مقومات الثقافة الذاتية..كيف نمتلكها؟!

22 مارس، 2018 لايوجد تعليقات كلمة الرافــد

بقلم/ دكتور زاهر زكار

 

إن امتلاك مقومات الثقافة ليس بالضرورة أن يكون استحصالاً أكاديمياً فكم من حملة الشهادات العليا وهم يفتقرون حقاً إلى المستوى المقبول من الثقافة وكم من حملة الشهادات الدراسية الأولى قد امتلكوا أكسير الثقافة على أفضل ما تحمله من معانٍ سامية.

والحقيقة ان الثقافة بلا موقف واضح من الحياة تبقى ثقافة ناقصة أما أهم المرتكزات التي تدفع بمنح الشخص لقب (مثقف) فهي محصورة بالحد الأدنى من امتلاك المعارف على مختلف تشعباتها إذ من المعروف أن يكون المثقف ملماً بشيء معلوماتي (ولو متواضع) من كل موضوع حيث في ذلك إثباته إلى كونه متابع لفصول الحياة.

إن من أهم مقومات الإمتلاك الثقافي عند الشخصية الثقافية أن يكون قد طالع (وأستوعب) ما لا يقل عن ألف كتاب ذات مواضيع منوعة وشاملة تتمثل فيها أهم نتاجات الفكر الإنساني وبالذات النتاجات المقارنة إضافة إلى استماع يومي لمواد وبرامج الإذاعات والتلفزات المفيدة وبمعدل لا يفضل أن يقل عن مدة عشر سنوات تتخللها قراءة صحيفة واحدة على الأقل كل أسبوع سواء كانت مجلة أو جريدة أو أي دورية تتمتع بغزارة موادها.

وهذا لا يمكن نسيان التجربة الشخصية في المجتمع التي يمكن أن تكون أفضل منطلق للبناء الشخصي إذ بها ومنها يمكن أن تخطو الذات البشرية نحو إنسانيتها وتتبنى المواقف العظيمة وثم يكون لها الدور المنتظر في تربية النفس وفرض رقابة العقل الذاتي عليها ولعل من نتائج مثيل هذه الشخصية أن عمليات الغزو الثقافي المصدر من الخارج إلى مجتمعات البلدان المستوردة والمتفاعلة أو المتأثرة بالنتاج الثقافي غير المحلي لا تؤدي بانحياز الرأي لذلك الغزو الثقافي الذي يحمل السم الزعاف للعقول الطرية في بلدان الحضارات القديمة.

والحقيقة إن مقومات الجهود الفردية لانتهال أكثر من النتاجات الثقافية المنوعة تخلق حالة من وضع بساط الثقافة على محك سهل يطل على المحيط الخارجي للفرد بروح معنوية عالية فإن من أهم تقنيات المعرفة صناعة الموقف الروحي مما يحدث حولنا الذي غالباً ما نكون غير منتبهين له. فالعالم اليوم وقد دخلت البشرية إلى مرحلة الألفية الثالثة فإن ما يزيد من وتيرة التثقيف الذاتي عند المرء هو اتخاذه ممن صمدوا على المواقف الإنسانية العادلة ضد مناوئيهم السلطويين ولعل في النظر إلى قائمة المثقفين الشهداء في العالم ستوصل حتماً إلى الحقيقة الدامغة أن السلطات الأشرس والأرهب المتربصة على العروش والحاضر كانت تخشى من المثقفين ما لا تخشاه من جيوش جرارة ممكن أن تشن الحروب ضد بلدانها.

إن المرء ليبقى حائراً أما شخص مثقف لم يكن قد انتهل من الدراسة المقررة شيئاً كافياً فعظماء الكتاب والفنانين الذين يشاد بما حققوه من إنجازات لم يكونوا أكثر من خريجي (المرحلة الابتدائية) ولعل هذا ما جعل بعض الحكومات أن ترفع من شأن هؤلاء غير الأكاديمين في نتاجاتهم الأدبية أو الفنية أو من خلال حواراتهم الثقافية أن يمنحوا شهادات (دكتوراة فخرية) اعترافاً برقي مستواهم وهي الومضة في تقدير المثقفين الذاتيين أي غير الأكاديميين الذين غالباً ما يكون تأثيرهم التربوي على الآخرين من المحيطين بهم أو المتابعين لنتاجاتهم ومنها أحاديثهم حول أمور الحياة ظاهراً جداً ضمن صياغات الكلام والتطلعات لديهم.

وهكذا فقضية امتلاك الثقافة الذاتية ليست أمراً مرهوناً على شخص دون آخر أو على فئة من الناس دون أخرى لأن جوهر ذلك الامتلاك ينطلق من الرغبة الشخصية القوية للمرء بحيث لا يجد نفسه إلا وأنه قد أصبج بعد سنوات من المواظبة للانتهال من الأفكار والمبادئ والتجارب والأحداث المعززة بمواكبة عمومية فيما يخاض من نشاط يعزز إنسانية الإنسان.


الوسوم:, ,

" دكتور زاهر زكار "

عدد المواضيع: 48 , الملف الشخصي:

كاتب وباحث أكاديمي ، مدير مركز الاشعاع الفكري للدراسات والبحوث.