بين حرمانِ النفس و خشية الحسد..!

4 مارس، 2018 لايوجد تعليقات قصة قصيرة

بقلم/ أنور ياسر سكر

 

 سأَلتُ جَدِّي وَ قَد كانَ مَيسورَ الحالِ وَ شابَّ الجَسَدِ يَوماً مَا الّذي يَمنعُك مِن اقتِناءِ سيّارةٍ فارِهةٍ أو مُتوسِّطةً على الأقلِّ في مِثلِ هذا العُمرِ لتَقضيْ بِها جُلّ حاجاتِكَ وَ تُريحَ نَفسَكَ من هَمِّ المواصَلاتِ و ازدِحامِ الطُّرق في الوقتِ الّذي لَم تَعُد فيهِ صِحَّتُك كَما يَجب وَ باتَت المسافاتُ ترهِقُ جَدّتي وَ تُتعبك،  وَ أجابَني يَومها كَما كانَ يُجيبُ في كُلِّ مَرّةٍ كُنت أطرحُ سُؤالي عَليهِ فيهاْ ، كَأنّ شيئٌ ما قَد طُبعَ هُنا وَ لَن يَتغيَّر أو كأنّه يُؤمِن بِذلِك أكثر مِن صلواتِه الّتي لا يَتركُها قَط ، كانت إجابته الدائمة في جُملةٍ بسيطةٍ ، ” النّاس لن تترُكنا في حالِنا يا بُني ” ، كانت تِلكَ الكَلماتُ تُضيِّقُ صَدريْ في كُلِّ مرة يَلفظُها وَ كُنت أرد لَه نَفس الإجابَةِ دوماً وَ لم يَفهمني قَط أو رُبّما كانَ يَرفُض أن يفهمني رَغما عَنه او برغبتِه ، كنت ألومه قائِلا ” أوتَحرمُ نفسكِ خوفاً مِن عيونِ النّاسِ ” لِيقفَ حينَها مُتصلِّبا رافِعاً رأسه كَما لَو وصلتْه رسالةٌ سَماوِيّةٌ لِينطِقَ في ثباتٍ ” الحَسَد مَذكورٌ في القرءان يا بني ” تلك الجملةُ كانت كَفيلةً لِجعلي أنهيْ نِقاشَنا مُبتسماً لحجّةِ انشغاليْ بَعد أن أثقلتني نمطيَّةُ الحديثِ لأتّجه لِغُرفتي وَ أكتبَ الآتي .
“فيْ الوقتِ الّذي تَخشى فيهِ أعينَ النّاسِ لا تَنسى أن لَك من سيلِ
العيونِ عينانِ وَ أنّ ما لَم يَروهُ فيكَ ، سَتراهُ فيهِم ، لا تَنسى أنَّ حرمانَ نفسِك هُو أحد الآثامِ الّتي تَرتكبها فيهاْ ، ولا تَنسى أن تعيشَ حياتَك قَبلَ أن تعيشهاْ بِهم ، وَ تذكّر دائِما أنّ ربّ الحياةِ و الحسدِ واحدٌ ، و أنّ مانِح الحياةِ هُو نفسه مانِع الحسدِ ، دلِّل نفسكَ بقُربِ الله ثُم بفيضِ نِعمِه وَ اجعل خوفك الوحيدَ هو مراقبَةُ الله ، لا تَرَقُّب أعينِ النّاسِ
لا تنسى أن تعيش

فيْ الحقيقةِ نَحن نَنظُر للحياةِ كَونَها كابوساً ، وَ نخشى أن نكونَ
سعداء حَتّى في تعاستنا ، نَبحثُ دائِما عن سببٍ للخَوفِ أو الحُزنِ ، وَ ننسى أن كُلّ لحظةٍ فكرْنا في كِلاهُما كانَ يُمكِن أن نَكونَ سُعداءَ فيهاْ ، كانَ يُمكن أن يقتني جدّي سيارةً متوسّطةً على الأقل و كان سيريحُ نفسه وَ جسده و زوجَه لكنّهم أجدادُنا وحدهُم مَن يبحَثونَ عن سببٍ للخوفِ دوماً ، وَ إن لم يوجَد جَعلوا الحسدَ يُمسِكُ السّكينَ وَ جعلوا أعين الناسِ دليلاً لِيُمثّلوا عيونَهم مُجرمتينِ بتهمةِ نيّةٍ في الحسدِ ، وَ الحقيقَةُ أنّ أكبر مجرمٍ هُنا هُو نَحن حينَ نُحرمُ وَ حينَ نُرهقُ و حينَ نفكِّر مُنذ البدايةِ خوفاً من الحسدِ و عبودِيةً لأعينِ النّاسْ .
كَتبتُ يومَها في مُذكِّرتي قائِلا
:
” أول أشكال العبوديّةِ هُو الخُوفُ من أعينِ النّاس ، وَ أقساهاْ التّصرف
على هواهُم ، أمّا العبوديّةُ ذاتُها فهيِ حرمانُ النفسِ خشيةً مِن نفسٍ أخرى
لِأن هذهِ العُبوديّة لن تنتهي وَ لأَن الحياةَ هُنا مبنِيّةٌ على
التَّحاسُدِ لا عَلى الأكسجينِ وَ المِياهْ ، وَ لأن الطرّقَ في الحديدِ و حتّى صهرَه لا يُغيّرُ شيئاً مِن كونِه حديداً ، كُنت لأطلب مِن جدّي كما سأطلب الآن بأن يعيشَ كما يُحِبُّ لا كَما يُحبّون وَ أن يُرفِّه نَفسهُ ما دامَ لَم يُؤذِ أنفُسهُم وَ أن يتصرّفَ على هواهُ دائِما وَ لَو لم يَرُق لهُم حالُه .
كُنت لأطلب مِنه الكثيرْ وَ كُنت لأُوضِّح له الكثير أيضاً وَ لكِنّي كُنتُ على يَقينٍ دوماً بِأنَّه سيجيبُني في صلابَةٍ

” الحَسَد مَذكورٌ في القرءان يا بني


الوسوم:, ,

" دكتور زاهر زكار "

عدد المواضيع: 48 , الملف الشخصي:

كاتب وباحث أكاديمي ، مدير مركز الاشعاع الفكري للدراسات والبحوث.