وجدانيات صعلوك (3) الوصيّــة ..!

22 مارس، 2018 لايوجد تعليقات شعر وخواطر

بقلم: الدكتور هاني الحروب*

 

أحبائي ، قبل أن تهيلو التراب .. خذوني إلى حُضن أمي لأنام قليلاً .. فأنا رحلت فيها طويلاً وأبداً .. أهيلوا  ترابها الحزين قدسيّة .. وانثروا قبري فوق البكاء والنوم .. لأعانق وأوقظ جثث الفقراء التي تملأ الطرقات والأزقة .. تصرخ مؤكدة على الإصرار والعزم والإرادة  . وتبقى تحمل حجراً للبناء وقذف الليل والخراب ..!.

أمي الحنونة ، يُحزنني الإستفهام والألم الممتزج كالألوان في عينيّك ، التي أكلها السُكر اللعين ..! صعب عليك أن لا تجهشي يا أم الشهيد .. وأكون على لسانك المقدس زغرودة عشق ..، أمي يا من ترين صمتي الأبديّ كثوب الأرض الرطب والطيّب .. كما تعرفين فقد مهرتها بالدم والعشق وصدق النيّة المفروشة بزهر الروح وطيبها ..!.

ويحدق الصمت في سنوات العمر المنقضيّة .. وأنا العاشق مسجّىً فوق نعشي .. نشوان بدمي وجراحي الراعفة .. فقنعت بنصيبي من الدنيا كنصيب الطيّر .. ورضيت كل الأشياء سوى القهر والذل …

حبيبتي ، يا من تزهرين في بحة نايي الحزين .. ومن قيثارة حُبنا ألحان المعازف .. فأتفرد في بدء النغمة ونتوحد عشقاً في مدى العين والنسمة .. وأعزفك تدلُهاُ .. ملحمة وسمفونية للدنيا والآخرة .. رغم التعرية وإشتعال الرأس شيباً .. فما زالت نارك تشب في القلب لهيباً لا ينطفىء .. وأحبك أرضاً وسماءً وقنديلاً وموالاً وآخرة .. أقدم لك شموعي ، التي إشتاقت لوجهك الذي يعرف حزني ووجعي .. ويغفو في قلبي قرير الجفنين …

حبيبتي ، يا ندى البحر الذي يطفو على الوجع وبُشعل الأرض فينا تحدياً وعشقاً .. آتيك بالحلم والقرنفل والحب .. نهراً نورق فيه ثانية ونرجع مع تدفق الماء والمد .. نتحدى الهزيمة والضعف .. أُسكنيني أكثر وأكثر .. وأنا وطنك ونجم حظك .. وشراسة العشق ورهافتة في حضنك الدافىء …

يا إمرأة هزمتني وقيّدت خُطايّ التي تدلني إليها .. وضيّعتني في ليل طويل لا أحبه بلا نجوم .. يا زهرة نفسي ويا وطناً يسكنني أبداً .. أظل فيك وأنغمس حباً وحزناً وشهيداً .. والتابوت أخرس .. يحملني بكل عناية وشوق .. يُظلل  على جرحي ويمر بدرب المدامع .. تاركاً ربيعاً لا يعرف اليأس ويدب في خريفي الغائب .. حُباً يموج في قلبي الصامت صراخاً لا يسمعه سواك .. لكن بعض الدفء يقتلني وبعض الموقف أكثر .. وألهث جداً لألقاكِ وراء النوم وحلمه .. وأنت سراب .. يجعلني أتي من أقصى الحزن لأغلق أبواب هزيمتي وضعفي .. وأُبشر بالإنسان والعشق .. وأغسل من لوحتنا كل الوجوه المهزومة .. فلا تنسي ملامحي ومعالم وصيّتي .. حيث أوصي لك بكلماتي المكتوبة والمخزونة في عمق المشاعر ومجامر النفس والوجدان .. بيديّ وإصراري ووعيي ودمي ساهمت في رسم الطريق وملامح المستقبل ..! فأنا أحببت الناس جميعاً .. لكن سهمك اشتعل في جسدي وروحي وأحلامي وأمنياتي .. عشقاً يُعانق الدنيا وكل جميل .. بالعشق تدثرت وأوقدت التحدي وتمردت .. ثم أطلقت وأطلقت .. فالتجأت إلى الشهادة التي خبأ الله فيها مفاتيح الجنة والرضوان .. حتماً ستجدينني في انتظارك لأعانقكِ على الصراط المستقيم يوم القيامة .. أمسح قطرات حزني لفراقنا الطويل جداً .. رغم أن روحي بقيت ترف حولك طوال لحظات حياتك .. لأسمع من خلالها صوتك وتفكيرك وكل خلجات داخلك …

أجسد الأمنية في احتضان روحك وتضاريس معالمك كلها والمحبة المشنشلة بالعشق وشبقه .. ونور الخالق يُدثرنا بلونه البهيج والرحب فرحاً يدبُ في الكيان المتعطش وفي أفق المكان وخلود الزمان ..! .

إبنتي العزيزة ، يا من تحتضنين يُتمكِ وحزنك .. في عالم قميء لا يرحم . يفتك بالروح والحق بعدوانية مطلقة ..! تأتين كشموع تحت نعشي وتذرفين دمعتين أو أكثر .. والقبر بليل عشقي أكثر غبطة مني .. أمطرني حزن بلادي .. وأيقظني فيك امتداداً ، يدب فينا بملامح وجهك والاشتياق .. ننصت للحزن المتأصل في فراقنا ولقائنا .. فنتعاطى الصمت وحزن الذكرى .. إصراراً على التقدم والحياة الكريمة والحرة ..!.

بُنيّتي ، يا من حملتك في قلبي لا تتركيني للنسيان .. سَمي أحد أطفالك باسمي .. فأمتد فيكِ وفي الحياة من جديد .. وإجعلي طفلك يناغي في فرح الجسد الحيّ .. وابتهلي له ولي ..! أوصيك بأمك ووطنك خيّراً وطاعة وحباً ومسؤولية .. وَرّثي ذلك من بَعدَكِ مع النزاهة والعشق وصدق المسلكيّة .. فتمتد حياتك وذكراك أبداً …

صديقي العزيز ، أراك تبكيني بألم وحرقة من الصعب أن تنتهي .. إشعل بدموعك وحبك .. فانوس عشقي لأمتد فيك ومن حولك .. وأكون العاشق والذكرى .. واللقاء في لوحة شمس الأصيل ..!.

 * كاتب وأديب عربي”مبدع” من فلسطين.

 

 


الوسوم:, ,

" دكتور زاهر زكار "

عدد المواضيع: 48 , الملف الشخصي:

كاتب وباحث أكاديمي ، مدير مركز الاشعاع الفكري للدراسات والبحوث.