ظاهر الخجــل النفسي لــدى المراهقــات الأسباب وآلية العلاج..!

16 مارس، 2018 لايوجد تعليقات الرافد المعرفي

الكاتب/ دكتور زاهر زكار(*)

 

يعتبر الخجل صفة محببة في البنات بصفة عامة،والخجل الاجتماعي كظاهرة اجتماعية تعتري الجنس اللطيف وخاصة في مرحلة المراهقة، عندما يجدن أنفسهن في الأماكن العامة او في اجتماعات عمل او مقابلة رسمية..

غير ان الخجل النفسي مسألة أخرى،حيث ان هذا النوع من الخجل قد يؤثر تأثيرا كبيرا في السلوك والشخصية،وإذا كان الخجل الاجتماعي يمكن ان يخف او يتلاشى مع مرور الزمن،فإن الخجل النفسي يبقى عنيفا ومتشبثا،وقد لا يمكن التخلص منه إلا ببذل جهد كبير،والتدريب على اكتشاف او سبر أعماق النفس.

وفي مرحلة المراهقة تبدأ الاضطرابات النفسية المختلفة لدى المراهقة(ذكر-انثى) ففي هذه المرحلة عادة تتنازع الأحداث أطباع متناقضة،ففي الوقت الذي تطبع سلوكهم وتعاملهم مع الآخرين الوداعة والحلم تجدهم في ذات الوقت حادي الطباع ويغضبون عند أدنى إثارة..

وعليه،فإن مرحلة المراهقة هي أكثر مراحل الحياة تأزما والتعامل معها،وأصعب واشق بالنسبة لأولياء الأمور..حيث ان كثيرا من المشاكل التي يتعرض لها الناس يعود في أسبابها إلى عاملي الجهل والغفلة،ولا يخفى ان معظم أولياء الأمور لا يعرفون شيئا عن الحالات النفسية الخاصة بمراحل نمو أبنائهم،إن لم يكن الجهل بمجمل العلوم النفسية والنظر إليها بعين الخجل والحياء والازدراء.لذا فإن الآباء لا يستطيعون التعامل مع أبنائهم كما ينبغى او كما تتطلبه الحالة،فضلا عن مساهمتهم في مضاعفة تعقيدات بعض المسائل في أحيان كثيرة.

وتبقى المسألة الأهم هي تغافل الآباء والأمهات للأشياء التي يعونها،ومن هنا فإن أولياء الأمور جميعا يدركون ضرر البيئات الاجتماعية المنحرفة،ويعرفون جيدا ان هناك أشخاصا فاسدين ومفسدين،وفي جميع المجتمعات يتعرضون إلى الآخرين،ومع ذلك لا تأخذ هذه المسألة موقعها الحقيقي من الاهتمام علاوة على تجاهل الآباء للأبناء أنفسهم فلا يولوهم الاهتمام المطلوب،ويبرر هذا الإهمال والتجاهل تحت عناوين مختلفة كصعوبة الحياة وظروف العمل القاسية وغيرها من الأمور والتي وان كانت صحيحة إلا انها لا تصح ان تكون مبررا لتجاهل الأبناء والتقصير في تربيتهم ورعايتهم وتنشئتهم النشأة السليمة الصالحة.

وتلعب العاطفة دورا هاما في حياة المراهقات،حيث ان النمو العضوي المتسارع لدى الفتاة في هذه المرحلة من العمر،يرافقه نشاط فطري وغريزي من نوع اخر،فتحرك العواطف والمشاعر في مجال جديد يترك أثاره على طبيعتها وسلوكها بشكل يضع أولياء الأمور أمام واقع جديد،فإن الفتاة في مرحلة المراهقة تمر بدور  النضج والنشاط العاطفي الخاص،حيث تغادر الفتاة تعلقها بوالديها وتتجه بعواطفها واهتماماتها إلى بنات سنها،والى أبناء الجنس الأخر،والى الحياة الزوجية،ومن العلامات البارزة في مرحلة المراهقة سرعة التبدل العاطفي،حيث تبدو الفتاة المراهقة قلقة وغير مستقر نفسيا على حال او لون معين،ففي الوقت الذي يكون فيه أعضاء هذه الفئة العمرية مسرورين ومنبسطين يمكن ان تتغير هذه الحالة ليحل محلها الغم والهم لأتفه الأسباب،فتارة يحبون بشدة وأخرى يكرهون بشدة كما انه وقبل ان تتمركز عواطف الفتاة المراهقة وتستقر حول الجنس الأخر،فإنها تتعرض إلى نوع من القلق والاضطراب الممزوج بالحيرة.

ويرى”موريس دبيس” في ذلك ان الإناث تنجذب إلى الحب مبكرا،وان عاطفة الحب لدى الإناث هي أخصب مما لدى الذكور بكثير،إلا أنهن مختلفات عن الذكور في مجال الاستمتاع الجنسي كما ان الإناث يرغبن في ان يكن محور ومركز الجذب في الحب وليس العكس،وهذه الحالة هي واحدة من الفوارق العاطفية بين الجنسين.

وفي نفس الوقت،فإن الإناث في مرحلة المراهقة يتمتعن بدرجات عالية من الإخلاص والصدق وبميل عاطفي شديد إلى التضحية من اجل ما يحببن،وان الخطر الذي يكمن هنا هو تغلب الشعور العاطفي الطافح على المنطق والتفكير العقلاني السليم،الامر الذي يدعو الى إعمال الرقابة عليه وترشيده باستمرار…

وبخصوص حياء وخجل المراهقة،فإن الجمال العضوي يكتسب لدى الفتيات أهمية استثنائية،وكلما كان هذا الجمال منسجما مع نظرتهن إليه كلما زاد تعلقهن واستمتاعهن به إلى درجة يتحول معها الاهتمام بهذا الجانب عند بعض المراهقات إلى نوع من العبودية والهيام المفرط بالجسد.

ولا يقتصر اهتمام المراهقات بالجمال على الجانب العضوي وحسب،بل يتجاوزه إلى الاهتمام بالكمالات الأخرى أيضا،إنهن يسعن إلى بلوغ حد الكمال في مجالات العلم والأخلاق،والأدب وحتى العبادة وخصوصا عندما يتلبسن بلباس أصحاب القيم والمبادئ،ويحاولن مجاراة الكبار في السلوك،وكما تمتاز الفتيات في مرحلة المراهقة بالكبرياء والغرور،ويمتزن بخصلة الحياء والخجل ايضا،وهذه الاخيرة تعد نعمة كبيرة لهن،وصيانة من كثير من حالات السقوط والانحراف،فإذا قل الحياء والخجل قل التورع عن ارتكاب المعاصي والذنوب،وقد اشار الإمام علي أمير المؤمنين(كرم الله وجهه)إلى هذا المعنى بقوله”من قل حياؤه قل ورعه..!”

ان الفتاة المراهقة تقع تحت قوتين،قوة التوجه والرغبة بالاستمتاع بالجديد من اللذائذ من جهة،وحالة الحياء والخجل التي تحول دون اطلاق العنان لرغباتها من جهة اخرى،واذا قدر لهذا الحياء والخجل ان يزول بنحو او بأخر،فإن حصن الفتاة المراهقة يكون قد انهار على رأسها…ولدينا في الدين الإسلامي الحنيف الكثير من الروايات والأحاديث التي  تشير إلى هذا المعنى،وتفيد بأن اللمسة الاولى تزيل ثلث الحياء،وأول ارتباط جنسي يزيل الثلث الثاني..وهكذا،ومن هنا يجب علينا ان ندرك حقيقة ان الحياء والخجل هو حصن الفتاة،حيث يقول العلماء في ذلك:”ان سن المراهقة هي سن الحساسية المفرطة والتأثير السريع بالأشياء،حيث يتأثر وينزعج بشدة لأبسط المسائل التي لا تتوافق مع ميوله ورغباته،وتصبح الأوضاع بنظر الفتاة المراهقة جحيما لا يطاق إذا ما شعرت بأدنى ظلم او تميز بحقها،وهو ما يلفت انتباه أولياء الأمور والمربين إليه بشدة،وفيما يخص أسباب هذه الحالة، فقد أرجعها البعض إلى الصحة ونشاط الغريزة،فيما يقول فريق آخر أنها ناتجة عن ظروف نفسية متأزمة،في حين يذهب آخرون إلى اعتبارها ناشئة عن دقة العاطفة،وحب التفوق الذي غالبا ما تواجهه عقبات.

وحول التصرفات السلوكية للمراهقات،فإن فريق من  الخبراء والمتخصصين يرون ان مرحلة المراهقة واحدة من أكثر مراحل الحياة تأزما وقد شبهوها بالعاصفة العاتية وقالوا:”ان هذه العاصفة تهز المراهقة هزا عنيفا إلى درجة يمكن معها القول انها تعيش خلالها حالة من القلق والاضطراب والحيرة الشديدة..ولذلك فإن التوجه أو السلوك الذي يتحرك بدوافع العواطف والأحاسيس وخاصة فيما اذا كانت تلك التصرفات السلوكية غير منضبطة وليس لها إطارا محددا،هو السبب الحقيقي في حصول الكثير من المشاكل الأخلاقية.

والحقيقة ان ما درجت الأعراف عليه،هو ان الأبناء يطيعون أوامر الوالدين قبل سن المراهقة،ويبدون خضوعهم التام وعدم إبداء ما يدل على الرفض والمقاومة،وحتى في حالة تعرضهم إلى الضرب والعقاب من قبلهما،إلا ان ما تواجهه الأسرة في مرحلة المراهقة في سلوك الفتاة،ما تعتبر فيه الفتاة المراهقة نفسها قد كبرت ولا تفرق عن والدتها في شيء ولا بد ان تكون المعاملة معها على نحو أخر.

لذا فإنها لا تعتبر الأوامر ونواهي الوالدين على انها مسلمات يجب الالتزام بها،وإنما تعمل فيها فكرها وتتخذ القرار الذي تقتنع فيه وان كان متعارضا مع رأي الوالدين.

والواقع ان سلوك الفتاة المراهقة ينتظم ويتشكل بالتدريج ويتجه نحو مدارج النضوج والاكتمال إلا ان الوصول إلى هذا الهدف يتطلب فترة زمنية أولا وصبر وتحمل أولياء الأمور والمربين ثانيا،ويستحدث لدى الفتاة في سن المراهقة خاصة في سن(12-13)نوع من الوعي في مجالات عديدة،أهما الوعي الديني والوعي الوجداني،والوعي الفطري وتبدأ تتأثر بشكل واضح بأخلاق وسلوكيات الآخرين نتيجة انخراطها في الحياة الاجتماعية.

ان دخول الفتاة المراهقة في أوساط المجتمع الغنية بالنماذج الحياتية المختلفة يبدو في نظرها عالما جديدا مليئا بالأسرار والمفاجآت مما يضفي عليه عنصر الجاذبية،لدى نرى الرغبة الشديدة في محاكاة الفتاة بما ينسجم منها مع ميولها ورغباتها النفسية في حياتها الشخصية والاجتماعية الجديدة.

ومع مرور الزمن يتغير سلوك الفتاة المراهقة (تدريجيا) حتى يصبح في الحياة انعكاسا لصورة الوضع البيئي الذي يحيط بها،بحيث تلفت فيها الانتباه بما يطرأ على شخصيتها من تغيرات في علاقاتها الاجتماعية ومحاولاتها الحثيثة لمحاكاة الوسط الجديد في السلوك والملبس.

ومما يجدر التذكير به هو ان عالم المراهقة وخصوصا ما يتعلق بالفتيات هو عالم الصفاء والنقاء الروحي الخالص الذي لا تشوبه شائبة ويمكن ان يبقى كذلك ما لم تلوثه عوامل الانحراف،ويلعب الحوار بين الأم وابتنها المراهقة دورا أساسيا(وفق تقديرات علم النفس)فهو يقلص فارق العمر بين جيلي الامهات والبنات ويساعد البنات في تعزيز ثقتهن بأنفسهن ويحقق لهن الاستقلالية،كما انه يبقي الامهات قريبات من بناتهن ومطلعات على مشكلاتهن وهمومهن،ما يمكنهن من التدخل السريع عند الحاجة.

ومما لا شك فيه ان المراهقات يخسرن كثيرا في ابتعادهن عن امهاتهن اذ ان القرب من الام”يقدم الدعم النفسي للنمو ويخفف من مشاعر الكبت والقلق والخوف والخجل”

إن ابرز المشكلات والتحديات السلوكية في حياة المراهقات تتمثل في المشكلات التالية:

1-الصراع الداخلي:حيث تعاني الفتاة المراهقة من وجود عدة صراعات داخلية منها صراع بين الاستقلال عن الأسرة والاعتماد عليها وصراع بين مخلفات الطفولة ومتطلبات الأنوثة، وصراع بين الغرائز الداخلية وبين التقاليد الاجتماعية.

2-الاغتراب والتمرد:فالمراهقة تشكو من أن والديها لا يفهمانها ولذلك تحاول الانسلاخ عن مواقف وثوابت ورغبات الوالدين كوسيلة لتأكيد واثبات تفردها وتمايزها وهذا يستلزم معارضة سلطة الأهل،لأنها تعتبر ان أي سلطة فوقية او أي توجيه إنما هو استخفاف لا يطاق بقدراتها العقلية التي أصبحت موازية جوهريا بالقدرات الراشدة واستهانة بالروح النقدية المتيقظة لديها والتي تدفعها إلى تمحيص الأمور كافة وفقا لمقاييس المنطق وبالتالي تظهر لديها سلوكيات التمرد والمكابرة والعناد والتعصب والعدوانية.

3-الخجل والانطواء:يؤدي التدليل الزائد والقسوة الزائدة إلى شعور الفتاة المراهقة بالاعتماد على الآخرين في حل مشكلاتها،لكن طبيعة المرحلة تتطلب منها ان تستقل عن الاسرة والاعتماد على الذات فتزداد حدة الصراع لديها،وتلجأ إلى الانسحاب من العالم الاجتماعي والانطواء والخجل،من التغيرات التي حدثت في شكلها وجنوحها لتقليد امها في سلوكياتها وتذبذب وتردد عواطفها،والميل لتكوين صداقات مع الجنس الاخر،وشعورها بالقلق والرهبة عند حدوث اول دورة من دورات الطمث،فهي لا تستطيع ان تناقش ما تحس به من مشكلات مع افراد الاسرة كما انها لا تفهم طبيعة هذه العملية.

ويتفق خبراء الاجتماع وعلم النفس والتربية على اهمية اشراك المراهق في المناقشة العلمية لمعالجة المشاكل التي يمر بها،والتي تناول علاج مشكلاتها وتعويدها على طرح مشكلاتها ومناقشتها مع الكبار في ثقة وصراحة وكذلك احاطتها بالأمور الجنسية عن طريق التدريس العلمي الموضوعي حتى لا تقع فريسة للجهل أو الإغراء.

كما أوصوا بأهمية تشجيع النشاط الترويحي الموجه والقيام برحلات والاشتراك في مناقشات الساحة الشعبية والأندية،كما يجب توجيهها نحو المشاركة في مشروعات الخدمة العامة والعمل الصيفي..الخ.

والتأكيد على ضرورة وجود الإذن المصغية في تلك السن لحل المشكلات التي تعترض سبيل المراهقات،كما ان إيجاد التوازن بين الاعتماد على النفس والخروج في زي النصح والتوجيه بالأمر إلى زي الصداقة والتواصي وتبادل الخواطر وبناء جسر من الصداقة لنقل الخبرات بلغة الصديق لا بلغة ولي الأمر هو السبيل الأمثل لتكوين علاقات حميمة بين الآباء وبناتهم في سن المراهقة.

ويعتبر شعور المراهقات بالخجل والانطواء هو الأمر الذي يعيقهن عن تحقيق تفاعلهن وتظهر عليهن هاتين الصفتين من خلال احمرار الوجه عند التحدث والتلعثم في الكلام وعدم الطلاقة وجفاف الحلق.

ان أسباب الخجل والانطواء عند المراهقات متعددة وأهمها:

عجزهن عن مواجهة مشكلات المرحلة،وأسلوب التنشئة الاجتماعية التي نشان عليها فالتدليل الزائد والقسوة الزائدة يؤديان على شعورهن بالاعتماد على الآخرين في حل مشكلاتهن،لكن طبيعة المرحلة تتطلب منهن ان يستقلن عن الاسرة والاعتماد على انفسهن،فيحدث الصراع لديهن ويلجان إلى الانسحاب من العالم الاجتماعي والانطواء والخجل عند التحدث مع الآخرين.

ولعلاج هذه المشكلة،ينصح الوالدين،توجيه المراهقة(المراهق)بصورة دائمة غير مباشرة وإعطائها مساحة كبيرة للنقاش والحوار معها والتسامح معها في بعض المواقف الاجتماعية وتشجيعها على التحدث والحوار بطلاقة مع الآخرين وتعزيز ثقتها بنفسها.

وتنضج الفتاة المراهقة التي يعتريها الخجل باعتماد اسلوبا يساعدها على تخطي الخجل عبر إحاطة نفسها بالصديقات مما يخفف او يبعد عنها الشعور بالإحراج والخجل عموما جيد ومحبب،ولا يمنع الفتاة من الصراحة التي تفضلها،ويمكنها ان تكون أفضل حالا في تشجيع الاخرين على تخطي الخجل ومعاملتها بالمثل.

وأحيانا تعاني الفتاة المراهقة من نوعين من الخجل الاجتماعي والخجل النفسي لكن بحدود وفي مواقف معينة،والغريب(احيانا)ان قدرتها على تجاوز الخجل النفسي تفوق قدرتها على تجاوز الخجل الاجتماعي إلا انه بوجه عام تستطيع التكيف والانسجام مع محيطها من دون ان يكون الخجل عائقا كبيرا والنصيحة لها ان ترددها(احيانا) يربك الاخرين وعليها ان تحاول ان تخفف منه وهذا سيجعلها اكثر جرأة في بعض المواقف،فالبنت المراهقة التي تعتريها حالة الخجل تظل بحاجة إلى بذل الكثير من الجهد كي تتغلب على خجلها الذي يشدها إلى العزلة والانطواء في كثير من الاحيان،وعليها تدريب نفسها تدريجيا على الشجاعة عبر وضعها في مواقف مختلفة.( * كاتب/ باحث متخصص في الدراسات الأكاديمية والتنمية البشرية)

 


الوسوم:, ,

" دكتور زاهر زكار "

عدد المواضيع: 48 , الملف الشخصي:

كاتب وباحث أكاديمي ، مدير مركز الاشعاع الفكري للدراسات والبحوث.