه كشأن الغرائز الوراثية في الحيوانات وهي النظرية التي سادت خلال القرن التاسع عشر و أوائل القرن العشرين في تفسير خصائص النمو والسلوك لدى الأطفال ولدى الإنسان بصورة عامة. ومن ثم تأتي التربية عملية متصلة عبر مسيرة الإنسان كلها في تطوره من كائن بيولوجي إلى كائن اجتماعي ، يتعامل مع محيط اجتماعي يؤثر فيه ويتأثر به ،ويصبح بعد نضوج قدراته وطاقاته الإنسانية عضوا يستوعب الجماعة والبيئة ، ويتواصل معها فاعلا منفعلا      .
وبالنسبة للاتجاهات الحديثة في تربية الطفولة فهي:      
1ــ الاتجاه الأول: هو الاتجاه الواقعي في تربية الطفل :حيث تهتم التربية حسب  الاتجاه الواقعي بتربية الحواس أولا ،ثم الفكر فالملكة الناقدة أخيرا،و أكدت أهمية استخدام الحواس في اكتساب المعرفة وخصوصا في مرحلة الطفولة المبكرة ،لأن العقل لا يمكن أن يحصل على المعلومات إلا إذا وصلت إليه عن طريق الحواس أولا ، ولذا ينبغي الاهتمام بتنمية الحواس في مرحلة ما قبل السنة السادسة من عمر الطفل ليستطيع الطفل أن يدرك بيئته ،وفيها تعلم الأم طفلها كيف يتكلم ويلاحظ الطبيعة         .
وهكذا تتجسد فلسفة الواقعية الحسية في استغلال حاسة البصر عن الطريق الصورة و الكلمة في جعل تعليم الصغار أيسر وأكثر قبولا من جانب من يقومون بتعليمهم ، كما أوضحت الكيفية التي ينبغي أن يتعلم بها الأطفال العلوم المختلفة ، وهي طريقة تستند إلى استخدام الحواس والملاحظة و التجريب ثم الاستنتاج ، وقد أكدت أهمية دراسة الأشياء نفسها أو استخدام صور لها إذا لم توجد ، و وضحت هذه الفلسفة أن يكون التعليم عن طريق العمل إذا كانت العلوم عملية ، وهكذا نادت باستغلال المواهب الطبيعية التي زودت بها الطبيعة الجنس البشري ،و هي الحواس و العقل لجعل تربية الطفل مبنية على ارض الواقع المحسوس .         
ويمكن أن تكون العملية التربوية سهلة ، وذلك إذا بدأت في سن مبكرة وكان الطفل مستعدا لها ، وبدأت من العام إلى الخاص ، ومن السهل إلى الصعب ، وتماشت مع عقلية المتعلم وطبيعتها، وإذا تعلم الطفل كل شي عن طريق حواسه.
كما وضعت الفلسفة أو الاتجاه الواقعي أصولا لطريقة التدريس، وقد تأثرت طرق التربية الحديثة بهذه الأصول، وقد وحدد  “كومنيوس” هذه الأصول على النحو الآتي:   
ــ  يجب إن يتعلم الطفل كل ما لابد أن يعرفه، ويكون التعليم بعرض الشيء أو الفكرة مباشرة على الطفل، لا بعرض نموذجــه أو رمزه.          
ــ كل ما يعلم يجب أن يعلم على أنه ذو قيمة عملية في الحياة اليومية وذو فائدة معينة.          
ــ  كل ما يدرس يجب أن نشير إلى طبيعته الحقيقية وأصله أي أسباب وجوده.           
ــ يجب شرح المبادئ الأولية للموضوع ثم نذكر بعد ذلك التفاصيل.
ــ  يجب تعلم كل عناصر الموضوع دون استثناء مع بيان ترتيبها وعلاقاتها بعضها ببعض.
ــ  يجب أن تؤكد الفروق التي توجد بين الأشياء.           
ــ يجب ألا تعلم أكثر من موضوع في المرة الواحدة و إلا تترك موضوعا دون تفهمه تماما.
لقد اهتمت هذه الفلسفة أو الاتجاه اهتماما كبيرا بضرورة تناسب العلم الذي يعلم الصغار مع مستوي نضجهم العقلي، و إلا فسوف يذهب التعليم سدى ولا يصيب منه الصغار شيئا يذكر ، بالإضافة إلى ذلك فقد إلى ضرورة أن تكون هناك فائدة لكل ما يتعلمه التلاميذ، إذ ليس من المرغوب فيه أن يتعلموا أشياء عديمة الفائدة لهم .
وبذلك يمكن القول، أن فلسفة الاتجاه الواقعي حاولت أن تقيم طريقة تربوية في الاتجاه العلمي مع الاحتفاظ بالهدف الديني ، وقد نجحت في هذه المحاولة نجاحا يستحق التنويه ، وقد تأثر المربون فيما بعد بالكثير من آراء هذا الاتجاه .      
2ـ الاتجاه الثاني: الاتجاه الطبيعي :حيث تمتد جذور الحركة الطبيعية في التربية إلى أواخر عصر النهضة العلمية، عندما ضعفت الإنسانية وأصيبت بالركود والتجمد.وقد كانت تلك الحركة الطبيعية المبكرة ثورة على منطق العصور الوسطى، وضحالة التعليم فيها، فبعد أن كانت دراسة الإنسان عن طريق آدابه،ممثلة في تراث الإغريق والرومان ، ومن مميزات الحركة الإنسانية في عصر النهضة ، فقد تدهورت هذه الحركة عندها تحولت الدراسة إلى دراسة كلمات وعبارات جوفاء لا صلة لها بالحياة ، ومن الطبيعي أن يتلو هذا الجمود حركة طبيعية تبعث في التربية طلاوتها ،وكذلك تبعث الحياة من جديد .حتى تستطيع أن تواكب حركة التطور الإنساني وقتئذ . ولا يستطيع أحد أن ينكر أن الحركة الطبيعية في التربية قد دفعت بالتربية خطوات نحو الهدف ، ولا نغالي إذا قلنا أن كل تقدم حدث في طرق التربية في الآونة الأخيرة ، يرجع فضله إلى الحركة الطبيعية ، التي أهبت بنا إلى معرفة طبيعة الطفل وإقامة دعائم التربية على أساسه       .
لقد كان من نتائج عصر التنوير في التربية ، ظهور نظريات تربوية جديدة ، ولكن لم تضع هذه النظريات التقليدية التي تقوم على النظرة العقلية تهيمن على التربية ، و كذلك اتخذ ( التدريب العقلي ) شكل تدريبات ومحفوظات قاسية ،.كما اتبع أقسى أنواع العقاب البدني كالضرب بالسياط .ولقد كانت هناك محاولات جديدة لتحطيم هذا النمط التقليدي في التربية ، فلقد تضمنت فلسفة جون لوك بعض هذه المحاولات ، فقد اهتم لوك بدور الخبرة في التعليم ، واهتم بالجسم كما اهتم بالعقل أيضا فنادي بصحة الطفل عن طريق العناية بطعامه ونومه وملعبه وعاداته الصحية والرياضية ،ولفت الأنظار والاهتمام بميول الطفل عن طريق الاهتمام باللعب
ـ أما جاك روسو الذي تأثر به ابلغ الأثر ودعم الاهتمام بطبيعة الطفل والاهتمام باللعب ومما لا شك فيه أن المذهب الطبيعي ، كان من مميزات الفكر الحديث، أن بذور الحركة الطبيعية في التربية ترجع إلى روسو الذي فرق بين التربية الإيجابية والسلبية للطفل فلقد أطلق اسم التربية الإيجابية على تلك التي تميل إلى تشكيل العقل وهو لم ينضج بعد ، وأطلق اسم التربية السلبية على تلك التربية التي تميل إلى كمال الجسم ، و التي تجاهد لإعداد طريق العقل ، بتدريب الحواس تدريبا صحيحا .وبذلك يمكن القول بان التربية الطبيعية تتجه إلى الطفل أكثر من اتجاهها إلى المربي، أو المدرسة ، أو الكتاب ، أو مادة الدراسة . بل هذه جميعا لا قيمة لها إطلاقا ، والقيمة كل القيمة التي يجب أن تتجه إليها التربية هي الطفل ولا أي شي سواه . ولهذا يطلق الباحثون على التربية في عصر ما بعد روسو بأنها تربية ( طفليه )حيث تجعل الطفل مركز الاهتمام والدراسة والتركيز.  
أن التربية الطبيعية يجب أن يكون أساسها طبيعة الطفل ، التي يعتقد المربون الطبيعيون أن هذه الطبيعة خيرة . والمربون الطبيعيون يهتمون بالطفل كما هو كائن فعلا ، أكثر من اهتمامهم به كما ينبغي أن تكون فلا يعتبرون التربية عملية إعداد للمستقبل بل هي إعداد الطفل للحاضر .وكذلك يؤكد كثير من الكتاب والباحثين أن المؤسس الحقيقي والمبشر الأول للحركة الطبيعية في التربية هو الفيلسوف الفرنسي (جان جاك روسو )، حيث أن حياة روسو وظروفه الخاصة،وكذلك ظروف تربيته كانت لها اكبر الأثر في تشكيل أفكاره التربوية .
3ـ الاتجاه الثالث: الاتجاه النفسي وتربية الطفل ما قبل المدرسة: حيث اقترح “فروبل ” منهاجا يسير عليه نظام الدراسة في روضة الأطفال يتلخص في الرسم والتلوين وثني الورق وقصه ولصقه في أشكال زخرفية ثم عمل نماذج مجسمة من الصلصال، ثم الأشغال التي تستخدم فيها القش والحبال والخرز، بالإضافة إلى ذلك التمرينات التي يمكن للأطفال أن يتدربوا عليها باستخدام الهدايا المختلفة التي تدرب حواسهم من حيث التفريق بين الألوان والأسطح والملمس وغير ذلك.و اعتمدت فكرة (فروبل ) عن رياض الأطفال على ثلاث حقائق هي:          
ــ ] نمو القوى العقلية والجسمية والنفسية       .
ــ  الحصول على المعرفة     .
ــ  الوصول إلى المهارة في العمل وبخاصة عند تطبيق المعرفة على العمل .
لذا رأي فروبل، أن يوجه كل اهتمامه إلى تربية حواس الطفل التي هي أبواب العقل ،إذ تصل منها المعلومات وهي الوسيط بين الكون الذي يعيش فيه ،ولتحقيق ذلك اعد (فروبل ) الهدايا و الأشغال التي تدرب حواس الأطفال على استقبال المعرفة وتناسب سنهم ، فكان يرى أن الطفل الصغير يمكن أن يعطي كرة مصنوعة من الصوف ، ذات لون واحد من الألوان الأولية ( أحمر ـ أخضر ـ أزرق ـ أصفر ) وذلك ليلعب بها ، وأن الطفل عندما يمسك بها وتقع منه، ثم يتشبث بها. أن هذه الحركات تقوي عنده حاسة اللمس والعضلات والمفاصل، و تعطيه السعادة التي تنتج من اللعب والحركة وتكرار قذف الكرة واسترجاعها، وفي الوقت نفسه يمكن للأم أو للمعلمة أن تربط بين حركة الكرة في اتجاه معين والكلمة المرادفة للاتجاه، وذلك بقول الكلمة مع حركة الكرة مثل( يمين ـ شمال ـ أعلا ـ أسفلالخ) وهكذا يصبح الطفل قادرا على الملاحظة بالحواس، قادرا على التعبير بالكلمات كما يلاحظه.
وتعد الهدايا التي ابتدعها (فروبل ) من أهم مميزات طريقته في تربية الطفل في روضه الأطفال، وقد استغرق في التفكير في شانها واختراعها خمسة عشر عاما ، ويلاحظ أن كل الهدايا والأشغال تشمل الأنشطة المدربة لحواس الطفل، وخاصة حاسة النظر والألوان والإشكال وحاسة اللمس عموما.           
لقد كانت لعب الأطفال تشكل الوسائل، و المنهج والكتاب بالنسبة لأطفال رياض الأطفال عند (فروبل ) ولذلك اختار ثلاثة أشكال، رآها ذات قيم تربوية عديدة، وهي الدائرة والمكعب والاسطوانة، كانت الكرة هي الدائرة التي تحمل المعاني التربوية التي استهدفها، فيها يشبع الطفل نهمه للعب وفيها السطح الواحد، والسطح المتعدد الجوانب، وفيها الخوص والعموم، وفيها السكون والحركة، وفيها الألوان المتعددة، وبها يصرف طاقته الحيوية وتنمو انفعالاته وتصان أخلاقياته، ويمكن أن تستخدم استخدامات تربوية متعددة.      
واللعبة الثانية هي المكعب فهي تشبه اللعبة السابقة في أشياء وتختلف عنها في أشياء ففيها الوحدة والاختلاف، في المكعب يتعرف الطفل الشكل والحجم والمساحة والعدد ، من المفيد استخدام الكرة والمكعب معا في كثير من التكوينات ،والاسطوانة هي حلقة وسطي تجمع بين الضدين السابقين الكرة والمكعب     .
وقد رأى “فروبل”  في الرسم ضرورة لحياة الطفل مثل اللعبة، حيث كان يري أن كفاءة الرسم فطرية مثل كفاءة الحديث وينبغي تطويرها وتهذيبها، وان تمرين الطفل للنشاط الإبداعي المعبر عن إحساسه في الرسم يعتبر نقطة البداية والمركز الدائم للتربية الصحيحة الكاملة، ولذا فان رياض الأطفال تلجا إلى الرسم في كل شئ، لأنه يساعد على تقوية وتنمية العضلات الدقيقة لليد، ويمهد الطريق إمام قوي الطفل وتكوينه، ويمد القلب والعقل بنواحي إدراك ممتازة وأفكار رائعة.    
وأكد (فروبل ) أهمية ألعاب الحركة عند الطفل ، حيث عن طريقها ينمو الطفل ،ومن خلال اللعب يضع الطفل كل إمكاناته للوصول إلى هدف معين ،وبالتالي يتهيأ عقله ويكون لديه هدف محدد يضع فيه طاقته في أثناء اللعب ، يتعلم الالتزام ببعض القوانين الخاصة باللعب ،وهكذا يعد نفسه بالالتزام بقوانين الحياة فيما بعد ) ومن أهم الألعاب التي دعا إليها فروبل بالنسبة للأطفال ألعاب المشي والتجوال والجري والتمثيل.

 


الوسوم:, , ,

" حنان ناصر "

عدد المواضيع: 229 , الملف الشخصي:

محرره صحفية في مجلة الرافد الفكري