تـأديــب الأطفــال…بين العقــاب والثــواب..!

22 مارس، 2018 لايوجد تعليقات الرافد الاسري

الكاتب/د.زياد الخالد

كيف يؤدب الآباء والأمهات أطفالهم؟هل أسلوب العقاب هو المتبع غالبا ام أسلوب الثواب؟وهل يختلف أسلوب التأديب حسب المستوى التعليمي والثقافي للوالدين؟ومتى يبدأ التأديب؟هذه بعض الأسئلة المحورية التي تتعلق بأساليب التأديب والضرر النفسي والجسمي الذي يلحق بالأطفال من جراء القسوة في التأديب،هذه الأسئلة وما شابهها ما يزال في حاجة على بحوث ميدانية لجمع البيانات والمعلومات بكل موضوعية عن ظاهرة تأديب الأطفال وخاصة حول العنف الذي يرافق هذه العملية والانعكاسات المختلفة التي قد تنجر عن ذلك.

لا شك ان أولياء  الأطفال يختلفون اختلافا كبيرا فيما بينهم في كيفية معاملة الأبناء منذ الولادة بحسب مختلف مراحل عمر الأبناء،ويعود هذا الاختلاف إلى عدة عوامل أهمها:المستوى التعليمي والمستوى الاقتصادي،المكانة الاجتماعية،عدد الأطفال في البيت الواحد،تربيتهم،نوع التربية التي تلقاها الآباء في طفولتهم،جنس الطفل(ذكر أو أنثى)جنس الأولياء(أمهات،آباء)الصحة النفسية والجسمية للأولياء والأطفال،نوع السكن والمحيط المادي والاجتماعي…هذه عوامل نرى أنها تحدد إلى حد كبير نوع السلوك الذي يمكن ان يتبعه الأولياء في عملية تأديب الأطفال،وهذه العوامل تظل في حاجة إلى بحوث ميدانية لتبيان درجة تأثيرها ومدى ترابطها،وتأثير بعضها في بعض.

ما ينبغي ان نؤكد عليه هو أن الأولياء(آباء،وأمهات)لا يكرهون أبنائهم ولا يريدون لهم شرا إلا في حالات محدودة او شاذة،ورغم هذا فإن الملاحظ هو وجود فروق كبيرة وكثيرة في طريق معاملة الأولياء للأبناء حتى في العائلة الواحدة،بل وفي الأسرة الواحدة،حيث نجد الأب قاسيا في معاملته للأطفال،ولكن الأم رحيمة او العكس،كما يلاحظ أيضا ان الأب في بعض الأسر العربية هو الذي يؤدي غالبا الدور الأكبر في عملية تأديب الأطفال،وخاصة عندما يتطلب الأمر إيقاع الأذى(العقاب)بالطفل(الذكر خاصة)فالأب عادة،هو أداة العقاب ووسيلة التخويف التي تستعملها الام مع أطفالها إلى جانب تخويفهم بالغول والعفريت واليوم وغير ذلك.

ولا يخفى ما في مثل هذه الممارسات من تعسف سلوكي حيث ينشأ الطفل وفي نفسه خوف من هذه الأشياء التي ترتبط بالأذى الجسمي أو المعنوي أو كليهما الذي(الاذى)يمارسه الأولياء وخاصة الىباء عليهم،وبالإضافة على ذلك،فإن استعمال الأب كأداة للتخويف والعقاب يترك رواسب نفسيه(لاشعورية)عند الطفل تتعلق تجاهه نحو والديه،حيث ينشا لديه تناقض في صورة الوالدين،فالأرب رجل قاس فظ،غليظ القلب ،وان كان يكر ويكدح طول النهار من اجل أسرته.أما الام فهي حنون عطوفة رحيمة رقيقة القلب،وان كانت هي التي تحرض الأب لضرب الأبناء احيانا.

والواقع ان هذه الصورة السلوكية( وان كانت منتشرة في مجتمعاتنا العربية)لا يمكن تعميمها على جميع الأولياء بأي حال من الأحوال إلا بعد إجراء بحث ميداني موضوعي يظهر مدة انتشار هذه الظاهرة.ولكن الشيء المؤكد هو ان اغلب الأولياء يضربون أبنائهم ولو كان هذا الضرب متفاوتا من حيث الشدة والتكرار والمقدار،كما تختلف المواقع التي يضرب عليها الأطفال،كما تتباين الأدوات المستعملة في عملية الضرب.

وعليه فبعض الأولياء يضربون الأبناء بعنف وبصورة دائمة،وفي أي مكان من أجسامهم،وبأية وسيلة مثل(كف،رجل،حزام،عصا،حذاء…الخ)وبعضهم يضربونهم بلطف ويتخيرون المكان الذي يضرب فيه الطفل كثيرا-كأن يضرب الطفل على ظهر أو بطن اليدين-مستعملين الأكف فقط أو المسطرة وما شابهها-ولعل أسوا الأماكن للضرب إن كان ولا بد-هي الرأس والرقبة والمؤخرة والبطن.

ورغم ما يكتنف موضوع ضرب الأطفال والقسوة عليهم من تعتيم وغموض،فإن هذا السلوك ليس مقتصرا(في الواقع)على مجتمعات دون الأخرى،أو ثقافات دون أخرى،بل تكاد هذه الظاهرة منتشرة في جميع البلدان وان كان ذلك بدرجات متفاوتة،وهذا ما جعل السيكولوجيين والتربويين يعنون بهذا الموضوع من الناحية التربوية والإكلينيكية(الصحية)ومن الناحية النفسية-الاجتماعية،وذلك لعلاقته بالنمو عامة،وبالنمو النفسي الاجتماعي خاصة،وليس أدل على هذا مما كتبه كل من الباحثين”بورن-اكستراند”حول هذه الظاهرة حيث أوجدا ان حالات القسوة على الأطفال في الولايات المتحدة الأمريكية تتراوح ما بين200.000 و250.000حالة،هذا مع اعترافها ان حالات القسوة على الأطفال لا  تسجل كلها،ويعرف  هذا الكاتبان القسوة على الأطفال بأنها”الأذى الكبير الذي يقع على الطفل”وبعد إشارتهما إلى صعوبة تحديد هذا المفهوم،وخاصة عندما يتعلق الأمر بالقسوة على الطفل من الناحية النفسية،فإنهما يقترحان بعض الإجراءات لحل مشكلات القسوة على الأطفال وتتمثل هذه الاقتراحات فيما يلي(بتصرف):

1-تعليم الأولياء الذي يقسون على أطفالهم الأساليب التربوية المناسبة مع مساعدتهم على اكتشاف الخبرات والذكريات المؤلمة التي مروا بها أثناء طفولتهم.

2-تعاون مختلف الهيئات والمصالح(أطباء،سيكولوجيين،تربويون،وقانونيون)لحل هذه المشكلة.

3-تشكيل مصلحة يمكن للأولياء-الذين يعانون هذه المشكلة- الاتصال بها هاتفيا أو شخصيا دون الكشف عن هويتهم وذلك لمساعدتهم على حل هذه المشكلة.

4-وضع برامج خاصة للأطفال الذين تعرضوا للقسوة وسوء المعاملة حتى يهيئوا نفسيا للحياة المستقبلية دون تأثير التجارب المؤلمة التي مروا بها.

ونظرا لأهمية موضوع تأديب الأطفال لاتصال بمخططات إعداد الأجيال،فإن السيكولوجيين في أمريكا وغيرهم ما يزالون يولون هذا الموضوع كل الاهتمام وعناية،ومن ذلك ما نشرته مجلة”علم النفس الإكلينيكي والإرشاد”الصادرة عن الجمعية الأمريكية لعلم النفس في ديسمبر1986،حيث جاء في مقال حول سوء معاملة الطفل وعلاقة ذلك بالتوقعات غير الواقعية”ان سوء معاملة الأطفال مشكلة نفسية واجتماعية كبيرة تمس عددا كبيرا من الأطفال كل عام،وان من أسباب سوء معاملة الأولياء لأطفالهم هو التوقع غير الواقعي للآباء لطاقات وقدرات أطفالهم،منهم يتوقعون  منهم فوق ما يطيقون،وإذا فشلوا في تحقيق توقعات أو آمال أوليائهم فإن هؤلاء يصابون بالإحباط،ويوجهون عدوانيتهم نحو الأطفال على شكل سوء وقسوة في المعاملة.

 


الوسوم:, ,

" دكتور زاهر زكار "

عدد المواضيع: 48 , الملف الشخصي:

كاتب وباحث أكاديمي ، مدير مركز الاشعاع الفكري للدراسات والبحوث.