عن هاني الحروب… وأميرة السراب..!

2 مارس، 2018 لايوجد تعليقات شعر وخواطر

بقلم/ زيــاد جيوسـي

 

كيف يمكن لي أن أخوض بهذا البحر الكبير من الجمال بدون زورق ؟؟
فقد أحرقت زورقي منذ زمن على شاطئ مهجور بعد أن بلغت مرفأِ واستلقيت تحت شجيرات من الأثل تحرسها حوريات البحر، ولذا سأحاول السباحة في هذا اليم  ترشدني سمكة صغيرة أجادت العوم بجوار حوت  وخبرت البحار، علها تدلني كيف التقط الدر من أعماق هذا البحر
كيف يمكن لي أن أكتب عما خطه صديقي هاني دون أن أبدو متحيزاً بشكل أو بآخر.. ليس لهاني !! بل لنفسي .. فهاني جزء منها

 

   عرفنا الجميع كأصدقاء توأم .. بالكاد نفترق .. ما أن يبدأ العمل صباحاً.. إن لم يزر واحد منا الآخر، إلا والهاتف يكون صلة وصل ، وما أن ينتهي عملنا إلا ونكون قد تجمعنا سوياً نمارس الرياضة ، نعود بعدها لنتناول طعامنا ونبقى معاً حتى يذهب لبيته وأعود أنا لصومعتي .. لنكون على وعد بلقاء جديد …
   لذا كان الخوض بهمسات هاني صعباً عليّ ، حتى أني كنت أتجنب التعليق عما يكتب حين يتم نشره ، كنت أشعر دوماً أن أي دخول لهذا المعبد وإبداء ملاحظات عليه ، سيكون مساساً بعبادة نمارسها سويا ً، فلقد عايشت هذه الهمسات وشهقات النفس وأنات الروح بكل أجزائها …
   ومع هذا أجد نفسي ملزماً بالحديث والبوح ، فأنا لا أمتلك أن أقول : لا… أمام رغبة صديقي في أن أكون من يقدم كتابه ويعرّف به ، وبالتأكيد كنت لن أقبل أن يكون غيري أيضاً …
بداية لا بد من الخوض باسم الكتاب … ترانيم لأميرة السراب .. كلمات هاني هي ترانيم وتراتيل في بحر هوى النفس .. وأميرة هاني تستحق المزيد من هذه الصلوات والترانيم … ولا يكفي .. فهي أميرة حقاً .. هي الموجودة رمزاً لكل جميل .. الأم ، الابنة ، الزوجة ، الحبيبة ، الأرض ، التاريخ .. كل شيء بهذه النفس التي تنير نوراً وشفافية .. أما لماذا السراب ؟؟؟ هنا كان تساؤلي , فالسراب نتوهمه ولا نصله .. أم أراد هاني أن يكني الحلم الذي نحلم بالسراب .. لأنه بعيد المنال ؟؟؟.
   أما تسميات الأجزاء فهذه مسألة أخرى .. فالجزء الأول صعلوكيات والجزء الثاني هرديبيات والجزء الثالث مهرانيات والرابع والأخير عتريسيات .. وكل إسم منها لم يتأت من فراغ … فالصعلكة قد شكلت عبر التاريخ العربي نقطة مضيئة في تحدي طقوس التخلف والظلم ، والإنصياع والتبعية للسلطة المطلقة لشيخ القبيلة ، فالصعاليك كانوا أصحاب فروسية وشعر مرهف .. تحدوا الواقع الداكن الظالم ونذروا أنفسهم في سبيل الحرية ونصرة المظلوم ، ومن هنا نجد الكاتب قد إستعار هذه الشخصية التاريخية الشجاعة المرهفة المختلطة بالفروسية النادرة لتؤدي نفس الغرض لتكون الروح والنفس المرهفة والكلمة المقاومة في وجه إحتلال ظالم قاس يجتث يومياً الأرض والشجر والإنسان .
   أما هرديبيات فهو مصطلح أوجدته معاناة الكاتب عبر رحلة طويلة ما بين إحتلال وشتات ومقاومة فعل وكلمة ، فأصبحت الهرديبية هنا ذروة الصعلكة بمفهومها الإنساني ومعانيها الجميلة ، لذا سنلمس تغيراً واضحاً بنمط الكتابة والروح فيها بين جزء وآخر .. هذا التغير الذي تلمسه كل نفس شفافة وحساسة .
   مهرانيات .. بالنسبة  لي هي  ذروة التألق لهاني .. فهي ترمز لشخصية هاني بكل وضوح .. هو إسم حمله في فترة معينة من حياته، كان فيها المقاوم والكاتب والعاشق والصعلوك والهرديب .. كان بوتقة من عنفوان الشباب وشجاعتهم وصلابتهم .. شجاعة الفارس ورفض الظلم وخير من وقف وقال لا مدوية في وجه شيخ القبيلة .. كان مستعداً في لحظتها ليستل سيفه لولا تراجع الشيخ و( فزعة ) أبناء القبيلة لكي لا يداس الشيخ أمام الصغار …
   أما عتريسيات فهي الحكيم الشاهد على الحدث .. هي روح محلقة تبحث عن الماضي وتعيش الواقع وتصر أن الحلم أجمل ما نملك ، وأن الحلم هو بوابة لمستقبل أجمل وأبهى ..
صعلوكيات ..   هاني المتخم بالعشق إلى درجة الثمالة ، تجده بروحه بين ثنايا كلماته وشفافية حروفه  رغم قصور اللغة في التعبير عن الإنسان في داخله .. ( ساعديني كثيراً كي أظل كما أنا .. وقربي وجهي لكي يسيل راحة كما كنا ) .. بلحظة إنهزام ثانية يهمس هاني هكذا في مستهل وجدانياته ، ( فهل للزهور الذابلة في الأمس من إنبعاث ؟؟ ) .. هكذا يقودنا في صعلوكياته الوجدانية المرهفة الحس .. حتى تعانق الأهداب منا مكنون الفؤاد …
   ويواصل السير بنا من الشعور بالهزيمة إلى العشق المطلق .. ( .. وأعلن في  المدى  حبك !! وأتوج رأسك أو هامتك الجميلة بتاج العشق المضمخ بلون القمر ورائحة القرنفل ونكهة الزعتر.. ) ..  ومن منا لا يعرف الزعتر وإرتباطه بفلسطينيتنا ؟؟؟.
   فنجده يذوب عشقاً ويذوب أكثر ويضيع بين تلاطم  أمواج القلب وإعصار الوجد ..  وتبقى المحبوبة هي الإستثناء .. هذه المحبوبة التي تمثل كل حلم وسراب بعيد المنال ،  فيفتح النافذة لعصفور الذاكرة وخدوش الروح  واحة حنان للروح الثائرة التي تستحث النفس لتستظل بخصلة شعر ورموش عينين ، لتكون أما وصديقة .. يتصبب من بين عينيها صهيلاً زيتونياً يتدفق بركة وخضرة وخيطاً يتلألأ واصلاً الفؤاد بالروح ، يسعى لأن يكون إنساناً تهزه المشاعر والأحاسيس الإنسانية الجميلة ، فيسيل مع الحبيبة برداً وسلاماً على يقظة جمر يتلظى، يرتب للأحلام سريراً ينجب إشراقاً وإمتداداً للغد الذي يحلم ..  فيسترجع صدى النايات حزناً وألماً منتظراً نسمات طيف متضوعة كهبات من شذا وعطر ممزوج بخفقات القلب وذبالة الروح .. يناديها تعالي نعيد معاً ترتيب نجوم السماء المبعثرة .. وامسحي بيدك على خد القمر ربما سيضيء من جديد عتمة سراديب ليلي ويصنع لي تباشير الغسق .
   لكن أنات الفراق والرحيل والبعد تبقى تلوح من بين ثنايا الحروف وزفرات روح يسكبها آهات حب وعشق، فيخاطب الفكرة ( يا امرأة ذهبت قبل الأوان ولم تعد بعد .. والحنين إليها يقطر حباً معشقاً بالوله والعنبر .. والقلب تتقد مواقده والرحيل يستلب التفكير تركيزه  ويذكي نار الجوى ، فيصبح أنقى وطيفك أجمل .. متى تعودين بروعتك الممشوقة ) .. إنه هاجس اللحظة التي أنتزع فيها من حضنها المعبق بنكهة الزعتر وحلم اللقاء من جديد ليولد مرة أخرى من بين رحى الشجن .. عذوبة وعشقاً .. زاداً أبدياً .. فيتوه بين لغة العقل وهمس الفؤاد ، مبقيها وشماً أبدياً في نياط القلب ولوعة ودمعة في العين ، سادراً في صمت أوجع من الألم وبؤس العمر مهديها ما تبقى من عمر على كف الندى وعهداً أن لا يتوب عن عشقها حتى الموت ، رغم أنه عشق يجرعه كأس الهزيمة في كل لحظة وهو الصعلوك المتمرد المتمثل بداخله الإلتزام والمبدأ وحب الوطن .
   متوضئاً بالندى وفجراً يدب رقراقاً في أوصال الهوى وموجة عشق على شفتين وفي لحظ عينين يستعر جمراً وشوقاً ، فيحمل في داخله الحزن والجوى ويحدق فيها حلماً وسهداً وقدراً .. لتكون نور ظلامه وفانوس كينونته ، فيفيض شوقاً لوطن يسكنه مسيجاً بحقد الغاصبين ، فتتمازج الحبيبة بالوطن كطعم الحب ونكهة الزهر الموشى بالأحزان وشوق لا يرحم ، وتجذراً كسنديان يمد زنبقة برية نمت بحرش صنوبر بنسغه ،  بأرض محروسة بعين الله وقدسية رباط  تطارد غزاتها ، فتورق عيون الحبيبة في قلبه عشقاً لا ينطفي وطائر حب يوزع أشرعته في دمه ، ليرسم مداً رحباً في محيط فضي منسوج من شجى القلب وعزة الوجدان وصدقه ، يرتل أغنية عشق ترنيمة لأهل الهوى وعشاق الوطن .
   يرتل حبه بإسم الخالق منتشياً بالوجد العابق بالحزن مقبّلا أطياف حس ونسيج عشق في زمن لا ينتهي ، وعشق يعلم منذ البداية أنه سيصرعه أو يفجره ، متحرراً من الوحدة والبرودة المطلقة في غياب الزمن ، غير خائف من الموت الذي  يخاف من توحد العشاق والمتمردين معلناً أن كل إمرئ هو سيد موته غير خائف أن لا يموت حباً ، فالصعلوك حين يموت لن تجد جثتة مسجاة وحزناً عارماً بل ضوء قمر يغسل كل شيْ، كل الألوان والأحزان ململماً ألمه وقهر الليل وأزهر بين الحزن والصمت وشهقات راعشة مقبلا عينيها قبل أن تدق ساعة الرحيل إلى باطن أرض طيبة ممتدة من جذر العشق إلى إنسانية تعانق زهر المحبة وأريجها ،  معانقاً طيفها في برد الليالي الموحشة وروحها الشفافة مبحراً في عينيها ، مترنماً بأنشودة وطن مستلاً قلمه غارزاً إياه وأصبعه الشاهد  بعيون أعوان المحتل صارخاً ( هذه العيون الخائنة لا تستحق أن تنعم برؤية هذه البلاد ) .
   يؤكد الكاتب مفاهيمه في وصيته فيطلب قبل أن يهيلوا التراب عليه أن يأخذوه لحضن أمه لينام قليلا ، فهو حتى في حالة الموت ما زال في وعيه وصحوته وتعبه ، وهو العاشق المسجى فوق نعشه نشوان بدمه وجراحه الراعفة ، يحتاج إلى صدر الأم وحضن الحبيبة ودفء الأرض معلناً أنه يحب الناس جميعاً ، فالحروف تكشف عن ملامح هاني وشفافيته وتكوينه ، فهو عاشق على وتر بحري أمواجه تطول وتعلو وتغرق في شبق الأحاسيس الجامحة .. وهو الإنسان والقمح المغروس في حنان العينين ، الكنعاني الذي يحمل جنته للنار وأحلامه للبحر والطوفان ، وهو الذي يجمع بين الرقة المرهفة والتحدي والتمرد الشرس .. بين البرية المطلقة وعشق عيون وروح أميرة السراب .
   في الهرديبيات ينتقل هاني إلى رتم مختلف رغم ترابط المعاني واستمرارية النزف والدموع التي تمطر في الأحشاء ، فالعشق هنا بصوره المختلفة يتجسد بماري الحبيبة التي يؤمن بها كما كان الفارس الجاهلي يؤمن بكاس النهاية يشربه وهو ينزف حياته ، هي الحبيبة التي يعلن على الملأ أنه يشعر تجاهها عشقاً وشهوة لا مثيل لها ، فتتساقط النساء أمام عينيه كأن أعناقهن قد بترت بحاجبي ماري ، ولكنه وهو بذروة العشق لا ينسى كيف يريد الحبيبة أيضاً ، فهو يريدها أرضاً وعلماً وليلا وشمساً وحقيقة ، فيلتقيها بدمعة إختلطت بفرح اللقاء وخوف الفراق المسلط على رأسه في ظل مناجل الموت التي تنشر رائحة الدم المتصاعد وسحاب الدماء الفتية يمطر ويمطر وترتعش الأرض مع وقع المطر الأحمر القاني .
   فيمسك يديها رغم الموت ..  حاراً ومرحاً رغم الحزن ليتمشى وإياها تحت المطر يبادلها الحياة والفرح بلا أقنعة أو وجل , فيسود الحزن والألم الكلمات ويأخذ الواقع جزءً كبيراً من الوصف فالظروف تغيرت وآلة الموت تحاصرنا وقوافل الشهداء ترتقي أسراباً والمعتقلات تفتح أفواهها البشعة لتخطف من بيننا الآف الشباب ، والموت يتربص بنا في زاوية كل شارع وخلف كل منعطف ، والغصة لا تنبت إلا القحط والألم ولكنه يستطيع أن يحزن ويعلن موقفه بعدم الفرح ، فللقتل رائحة عجيبة والحصار حصار والقتل يجر القتل والعتمة الباردة تطبق على كل شيء تبشر بموت رديء ورخيص ، وهو الذي يريد للحب أن يفيض من قلبه فينبع ويثمر رغم أن الحياة مليئة بالألم والبؤس والحب أيضاً .
   فالحب يأخذ هنا تدريجياً ملامح حزنه وتضاريس الوطن ، الوطن الذي يقف على فوهة بركانه المتفجر ولا يسعه إلا التوحد مع الجمر المتطاير من فوهته ويمزج ناره بسعيره ، فيسكن في الحبيبة ويذوب فيها رغماً عن الزمن ، لا يستطيع التوقف أمام هذا الحب الذي يكاد يلامس العشق فيه الجنون أو الموت ، فيرقص على جرحه ويتميز في هزائمه محتقراً من لا دموع لهم ، يريد أن يعيش في المرأة التي يحب والوطن الذي يعشق ، فحضور الحبيبة شلال فرح وغابة ياسمين تتساقط على وسادته مصادرة نومه ، فيرقص لها لوعته ولهفته وشدة شوقه وهزيمته ، فهو إنسان شفاف مرهف غامض لدرجة الغرابة وليس من السهل فهمه أو تبرير سلوكه ، فيرقص ويرقص حتى تلملم الحبيبة شتات عمره بين يديها ليولد ويموت في وقت واحد .. فيصرخ قائلا : فلتقف أيها الزمن .. ما اجملك …
   في ظل الألم وتفجر براكين الغضب وازدحام الطرقات بالموت ، يسائل الحبيبة إن كانت ستبقى مع النوء الخريفي .. مع المطر وبدايات الشتاء طمأنينة للعمر المتعب ودفئا لليالي الباردة والموحشة ، في نفس الوقت الذي يخاف فيه من حب بهذا الحجم ، فالحب الكبير يظل مخيفاً حتى في لحظات موته ويظل خطراً حتى وهو يحتضر، حين يعم الروح الحزن كالهزيمة أيضاً ، فيدلف للحب على أصابع الجرح ووجع الوحدة والهزيمة بعد أن عزم بأن ينسى الحب أو أن يتناساه ممثلا بماري الرمز .. الحقيقة .. ينحاز من خلالها إلى فراشات الجنون وبعث الحياة في الكلمات التي يمتلك وحده أن يدونها في لحظة هرديبية ، من أجل أن يراها سعيدة وهو يعيش حزنه المطبق والمطلق .. أليس هو من حولها من إمرأة عادية الى أجمل كلمة وأرق لحن ؟؟؟ أليست هي المرأة والوطن التي نبتت ياسمينة بركان على حرائقه برداً وسلاماً ..

فللحزن أكثر من لون وليس للألم وطن على التحديد ، وفي زمن الردة يقرر أن يرقص .. فالرقص تواصل وعبادة أيضاً …
   فحين كان الصعلوك يخاف أن لا يموت حباً نجد الهرديب يجد مأساته في أن يموت الحب الكبير صغيراً تافهاً بلا قيمة ، فالحب وحده هو الذي يغريه فهو عظيم بقدرته على الحياة في كل الأزمنة والتناقضات ، وهو أنين المحارب والعاشق معاً و مهما بلغ من الجنون فالجنون بداية الحلم .. والأحلام الأكثر جنوناً قابلة للتحقيق ، وهو يراه كالموت أيضاً فهما لغزان كبيران في هذا العالم متطابقان في الغموض والشراسة والمباغتة والعبثية وفي الأسئلة والأجوبة ، فهو يجد أننا  في مواجهة الحب والموت متساوون لا يفيدنا شيء : لا ثقافة ولا خبرة ولا ذكاء .. أمام الاثنين نحن مجردون من الأسلحة ومن كل الأسئلة .
   مهزوماً يأتي للحب بقلب يملؤه الأسى وفي يده النرجس والزهر، ففي الوطن لم يجد سوى الحنين المنطفئ والقلق والعذاب ويزداد إغتراباً على غربته وتطل عليه هزيمته بين جدران وحدته ، فالصبّار في روحه والندى بين عينيها والموت البطيء موجع جداً ، فتتوه حواسه في خطواته فيصبح سيد الصمت ولا يجد إلا الحبيبة غابة وزهرة تتفتح بين عاصفة راحتيه وأحضانه فيسهل عليه القول : أحبك وأعشقك بلا حدود .. بين إرتعاشة قلب عشقاً وحزناً حين لا يتبقى إلا الوجع والصمت وبقايا ظلال وسط الأحزان المزمنة والحيرة والصمت والهزيمة والأسى وباقات من زهر ونرجس .
   يحاول الجلوس بنصف إستلقاء على حشائش يانعة ومن حوله كل مقومات الجنة ، وبين سرحان عشق متصوف تداهمه أفعى بحجم ألمه ، غاية في الإبداع والجمال يرى فيها جمال الحبيبة تدلف بشوق ومحبة للعناق ، فيحتضنها بقوة مرهفة فتنشب أنيابها بجسده فيمتقع وجهه ويزرق كيانه إلا من بسمة تزداد وتتسع ، فيغيب منتشياً سعيداً بحبيبته بين أحضانه .
   في المهرانيات تستكمل مرحلة أخرى من حياة الكاتب ، فالمرايا المشوهة لا يمكن لها أن تعكس دقة الملامح ، وتصبح الوحدة كأنها شيء طبيعي في حياته ، لكن الحياة ترتعش في رأسه والألم يتسع في صدره وحقول ألم السهد تغزو ليله ويئن يومه بشكل مكتوم ومجروح ، وروح الإنسان تتألق بداخله  يبقى يحلم في بلاد تسكنه كعيون ميرا هذه البسمة الجذلى في زمن يجرفه طوف البكائيات ، فهي أمله الرائع في لحظات الإنحسار والألم والإحباط يتفيأ رمش عينيها ويتنسم عبير روحها ، فهي لم تغب لحظة واحدة ( حتى بين طرفة عين وإنتباهتها ) رغم الفاجعة بالإنسانية المشوهة ، فيكتب الحبيبة بالصمت الأبيض على جدران جنونه ويبدي إستعداده للإنفجار إكراماً لها فهي الحرية والجنون في آن واحد كما ينفجر الإنسان من أجل شيء يحبه كالحرية مثلا …
   فالحبيبة تجرحه وتقتله ولكنه مسلم لقدره أن لا يحب سواها وأن لا يرى غيرها ، فيعانق الوهم والفضاء المطبق لكن بسمتها تبقى تغذي وجوده وبقاءه فهي وردة متنكرة في إمرأة رائعة يموت شوقاً للقائها والإنصهار في تفاصيلها أكثر ويستسلم بسعادة للمحبة ولدفء القلب الجارف ولدغدغة الرماد الحي ، فسر الحب هو في الإقاع المتناغم روحاً وجسداً فلم يعد في الكون غيرها فكل النساء هن وجهها ، وفي تواصلها تكون الرقة والحنان الذي تنبعث منه رائحة موسيقى العتاب والميجانا والتراب المضمخ بالمطر.
   الحب ليس محظوراً ضمن رؤياه و كما يخلطون في الشرق فيحصرون الشرف بمنطقة الحوض والفنانة والعاهرة سواء ، والإستتار واجهة للشرف والمجتمع منافق ويبقى إن لم تتغير الحياة من القاعدة فلا يمكن إنقاذ النار إلا بمزيد من الحطب ، فالماء إذا إستقر بمكان فترة طويلة يفسد ويتحول إلى مستنقع  لا محالة ، فهو يستطيع أن يتفهم خيانة الزوجة مثلا فقد تكون نزوة عابرة ولكنه لا يمكن أن يغفر خيانة صديق لأنها تكون غدر مع سبق الإصرار والترصد ، ومن أجل حبه يضحي وحين يغار ينسحب ويترك للحبيبة الخيار من جديد ، فسعادته من سعادة الآخر حتى لو على جراحه ، ويرفض أيضاً التملق للأقوياء ولا يثق بالمتملقين الذين يدوسون الضعفاء ويرفض ضيقي الأفق الذين لا يعرفون النبل في شخصياتهم ويؤمن بالتغيير والتحويل ، ويبقى في داخله الإنسان الأصيل غير الملوث كحصان نقي ونبيل لا يفقد عقله إلا من أجل حبه ، مؤمناً أن تطبيق النظريات بالنار والسيف تحرق يد من يحاول ذلك فأسوأ شيء في الحياة السلطة و القوة الهمجية ، مؤمناً بالبراءة لأنها لا تتعارض مع الحقيقة معلنا أنه خير للمرء أن يجوع من أن يخون نفسه ، مؤمناً بحياة الحب بأنواعه المختلفة عنوانها الأسمى وبالإيمان رأس حكمتها والقلب موطن الشجاعة وهو الذي يتسع لكل جميل ، مواصلا فلسفته في الحياة ما بين الإيمان والحب والروح فهو يؤمن أن الإنسان فيلسوف بطبعه ولا شيء يخرج من لا شيء وأن الحياة ليست قراراً كما الموت .
   فهو المجروح الذي يحضنه الأسى وتعمه المرارة يحاول الرد على ألمه بالتسامح وعلى فاجعته بالتسامي ، فيجلس مهران على شاطئ البحر يرقب الغروب مستذكراً نهاية صديقيه الصعلوك والهرديب ، فيزداد الموج ويرتفع الماء رويداً رويداً والشمس تغسل نفسها بمياه البحر ، فيستله الموج حتى من نفسه ليلحق بمن إنتهى وأبحر ليصبح نقطة تعانق شمسها  في بحر الغروب ، ولا يبقى سوى صمت المكان ووحشة بداية الليل وهبات نسيم حزين تغسل كل شيء إلا صورة الحبيبة .
   عتريسيات تأتي في ظل إنغلاق الأفق و( عترسة ) الحياة ، فعتريس هاني لا يجيد التحدث عن نفسه ، فهو رجل غريب أحياناً وصموت ينفجر كبركان وحنون كأم وعاشق مثل أرهف الرجال ، ورغم كل شيء فهو يرى فيمن خلق النساء وضع فيهن سراً يدفعه لعبادة خالقه ، ويرى في وجود الحبيبة حياة أجمل ويرى في العاشق صفات كالمحارب يذهب للمعركة ، وهو يفكر بالنصر وآخر ما يفكر فيه هو الموت .. فكيف يموت ونفسه تحدثه عن الدنيا التي بها المحبوبة الرمز كما أرادها وإشتهاها بكل ما ترمز له الحبيبة .
   ويجد فلسفته بالحكمة فيبحث عن المعرفة ويعتبر المعرفة قليلة المنفعة دون حكمة ، ولا حكمة دون روحانية تنطوي على حب الآخرين وخدمتهم ، ولا فائدة للمعرفة إن لم يتمكن المرء من الدفاع عن نفسه ، ففي هذه الحالة تموت فقط لأنك من هنا وتصبح متهماً ومداناً ويحل عليك القتل فقط لمجرد أنك تنتمي لحب المكان وأهله ، فيزهر العنف والجهل ويزداد القتل والعبث .
   ويؤكد أنه حيثما وجدت النساء تكون الحضارة ، رافضاً المجتمع الذكوري المغلق الرهيب بالقسوة والظلم ، فتحرر المرأة لا يكون إلا إقتصادياً عن طريق العلم والعمل مؤمناً أن الكفاح يوجد حيث يوجد الإنسان وأن التغير بطيء لكنه قادم لا محالة ، فيورد أفكاره في مسائل شتى وعديدة مفلسفاً الأمور حيناً ومباشراً حيناً آخر على لسانه أو مستشهداً بأنبياء وحكماء وفلاسفة .
   عائداً بين اللحظة والأخرى ليبث همومه على  صدر الحبيبة فهو حزين حتى الموت ، وعاشق لا يهرب و وحيد والوحدة لا تحتمل فيجدد العذاب العذبَ لحب موحش متسائلا : هل يموت الحب بالاحتراق الذاتي أو يقتلع من الجذور بالبعد والجفاء ؟؟ قلبه يشبه الجمرة والظلم يخنقه والصمت ترانيمه وملاذه ، يبحث عن الخلاص بين السراب والخراب لا يسمح للحلم أن يغادره ويبقيه زاهراً فالحلم ما زال يزهر كهديل حمام وفي الحبيبة يشتعل لهيباً لا ينطفئ أبداً ، فهو لا يمكنه أن ينسحب من الحب عاشق ولا يهمه إن كان هو القتيل، فهو يحب بدون سبب للحب ففي الحب تكتسب الأشياء معاني أكثر وكل شيء ينمو ويتطور، فالحب هو القوة التي تحوله الى أعلى حالات السمو والشفافية .
ويبقى الحب أبداً إيقاظ الروح في الروح كلون السرّ ذاكرة خصبة فيها طوفان نشوة لا تنسى ، عائداً بصعلوكه وهرديبه ومهرانه وعتريسه ، إلى الحب فالحب هو صانع المعجزات…! . 

 


الوسوم:, , ,

" دكتور زاهر زكار "

عدد المواضيع: 48 , الملف الشخصي:

كاتب وباحث أكاديمي ، مدير مركز الاشعاع الفكري للدراسات والبحوث.