لا رثـاء للنـوارس…

2 مارس، 2018 لايوجد تعليقات شعر وخواطر

بقلم/ د. هانـي الـحروب

من قمةِ الفضاءات تنزلُ بينَ الأزرقِ والـسماءِ.. تتحدثُ مع ظلكَ في الشارعِ وتفزعُ من الـمشيِ عبره وحدَك.. خائفاً من أن ُتغمضَ العيون..، غاضباً وسريعاً، لا تستطيعُ الحركةَ.. وضوءٌ يُضيُ نفسَكَ، وتعلقُ فوقَ جدارِ الذاكرةِ، فكرةٌ أكثرُ من لونٍ، الأزرقُ أزرقُ من صخورٍ ، ورمل يندفعُ بصمتِ الأفقِ الـمنهار ويتحولُ إلى فراغٍ لا ضوءَ ولا ظلَ، رُغمَ النّارَ والأضواء الـمضاءة في السماءِ.. ولـم يبق إلاّ أكياسٌ مليئةٌ بالظلِ ووعاءُ زهرٍِ أصبحَ سلةَ مهملات.
ننتظرُ عودة الوقتِ غير الـمؤكدة من خلال شقوق في الأفقِ، وأنتَ لا تزالُ نائماً بينَ الوقت واللحظة دون مساعدة من أحدٍ..عندها تفتحُ عينيكَ.. هل ستسيرُ مرةً أخرى بينَ الساعاتِ وتحملُ الشهادةَ إلى الوقتِ واقتراناتهِ، ستفتحُ أبوابَ اليومِ وتدخل الـمجهولَ، حيث السماءُ تصهل ولتطوق الأرض تحت ظل شمسٍ مكسوفةٍ أو توهُجِ أعشابِ الـمرجِ التي تُركت لتعيشَ في العقلِ، مثل أشكالِ غيومٍِ في الأخبارِ الـمعتمةِ.
وددتَ أن تُضيفَ فصلاً لتعيدَ بثَ الأسطورةِ..، فينموُ الوطنَ هادئاً على راحةِ يديكَ، كنبضة الحياة التي ُتفشل كل أشكال القوة القاسية، عندما تُحاصرُها بالإرادةِ.
تمرُ سنواتٌ، ومخزنُ يوميّاتكَ، ينمو كي يُعيدَ بناءَ خطِ السّيرِ، ساقاكَ الـمنفرجتانِ تُصّرانِ على تحقيقِ هدفهما، وأنتَ تحملُ عبءَ التمّردِ.. ورجل وراءَ الشاربِ جادٌ، وبسيطٌ وقويٌ، الكون واسعٌ وقلبكَ أوسع..فكنتَ شجرةً وصرخةَ أطفالِ كل الأزقةِ تحتَ القمرِ.. وفي وضحَ النهارِ، حزين دائماً والقصة الطويلة لا تنتهي.. فترتدي أفضلَ الأحلامِ وتمتطي الريحَ حصاناً لتصلَ رابية أبو الزرد.. تتوضأ بالزيتونِ وتفترشُ الزهور.. علاماتٌ رماديةٌ والرملُ تحتَ أقدامِ الـموتى محيط من الضبابِ.. والجسد مليء بالـمفاجآتِ تتأملُ نفسها، علاقاتُ الحياةِ والـموتِ تتضاعفُ في الفكرةِ والصورةِ.. وأنتَ تعرفُ الـموتَ وقلقَ الـمعيشةِ والوحدةَ ونهاية كُلِ العُشَاقِ لكنك شهيد خالد ولهبٌ ساطعٌ لامُتناهٍ ومستمر. كنا نعيشُ على الأرضِ ذاتِ الشجرِ الهامسِ، نقيمُ صلواتِنا مع تسبيحاتِ زهرةِ النجمةِ، وضفافِ أحلامنا الواضحةِ.. تُراقبُ عبورَ الصباح وتعزفُ الألـمَ والشكوى مجتمعين في عشبِ الـماءِ الـمنعشِ وتحت ظلالِ الصفصافِ…
كنا أبرياءَ وحكيمينَ جداً، ونضحكُ في عيونِ بعضنا بعضاً، وأجنحةُ أبي الحناءِ تهفُ أقواساً محمومةً، وتلتفُ محاولةً العناقَ، بينما عشتاركَ تتلـمسُ جبينكَ البارد وتغسلُ جسدكَ بألوانِ قُُزحٍ..
يا ابن أخي الاسكاكيّ لا تسأل عن شيءٍ تقفُ خلفه مآس كبيرة وحُزن غريب، كن هادئاً فثمةَ ريحٌ خفيفةٌ تُديرُ الوجوهَ الشاحبةَ والحزينةَ.. أصغِ الآنَ للتعثر الدافئ الذي يسيلُ ببطءٍ وبنغمٍ عميقٍ وواضحٍ لتُريحَ أوجاعَ جراحكَ الـمتعبةِ فوق أطرافكَ الـمرتعشةِ، وُحلُمٍ مُسحَ ليتوهجَ في تعويذة الراحةِ، التي تغرقُ عبرَ الألوانِ الـمتلاشيةِ في الأعماق وتعومُ في بركةٍ مقمرةٍ إلى الأبدِ.
الدموعُ لها مهابةٌ عندَ الظهور.. عفوية تدفقت بكبرٍ وصمتٍ، وكانَ الشارعُ مبللاً بالدمعِ والـموكب غارقاً في الـمهابةِ.. وجاءَ الـمساءُ على طولِ الـمدى والـمكان والطبيعة ُتكررُ نفسها.. وطائرُ قوسِ قزحِ، يُحلقُ في كلِ مكانٍ .. ويرسمُ فضاء لا نهائي..، أخيراً توسدتَ عشيقتكَ… وتلـمستَ طريق الأبدية.. وروح الشهادة تُحلقُ في السماءِ وتحملُ أثقالَ الإنسان… ترى الشمسَ وجهاً لوجهٍ، تُضاءُ برماحٍ خفيفةٍ..، تجعلُكَ وترا فضيا ساحرا يعزفُ الظلامَ تحتَ شجرةٍ مندورةٍ بالرّياحِ.. وفي اليومِ الأربعين على استشهادك.. نحاولُ أن نتوازنَ فوقَ موجةِ الـمدِ الهادئةِ، حيثُ لا رثاء للنوارسِ.. كان يومكَ بلا نهايةٍ، شمساً مدلاّةً، بينما نسيجُ العالـمِ في الأسفلِ، لأنَ الوقتَ طوليٌ، لكن الربيع أنتَ .. فتعم الزمكان..، لأنّ وقتكَ عرضيٌ وعُمرَ الحياةِ كُلّهُ شمعةٌ.


الوسوم:, ,

" دكتور زاهر زكار "

عدد المواضيع: 48 , الملف الشخصي:

كاتب وباحث أكاديمي ، مدير مركز الاشعاع الفكري للدراسات والبحوث.