بناء التطرف في الفكر الصهيوني

15 أبريل، 2022 التعليقات على بناء التطرف في الفكر الصهيوني مغلقة كتب ودراسات


بناء التطرف في الفكر الصهيوني

دكتور هاني جودة

واتسب 00972594115314 hanijouda@gmail.com

لقد شكّلت النصوص الدينية العقائدية جزءاً مهماً من تكوين الفكر السياسي الصهيوني وأيديولوجيته، وترجمتها العملية التي تجلت في قيام الكيان (الإسرائيلي) وكل أشكال نشاطاتهم وممارساتهم للنصوص التوراتية جميعاً، والتي تأخذ صفة القداسة في البعد العقائدي الديني للفكر اليهودي الصهيوني التي دعت اليها التوراة والتي تدرس  للأجيال من الآباء إلى الأبناء، قد شكلت الدستور الذي بنيت عليه العنصرية اليهودية؛ فمنذ القديم يعيشون عقدة بالتفوق على العنصر البشري (الأنا اليهودية) التي تملأ كيان كل فرد يهودي، وتحمل صورة ارتفاع قامة دولتهم فوق هامات الشعوب كافة.

(مصطفى،2010،3)

أولاً: الثوابت الأيديولوجية.

لقد بدأت العلاقة بين الصهيونية واليهودية في القرن التاسع عشر، وقبل هذا الوقت لم يكن يربط اليهودية بالصهيونية فكرة أو علاقة كبيرة، إلا أن الصهيونية استفادت من فكرة الحنين إلى المقدسات الدينية لإقناع اليهود بأنهم يطيعون أوامر الله – عز وجل – من خلال الصعود على الأرض المقدسة، ولكن الصهيونية السياسية تصلح لإقناع اليهود المتنورين بالعلمانية، هي مجموعة من المعتقدات التي تشير إلى أنه لا يجوز أن يشارك الدين في المجالات السياسية والاجتماعية للدول وعرف بأنها النظام الفلسفي الاجتماعي أو السياسي الذي يرفض كافة الأشكال الدينية  (الميداني، 1978،185) .

وعلى ذلك فإن عقيدة الحنين كافية لإقناع اليهود المتدينين حيث أتت هذه السياسة بثمارها وأصبحت العقيدة الصهيونية شبيهة بالعقيدة الدينية أو البديلة عنها (عاطف،2008 ،11) .

ولكسب تأييد الجانبين أوجدت الصهيونية فكرة الارتباط بين القومية والدين من أجل التوفيق بين التيارين واستخدمت أساليب غامضة في إقناع الناس بهذه الفكرة، وباعتبار أن الصهيونية حركة استعمارية استيطانية إحلالية إلا أنها تقيم الغزو على أساس ديني وبصورة مشابهة للحروب الصليبية؛ إذ إن الأرض المستعمرة هي وعد إلهي والمستعمر هو شعب الله المختار، لذا فقد حددت الحركة الصهيونية ثوابت أيديولوجية تمثلت فيما يلي: (الهزايمة،2004،122)

  1. التوراة:

عملت الحركة الصهيونية على تحويل العقيدة اليهودية إلى نظرية سياسية تطالب بحق تاريخي وتستند إلى وعد إلهي، ولهذا اعتبر الدين اليهودي قاعدة أيديولوجية ارتكز عليه الفكر السياسي التوسعي للكيان الصهيوني القائم، مبررة جميع خطواته العدوانية بوعود الله للأنبياء بني (إسرائيل) الذي قطع فيها العهد على نفسه بتملكهم أرض فلسطين والعرب، ففي وعد الله إبراهيم – عليه السلام – يوم اجتيازه لأرض شكيم، وكان يقطن فيها الكنعانيون قال: “ارفع عينيك وانظر في الموضع الذي أنت فيه شمالاً وجنوباً وغرباً؛ لأن جميع الأرض الذي أنت ترى، لك أعطيها ولنسلك إلى الأبد، واجعل نسلك کتراب الأرض” (سفر التكوين، الإصحاح 13،14-18) .

ومثل هذا الوعد أعطي إسحاق وموسى- عليهما السلام- الذي حدد الله لهما فيه حدود أرض(إسرائيل) بقوله: “كل مكان تدوسه بطون أقدامكم يكون لكم من البرية ولبنان، من النهر نهر الفرات إلى البحر العربي تخومكم” (سفر التثنية، الإصحاح 11،23، 34)،( ديب،1985،11-12).

بالإضافة إلى وعد الله ليوشع خليفة موسى (سفر يوشع، الإصحاح 1،1-4) و داود وولده سليمان – عليهما السلام – من بعده (سفر الملوك، الإصحاح 1،9-13)، وعللوا كل ذلك باختيار الله لهم من دون البشر (الهزايمة،2004،123) .

تحولت النصوص التوراتية إلى نظرية سياسية جعلت اليهود يقنعون الغرب بصحة نصوصها فآمنوا بها نتيجة إيمانهم بالكتاب المقدس الذي يؤلف التوراة شقه الأول ، فحصلوا على المساعدات وذللوا  الصعوبات و اجتازوها وصولا للوطن القومي لليهود في فلسطين من خلال مضمون تاريخهم الذي انبرت عشرات الكتب والدراسات التاريخية تردد أن لليهود حضارة وتاريخاً عريقاً مستقلين، إليهما يرجع الفضل في حفظ الهوية اليهودية عبر مئات السنين، فهم يعزون سبب تخلف منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط نتيجة رحيلهم عنها، وقرنوا تقدمها بعودتهم إليها، وأدرك اليهود أهمية وقيمة العرض والشرف والخوف عليهما عند العرب فأشاعوا الخوف حول هذه القيمة، فأخليت قرى كاملة خوفاً من اعتداءات اليهود على أعراضهم(قاسم،1989 ،37-35) .

  1. التلمود:

“التلمــود” كلمــة مشــتقة مــن الجــذر العــبري «لامــد» לּאּמּדּ الــذي يعــني الدراســة والتعلّم، كما في عبـارة ” تلمـود تـوراة”؛ أي “دراسـة الشـريعة”. ويعـود كـل مـن كلمـة “تلمـود” العبرية، وكلمة “تلميذ” العربية إلى أصل سامٌي واحد ّ(المسيري،2006،125).

والتلمود Talmud من أهم الكتب الدينية عند اليهود، ويمكن تعريفـه بأنـه: “الكتـاب الـذي يحتـوي علـى التعـاليم اليهوديـة الشـفوية أو بعبـارة أكثـر تحديـدا: هـو الكتـاب العقائـدي الذي يفسر ويبسط كل معارف الشعب لإسرائيلي وتعاليمه وقوانينه الأخلاقية وآدابه” (الشرقاوي،1993،11) .

فــالتلمود عبــارة عــن تفســير الحاخامــات للشــريعة المكتوبــة (التــوراة). ويخلــع التلمــودَّ القداسـة علـى نفسـه مـن منطلـق أن الشـريعة الشـفوية لا تقـل في منـزلتها عـن الشـريعة المكتوبـة، باعتبــار أن كلمــات علمــاء التلمــود موحي من عنــد االله بــل يــدعي حاخامــات اليهــود (Rabbis) أن موسـى عليـه السـلام هـو المصـدر الأول لهـذا الكتـاب، ويفسـرون ذلـك بقـولهم: إن موسـى قـد تسـلّم القـانون المكتـوب علـى ألـواح الحجـر فـوق الجبـل، كمـا قـد تسـلّم مـن الله أيضا تفسيرات وشروحا لهذا القانون، وهو ما يدعي بالقانون الشفوي، أو القانون الثاني ويـزعم الحاخامـات أن تلقـين االله لموسـى هـذا القـانون الشـفوي، كـان هـو السـبب في بقاء موسى فوق الجبل وقتا أطول من اللازم، فلو كـان اللقـاء مـن أجـل تلقي التوراة فحسـب

لكـان يكفـي ذلـك يومـا ً واحـد (الشرقاوي،1993،12) .

ويروي اليهود في ذلك عن الحاخام سيمون بن لاكيش (Lakish) أنه فَسَّرَ نص سفر الخروج (12:24) القائل : ” إنا سنعطيك ألواح الحجر وقانوناً ووصايا كتبناها لتعلّمها لهم” بقوله:” إنّ المراد بالألواح: الوصايا العشر. والقانون: هو القانون المكتوب. والوصايا: هي المشِنا و “كتبناها” يعني: الذي كتبه الأنبياء من كتابات مقدسة يتناقلها اليهود. و “لتعلّمها” معناه: الجمارا. فهذا يعلمنا أنّ هذا كله أُعطيَ لموسى في طور سيناء(Barclay, Joseph: 1901,p3).

يَنظر اليهودُ الأرثوذكس إلى التلمود على أنه كتابٌ مقدَّس مُنْـزَلٌ من عند الله كالتوراة ويرون أن الله أعطى موسى التوراة على طور سيناء مدوَّنة، بينما أعطاه التلمود مشافهة. ولا يَقْنَع اليهود بهذه المكانة للتلمود، بل يضعون هذه الروايات الشفوية في منـزلة أسمى من التوراة. جاء في صحيفة من التلمود: إنّ من درس التوراة فعل فضيلة لا يستحق المكافأة عليها، ومن درس المِشنا فعل فضيلة استحق أنْ يُكافأ عليها، ومن درس الجمارا فعل أعظم فضيلة(نصرالله،1987،50).

وجاء في موضع آخر:

ومما ورد في التلمود : من احتقر أقوال الحاخامات استحق الموت أكثر ممن احتقر أقوال التوراة، ولا خلاص لمن ترك تعاليم التلمود واشتغل بالتوراة فقط؛ لأنَّ أقوال علماء التلمود أفضل مما جاء في شريعة موسى ؛ ولا يقفون عند هذا الحد، بل يُصرِّحون بأنّ «من يقرأ التوراة بدون المِشنا والجمارا فليس له إله (نصرالله ،1987،51) .

وتضطرب آراء اليهود في كثيرٍ من الأحيان وهم يضعون التلمود في تلك المكانة، فيعلنون أنّ التلمود وإنْ كان أقوال الحاخامات، إلا أنه في مكانة التوراة، لأنَّ أقوال الحاخامات كقول الله، فالله – كما يزعمون- يستشير الحاخامات عندما توجد مسألة معضلة لا يمكن حلُّها في السماء. وإذا خالف أحد اليهود أقوال الحاخامات، يُعاقب أشد العقاب؛ لأن مخالفة شريعة موسى خطيئة قد تُغتفر، أما من يخالف التلمود فيعاقب بالقتل (شلبي،1988،266) .

جاء في التلمود: إن تعاليم الحاخامات لا يمكن نقضها أو تغييرها ولو بأمر الله، وقد وقع يوماً الاختلاف بين الباري تعالى وبين علماء اليهود في مسألة، فبعد أن طال الجدال، تقرر إحالة فصل الخلاف إلى أحد الحاخامات الربيين ، واضطر الله أنْ يعترف بغلطه بعد حُكم الحاخام المذكور، وهذه العصمة التي يتحدث عنها التلمود لا تختص بالحاخامات، بل بكل ما يتعلق بهم أيضاً، حتى قيل: “إنّ حمار الحاخام لا يمكن أنْ يأكل شيئاً محرماً” (نصرالله،1987،53) .

ويمكن استنتاج أهمية التلمود لدى اليهود من عقيدة لهم تقول: يجب على كل شخص يهودي أنْ يُقسّم الدراسة إلى ثلاثة حصص، يُكرّس الثلث الأول لدراسة القانون المكتوب (التوراة)، والثلث الثاني لدراسة المِشنا، والثلث الأخير لدراسة الجمارا، والوقت الذي تستغرقه دراسة التلمود على هذا النحو هو سبع ساعاتٍ يومياً لسبعة أعوام (Barclay, Joseph: 1901, p14) .

وقد حَظيَ التلمود بأهمية متزايدة نتيجة للظروف الحاصلة بعد سقوط دولة اليهود، وعكف حكماء اليهود على دراسة التلمود بشغف واهتمام، ومع انحطاط الحياة العقلية لدى اليهود، الذي بدأ في القرن السادس عشر، صار التلمود يُمثِّل السلطة العليا عند أكثرية اليهود. وفي نفس القرن أصبحت أوروبا الشرقية، وخاصةً بولندا، مركزاً مهماً لدراسة التلمود، وكرّست المدارس اليهودية كافَّة جهودها لدراسة التلمود، حتى أنَّ كلمة “الدراسة” أصبحت تعني “دراسة التلمود” والتوراة نفسها أصبح مكانها ثانوياً(خان،1989 ،53-54) . ويذكر الدكتور جوزيف باركليJoseph Barclay  أنه على الرغم من أنَّ أي مجمع يهوديّ عام لم يتبنّ التلمود رسمياً، إلا أنَّ اليهود تبنّوه، لأنه زودهم بشيء شعروا بحاجتهم إليه (Barclay, Joseph : 1901, p33) .

ويتكون التلمود من قسمين رئيسيين :

القسم الأول : المشنا :

وهي بمعنى التثنية، أو الإعادة، وفي اللغة العربية بمعنى الحفظ والتعليم(فتاح،2002،159) ، وهي الجزء الأول والرئيسي للتلمود والمرجع الرسمي الموثوق للقانون اليهودي .

“وتُعتبر أول لائحة قانونية وضعها اليهود لأنفسهم بعد التوراة, جمعها الحاخام يهوذا الناسي فيما بين 190-200م(خان،1989،11).

وأحكام المشنا إما عامة مجهولة المصدر، وإما آراء الحكماء أو المعلمين، وآراء الحكماء (الحاخامات)، هي المفضلة إذا وقع تعارض حول مسألة ما.

جاء في التلمود: “إن تعاليم الحاخامات لا يمكن نقضها أو تغييرها ولو بأمر الله، وقد وقع يوماً الاختلاف بين الباري تعالى وبين علماء اليهود في مسألة، فبعد أن طال الجدال تقرر إحالة فصل الخلاف إلى أحد الحاخامات الربيين، واضطر الله أن يعترف بغلطه بعد حكم الحاخام المذكور(خان،1989،19) ” معاذ الله ان يوصف  اسمه الكريم لديهم ”

وقسم الحاخام يهوذا الناسي المشنا إلى ستة أقسام، وهي التي عُرفت فيما بعد بأقسام المشنا الستة وهي:  (خان،1989،16-15)

  1. زيرائيم :وهو خاص بالقوانين الدينية الزراعية، ويتكون من أحد عشر سفراً .
  2. موئيد :خاص بمواعيد الأعياد والصيام ويبحث في تحديد الأوقات التي يجب أن تبدأ وتنتهي عندها الأعياد ويحتوي على اثني عشر سفراً .
  3. ناشيم :(المرأة)، وهو خاص بقوانين النساء زواجاً وطلاقاً، وواجباتهن وصلاتهن، وكل ما يتعلق بهن ويتكون من سبعة أسفار .
  4. نزكين :وهو خاص بالأضرار والتعويض عنها، أي القوانين المدنية والجنائية، ويتكون من عشرة أسفار .
  5. كوداشيم :وهو خاص بالقداسة والمقدسات والقرابين وسائر الطقوس الدينية ويتكوّن من أحد عشر سفراً .
  6. توهارت :وهو خاص بالطهارات وقوانين الطهارة والنجاسة ويتكوّن من اثني عشر سفراً.

وبهذا تتكوّن المشنا من ثلاثة وستين سفراً، وكل سفر مقسّم إلى فصول .

“وهذه الأقسام الستة تحتوي الكثير من النصوص العنصرية البغيضة, والتي تحدد علاقة اليهودي بغيره، وفيها وصف الله بالأوصاف التي لا تليق به، من التشبيه والتجسيم والعجز واللعب والندم، وكذلك فيها من القدح بالأنبياء والملائكية الشيء الكثير . ومن خلال المنشا يحاول اليهود أن يُميزوا أنفسهم وأرواحهم عن بقية الأمم، فهم يعتبرون أنفسهم جزءاً من الله تعالى، وأن الإسرائيلي معتبر عند الله أكثر من الملائكة، فإذا ضرب أمي إسرائيلياً فكأنه ضرب العزة الإلهية، ولا غرابة في هذه الأقوال فإذا كان هؤلاء قد تطاولوا على الله تعالى بمثل هذه الصورة، فلا حرج من أن يتطاولوا على ما سواه من باب أولى (القثامي،2000،74) .

“والإله في التلمود متعصّب بشكل كامل لشعبه المختار، ولذا فهو يُعبر عن ندمه على تركه اليهود في حالة تعاسة وشقاء حتى أنه يلطم ويبكي, ومنذ أن أمر بهدم الهيكل وهو في حالة حزن وندم وتوقف عن اللعب مع التنين الذي كان يُسليه ويُمضي وقتاً طويلاً من الليل يزأر كالأسد، ولكنه في آخر الليل بعد إقامة المجتمع اليهودي الأمثل في العصر المشيحاني في ظل الدولة المستعارة يجلس على العرش يقهقه لانتصار شعبه وعبثاً بتوافد الوثنيون طالبين قبولهم, ويتبدى التعصب الإلهي للشعب اليهودي في أنه حينما يأتي الماشيح سيصبح كل الناس عبيداً لجماعة يسرائيل”(المسيري ،2005، 49).

القسم الثاني . الجمارا : “الجمارا معناها الإكمال وقد تكونت من مناقشات علماء اليهود حول محتويات المشنا، فهي عبارة عن الشرح والتعليل أو التفسير والحواشي للمشنا، وألّف الحاخامات هذه الشروح في فترة طويلة، تمتد من القرن الثاني إلى أواخر القرن السادس الميلادي، وتؤلف من المتن والشرح أي من المشنا والجمارا ما أُطلق عليه اسم التلمود(الشرقاوي،1993،25) .

 

الجمارا اثنتان :

–       جمارا أورشليم (فلسطين) .

–       وجمارا بابل .

أما جمارا أورشليم فهي سجل للمناقشات التي أجراها حاخامات فلسطين، وبالأخص علماء مدارس طبريا لشرح أصول المشنا، ويرجع تاريخ جمعها إلى عام 400م، وتسميته بأورشليم هي تسمية مجازية(خان،1989،23).

أما جمارا بابل فهي سجل لمناقشات حاخامات اليهود في السبي البابلي وانتهوا من جمعها سنة 500م تقريباً. لهذا فالمشنا وشروحها جمارا أورشليم تسمى تلمود أورشليم، والمشنا مع شرحها جمارا بابل تسمى تلمود بابل، وكل تلمود يُطبع على حدة(خان،1989،23) .

وبالنظر في التلمودين نجد فروقاً كثيرة في الكم والكيف، فمادة تلمود أورشليم ثلث مادة تلمود بابل، بالإضافة إلى أن تلمود أورشليم ينقصه العمق والشمول الذي يتميز به تلمود بابل، فشروح تلمود أورشليم هي أقرب إلى الحرفية والقصر، وتلمود بابل يظهر عليه التأثر كثيراً بالقانون الفارسي، كذلك نظرة تلمود بابل للأغيار أقل حدة من نظرة تلمود أورشليم . ومن الاختلافات بينهما اللغة التي كُتبت بها الجمارا، فتلمود أورشليم لغته عبرية، تتخللها بعض العبارات الآرامية الغربية, وتلمود بابل لغته آرامية شرقية تتخلله عبارات العبارات العبرية . والأفضلية عند اليهود للتلمود البابلي “ولما كانت الجمارا البابلية أكمل وأشمل من الجمارا الفلسطينية، فإن التلمود البابلي هو الأكثر تداولاً، وهو الكتاب القياسي عند اليهود، ولذا حين يُستخدم لفظ (التلمود) بمفرده محلى بأداة التعريف، فإن المقصود به هو التلمود البابلي دون سواه، وذلك على أساس الميزة والأفضلية والتفوق(المسيري،2006،125/5) .

ويشير الكاتب الدكتور عوض الله حجازي الاختلافات بين التلمودين بقوله : “التلمود البابلي قد أُلف وجمع في فترات استغرقت قرناً من الزمان كان اليهود فيه في سلام وأمن، بينما ألف التلمود الفلسطيني على عجل وفي ظروف قاسية بسبب اضطهاد الرومان لليهود”( حجازي،1993،16).

ويرى الدكتور أ. فابيان أنَّ التلمود أسهم بقوة في حفظ اليهودي، بأنْ مَكَّنَه من أنْ يتأقلم مع كل زمان ومكان، في كل دولة ومجتمع، وفي كل درجة من الحضارة، وينقل فابيان قول جينزبرجL. Ginzberg : أعطى التلمود لليهودي جنة روحية خالدة، يلجأ إليها كيفما شاء، هارباً من العالم الخارجي بكل ما فيه من حقد ومظالم. وعلى صفحات التلمود وجدت أجيال اليهود المتعاقبة إشباعاً لأعمق أمانيها الدينية، وكذلك وجد اليهود في التلمود نافذتهم لأسمى استلهاماتهم الفكرية ورغم أنّ العالم قد انقطع عن قرونه الماضية، فإنّ التلمود لا يزال –بعد التوراة- القوة الروحية والأخلاقية المثمرة في الحياة اليهودية، وكما قال إسرائيل أبراهامز: بقي اليهودي بسبب التلمود، بينما بقي التلمود في اليهودي .

(Barclay, Joseph ,1901, p34-35)

  1. التاريخ اليهودي:

تصور التوراة التاريخ اليهودي القديم كتاريخ عسكري، فجنود موسی ويهودا وداود لم يتوقف القتال حتى فيما بينهم، فلم يكونوا متساهلين حتى مع أعدائهم المهزومين.

ويشير بن غوريون: إن كل تاريخ (إسرائيل) القديم يرويه لنا الكتاب المقدس، فهو بالدرجة الأولى تاريخ (إسرائيل) العسكري، لقد حارب اليهود الأوائل الآشوريين والبابليين والمصريين والكنعانيين والعموريين والفرس والإغريق والرومان، وعندما هزموا على يد تيطس قتلوا أنفسهم في مسعدة رمزاً لإراداتها في ثورة باركوبا ابن الشمس على الرومان ، لذا دأب العسكريون (الإسرائيليون) على ربط معارك اليهود في الماضي السحيق بمعاركهم في الزمن الحاضر ليقنعوا أنفسهم قبل غيرهم بأنهم أصحاب مهمة ربانية (مؤسسة الأهرام ،1974،16-18 – 22) .

لقد حاول دعاة الحركة الصهيونية تثبيت مثل هذه المفاهيم في وجدان أي صهيوني، وخلق رباط تاريخي متين بين الماضي والحاضر؛ لأن الحرب حتمية تاريخية لا مفر منها لإنجاز الرسالة اليهودية وتحقيق أماني الحركة الصهيونية، ولهذا عقدوا المقارنات بين فرسان داود وسليمان – عليهما السلام – ودبابات موشيه ديان في عام1967 رأي منظرو الحركة الصهيونية في تلقين الجيش (الإسرائيلي)، دروس التاريخ العسكري اليهودي القديم بالإضافة إلى الدروس الحربية المستفادة من التاريخ العسكري العالمي القديم والحديث، أمراً تفتضيه الضرورة ومستلزمات المرحلة التاريخية، التي هي بمثابة امتداد لمراحل التاريخ اليهودي وامتداد لتاريخ داود وموسى وشاؤول الذين جابوا أرض فلسطين قبل آلاف السنين منتصرين، فقيمة المعارك التي خاضوها لا تقل شأناً عن معارك اليهود اليوم مع أعدائهم العرب، ونظريات التاريخ العسكري الحديث تدلل على صدق تلقينهم (الكيلاني، 1962،65).

يعتبر مضمون تاريخهم الذي انبرت عشرات الكتب والدراسات التاريخية تردد أن لليهود حضارة وتاريخاً عريقاً مستقلين، إليهما يرجع الفضل في حفظ الهوية اليهودية عبر مئات السنين، فهم يعزون سبب تخلف منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط نتيجة رحيلهم عنها، وقرنوا تقدمها بعودتهم إليها .

(خان،1989،35)

لذلك فإن الصهيونية أخذت من الديانة اليهودية الإيمان بالعودة وطورتها من العودة تحت قيادة المسيح المنتظر لتصبح تحت قيادة الحركة الصهيونية واستخدمت رموزاً دينية خاصة بما يتعلق: “ببناء الهيكل” إقامة مملكة اليهود، من خلال تغليف المطالب الدينية بالطابع السياسي أو استبدال الإرادة الإلهية بالعمل اليهودي بدلاً من إبقاء الأمر بانتظار المسيح المخلص وهو ما يعرف بعلمنة الدين.

(الميداني،1978 ،112)

لذلك فالفكر الصهيوني تعامل مع أرض فلسطين على أنها بلد محتل من قبل غرباء، وعملت الصهيونية على إقناع اليهود باستردادها منهم، أي أنها قلبت الحقائق من أجل تسويق فكرتها وتبرير استخدامها للعنف، ومما يفسر اعتبار الصهيونية التوراة والتلمود في أصولها العبرية المصدر الأساس للتاريخ والجغرافيا والأدب القومي متناسية التاريخ الطويل لأرض فلسطين مستخدمة تحديد المجموع وجعله يشمل يهود العالم، كما حددت كذلك البقعة الجغرافية المقدسة والمستهدفة من أجل مقاومة محاولات الدمج في المجتمعات التي بعث إليها اليهود خاصة، وقد بدأ يظهر تصور الدمج ضمن التسوية العالمية وبرجوعها إلى التوراة وتحديد الأرض المقدسة كان بمثابة عامل جذب للكثير من يهود العالم كما يلي: (الميداني،1978،113- 114)

  1. إن الحركة الصهيونية جعلت من اللغة العبرية لغة الحديث اليومية والرسمية لليهود ، وذلك برغم أنها لغة دينية مقدسة يحرم استعمالها إلا في الشؤون الدينية.
  2. تعتبر الديانة اليهودية التي تطورت في المهجر وتركزت على اتجاه علمي وبثقافات مختلفة كالفتاوى التي يطلقها الحاخاميون، إضافة إلى التحديث الأهم الذي يمثل ويشكل المصدر لإنتاج منهج جديد يسمح بالتوافق الكامل للمكان والزمان وإقامة اليهودية داخل إطار الحكم لغير اليهود (عاطف،2008،17).
  3. قد ورد حول “المسيحية الصهيونية وعقيدة الإعادة القول: يعتقد أتباع هذه الكنيسة من المسيحيين المتشددين بأن عودة اليهود للأرض المقدسة وإقامة دولة (اسرائيل) عام 1948م يأتي تطبيقاً للنبوءة الواردة في الإنجيل. وكما يعتقد بعض المسيحيين الصهاينة بأن تجميع اليهود في (إسرائيل) يعتبر مقدمة لعودة المسيح، ومثل هذا الاعتقاد يرتبط وإن لم يكن حصراً بالضرورة بالكنيسة القدرية التي تقوم على الاعتقاد الجازم بأن الإرادة وحدها هي التي تتحكم في سائر مناحي الحياة وينتشر هذا المذهب بين الناطقتين بالإنجليزية خارج أوروبا، والواقع أن المفهوم القائل بوجوب دعم عودة اليهود إلى أرض (إسرائيل) تحقيقاً لنبوءة الإنجيل كان ولا يزال من المفاهيم القوية السائدة في أوساط البروتستانت منذ الحركة الإصلاحية، وكان تعبير المسيحية الصهيونية قد بدأ في الانتشار في منتصف القرن الماضي ليحل محل عقيدة الإعادة التي كانت سائدة في أوساط المسيحيين المتشددين قبل ذلك التاريخ(الفرا،2010،151).

 

كما كانت محطة وعد بلفور 2/نوفمبر1917م مرحلة نوعية في ثبات مصالحها مع بريطانيا، وحول عمق الصلة وترابطها بين فكرة الدولة في فلسطين والمصالح البريطانية، فكان من بين الأسباب التي دفعت ببريطانيا للموافقة على الوعد هو أن تكون الدولة اليهودية خط الدفاع الأول عن قناة السويس واستمرار تجزئة الوطن العربي (الدجاني،2001،101) .

بالإضافة إلى ألمانيا التي رأت أن إقامة كيان يهودي سياسي في فلسطين ضرورة استراتيجية على الصعيد العسكري (رابكين،2010 ،31) .

بعد حرب 1956م استقرت مصالح (إسرائيل) مع الولايات المتحدة الأمريكية، وسعت بدورها لتوطيد العلاقة مع واشنطن وجعلها علاقة استراتيجية، ويصف شارون رئيس وزراء (إسرائيل) سابقاً هذه العلاقة بالقول: “إن العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية هي عقار استراتيجي من الدرجة الأولى يعود لأسباب عدة منها بالتحديد موقعها الجغرافي، وهو ما جرها على العمل في اتجاهات مختلفة (رابكين،2010،31) .

وفعلاً لقد أنجزت (إسرائيل) في1981م ما سعت له في توقيعها على اتفاق التفاهم الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية، وهو تعاون مخصص ضد التهديدات الموجهة للمنطقة أو أمنها المتأتي من الاتحاد السوفياتي، ومع هذا الاتفاق تطورت العلاقات إلى انضمام إسرائيل المبادرة الدفاع الاستراتيجي الأمريكية عام 1983م وصلت بموجبه إلى حد الإعلان عن قيام حلف دفاعي بين الطرفين 1996م(هاشم،2012،21) .

ثانياً :المنطلقات الأيديولوجية

ارتكزت الأيديولوجية الصهيونية على ركيزتين أساسيتين: هما التاريخ اليهودي والتوراة، وبنت علیهما جل أفكار الصهيونية السياسية، لذا فقد عمدت إلى التاريخ وصاغته بما يتلاءم مع هذه الفكرة، وجاءت بالنصوص التوراتية المحرفة لتلبس ذلك الحدث ثوب القدسية والشرعية، وعلى الرغم من هذا فالحركة الصهيونية لا تعبر عن أيديولوجية مترابطة أو متناسقة، وإنما تضم اتجاهات تعبر كل منها عن فكرة فضفاضة تتسع لكل الآراء الناقدة (الجارد،1988،145) لذا فقد عمدت إلى جوانب متعددة ضمتها معاً لتؤلف البنية الأساسية للانطلاقة الصهيونية عبرت عنها بأحداث مستقاة من التاريخ  والواقع الدولي على النحو الآتي:

أولاً : رحلة الشتات في الأيديولوجية الصهيونية

يقع اصطلاحاً “الشتات” و”المجتمع اليهودي” ضمن الأمور المعقدة؛ إذ لا يتوفر الاتفاق على معانيهما أو مضامينهما، فالشتات يعني التجزئة والتفكك، وفي حال اليهود يعني الفئات البعيدة عن فلسطين التي تقطن في أماكن وببلاد غير فلسطين. هذا بالنسبة إلى اليهود الصهاينة، لكن بالنسبة إلى اليهود غير الصهاينة أو اليهود المعادين للصهيونية، فإن اصطلاح “الشتات” لا يعني شيئاً؛ لأنهم يعتبرون يهود العالم مواطنين في البلاد التي يسكنون فيها، واندماجهم في مجتمعاتها يتعارض مع مفهوم التفكك والشتات (عاروري،1999،30) .

إن أبرز الأحداث في حياة اليهود هو السبي البابلي بقيادة (نبوخذ نصر) الكلداني عام 576 ق.م وفي هذه الغزوة حرف اليهود التوراة، ثم التدمير الروماني بقيادة (تيطس) الروماني عام (80 و135م)، وكان هذا آخر عهدهم بفلسطين، وبدأت بعدها رحلة الشتات ،فمنهم من ذهب إلى الجزيرة العربية، وأجلاهم المسلمون عنها فيما بعد غدرهم وخيانتهم ونقضهم للعهود والمواثيق، ومنهم من ذهب إلى شواطئ البحر الأبيض المتوسط في بلاد مختلفة، إلا أنهم ما كادوا يستقرون في بلد حتى يطردهم أهل ذلك البلد منه(الجندي،1977،31) .

ولكن اليهود الأميركيين من أصل أوروبي، اكتسبوا الكثير من الثقافة الإيديشية، فإنها تتميز بميزات خاصة تبلورت من خلال التطورات في المجتمع الأميركي. وبعكس الكثيرين من اليهود الأوروبيين الذين لم ينخرطوا في المجتمعات الأوروبية، فإن يهود أميركا استوعبوا الثقافة الأميركية وانخرطوا في المجتمع الأميركي، وبذلك تمكنوا من استخدام المؤسسات الأميركية للوصول إلى مراكز ومواقع استراتيجية، كما أنهم ساهموا في بناء المجتمع الأميركي، وقدموا خدمات اجتماعية إلى الرعايا اليهود وغيرهم. ولا شك في أن الكثيرين من ذوي المواهب العالية هم من أصل يهودي.

Gary M. Smith, 1974))

لذلك كانت ردة الفعل في أوساط الجالية اليهودية في أميركا سلبية للغاية حينما توجهت الحركة الصهيونية إلى مشروع بناء الوطن القومي لليهود في فلسطين. وعلى الرغم من أن الصدام بين الصهيونية السياسية والصهيونية الروحية حدث في أميركا كما كان حدث في أوروبا، فإن اليهود الأميركيين لم يشعروا بأنهم كانوا يجابهون “مشكلة يهودية” كما شعر اليهود الأوروبيون، الأمر الذي جعل الفريق الأخير يدعم الصهيونية السياسية كصمام الأمان ليهود الشتات. وكانت الحركة الصهيونية السياسية هي الحل المنشود “للمشكلة اليهودية” في أوروبا. أمّا يهود أميركا فإنهم لم يشعروا بالتعاطف نفسه مع الصهيونية السياسية، بما أنهم دانوها كحركة تعزل اليهود عن المجتمعات التي يعيشون فيها، وبذلك تصبح مصدر خطر لا صمام أمان، وعلى سبيل المثال صدر بيان وقعه ثلاثون شخصية يهودية مرموقة في الولايات المتحدة سنة 1918 نقتطف منه ما يلي:

(American Jewish Yearbook 1918)؛ (Philadelphia, 1919)

.1في الوقت الذي تُطرح فيه مسألة نظام الحكم المستقبلي في فلسطين أمام مؤتمر السلام المقبل، نحن الموقعين أدناه، من المواطنين الأميركيين، نعلن بصوت موحد معارضتنا لمشروع إنشاء دولة يهودية في فلسطين، وفقاًل اقتراحات المنظمات الصهيونية هنا وفي أوروبا. كما أننا نعترض على عزل اليهود عن مجتمعاتهم وتمييزهم ككيانات قومية في البلاد التي يعيشون فيها.

.2ونشعر بأننا نعبر عن آراء أفراد الأغلبية في الجالية اليهودية في أميركا، سواء من ولد منهم هنا أو في بلاد أُخرى، لكنهم عاشوا هنا فترة طويلة وانخرطوا تماماً في المجتمع الأميركي سياسياً واجتماعياً. ويمثل اليهود الصهيونيون في أميركا، بحسب الإحصاءات المتوفرة لدينا، نسبة ضئيلة من اليهود المقيمين بهذا البلد – نحو 150,000 نسمة من مجموع 3,500,000 نسمة .

(American Jewish Yearbook 1918 , P. 191)

وتشير صحيفة “نيويورك تايمز1919/3/5مقتطفات من ذلك البيان الذي عارض مبدأ السيادة اليهودية في فلسطين، وكان ذلك العداء لأهداف الصهيونية السياسية واضحاً في آراء قيادات الجالية اليهودية، سواء في أميركا أو في ألمانيا في أواخر القرن التاسع عشر، فخلال المؤتمر المركزي للحاخامين الأميركيين (Central Conference of American Rabbis) الذي عقد سنة 1885 في مدينة بيتسبرغ، اعتبر ممثلو الإصلاح اليهودي (ReformJudaism)

أن اليهود لا يشكلون قومية وإنما فئة دينية، وجدير بالذكر أن مؤتمر بازل الشهير الذي عقد سنة 1897 كان من المفروض عقده في مدينة ميونيخ، إلاّ إنه تحول إلى بازل في إثر معارضة قوية من الجالية اليهودية في ألمانيا، وخصوصاً من الهيئة التنفيذية للحاخامين الألمانGerman Rabbinical Executive(Gary M. Smith, 1974, P14) .

لقد سوغ منظرو الحركة الصهيونية من خلال الدوائر التابعة لها ترويجاً لفكرة ترى في الحركة رمزاً للخروج من العزلة وحياة الجيتو (حارة أو حي يعيش فيه اليهود بشكل انعزالي وسط الشعوب الأخرى) كما يرون فيها أيضاً تحقيقاً لتحرير اليهود من الشتات ونهاية لحياة المنفى وبداية الاستقرار.

(القمحاوي،2009)

 أن الصهيونية قد أوجدت أزمات (لإسرائيل) وللجالية اليهودية في الولايات المتحدة وغيرها من الدول الأخرى؛ إذ أصبح اليهود يواجهون خيارات صعبة، فهم عادة من مؤيدي مبدأ الحريات المدنية والعدالة الاجتماعية و التعايش السلمي بين الفئات العرقية في مجتمعاتهم خارج (إسرائيل)، هذا يعني أن فكرة الصهيونية في تصورهم امتداداً للفكر الخلاصي في اليهودية الوارد في سفر التكوين الذي يحث على جمع اليهود معاً من ديار الشتات إلى أرض فلسطين.

 

 

ثانياً – معاداة السامية Anti- Semitism:

إن مصطلح معاداة السامية في الأصل ليس مصطلحاً يهودياً بل استعمله أعداء اليهود لممارسة الضغط عليهم وتعقبهم، لكن اليهود بدهائهم فهم أذكياء في الشر قلبوا استعمال هذا المصطلح لصالحهم، ولم تذكر المصادر التاريخية العالمية كلمة الساميين، فاللغات اليونانية واللاتينية والفارسية والهندية والصينية لا تذكر كلمة سام وحام أو يافث، لذا فأنه يعد وصفاً مستحدثاً .

(منصور،1998،115)

لقد ظهر هذا المصطلح (معاداة السامية) في ألمانيا نهاية القرن التاسع عشر لتمييز العرق الآري الألماني عن العرق السامي اليهودي حسب زعمهم، وكان الصحفي (وليم مار) هو أول من استخدم هذا المصطلح عام 1879م لتمييز الحركة التي تضاد اليهود آنذاك ، تلك الحركة التي وجدت تأييداً من المستشار الألماني “بسمارك” آنذاك ، جمعت جمعية معاداة السامية 255 ألف توقيع للمطالبة بطرد اليهود ، كما حصل حزب معاداة السامية على 15 مقعداً عام 1893م . وانتقلت حركة معاداة السامية من ألمانيا إلى بقية دول أوربا حيث تجددت في روسيا عام 1881م، وتم تكوين حركة لمعاداة السامية في النمسا عام 1895، كما نشأت كذلك حركات معادية للسامية في إنكلترا وإيطاليا والولايات المتحدة الأمريكية، كل تلك الحركات كونت لمحاربة اليهود تحت شعار معاداة السامية، استخدم اليهود سلاح أعدائهم ليردوه إليهم فاستعملوا نفس هذا المصطلح (معاداة السامية) لمحاكمة كل من يتعرض لبرامج اليهود الماكرة، هي المسكنة التي ضربها الله عليهم ولازمتهم على مر تاريخهم الطويل في غناهم وفقرهم وفي ذلهم وعلوهم، ولا أدل على ذلك التسويق المذل الخزي المستمر للمحرقة النازية المبالغ فيها ، والتي جعلوا منها ومن تهمة معاداة السامية حلق في الشعوب الغربية لابتزازها ونهب خيراتها وخاصة ألمانيا فهم عالة على كل من آواهم، وهذا ما يشهد به تاريخهم .

(منصور ،1998،115)

إن فكرة معاداة السامية وهي ظاهرة كراهية اليهود، هذه النغمة التي يعزف اليهود عليها لاستدرار العطف عليهم، وقد ردّ هذه الظاهرة نفسياً إلى اللاشعور وذلك لعدة أسباب:

  1. 1.غيرة الشعوب الأخرى من اليهود لأنهم أكبر أبناء الله وآثرهم عند الله !  ” تعالى سبحانه “
  2. 2.تمسّك اليهود بطقس الختان الذي ينبه لدى الشعوب الأخرى خوف الخصاء ويقصد بذلك النصارى لأنهم لا يختتنون.
  3. 3.كراهية الشعوب لليهود هو في الأصل كراهية للنصارى المسيحيين، وذلك عن طريق النقل إذ إن الشعوب التي تُنزِل الاضطهاد النازي باليهود إنما كانت شعوباً وثنية في الأصل، ثم تحولت إلى النصرانية بالقوة الدموية، فصارت هذه الشعوب بعد ذلك حاقدة على النصرانية، لكنها بعد أن توحدت معها نقلت الحقد إلى الأصل الذي تعتمد عليه النصرانية ألا وهو اليهودية (الجهني، 1999،235) .

تعد مسألة استغلال معادة السامية مسألة حديثة، أوجدها اليهود الغربيون وخاصة أولئك الذين يعيشون في أوروبا وأمريكا؛ وذلك لتحقيق عدة أهداف منها: الحصول على امتيازات خاصة كالتخلص من أعدائهم ومنافسيهم بزعم العداء الذي أظهره غير اليهود بسبب نقاء جنسهم، واتساع مداركهم، وتفردهم بامتلاك الثروة والمال (سنقرط،1987 ،45-47) .

من ضمن المكاسب التي حققوها أن اليهود أصبحوا يتعاونون فيما بينهم، وحفظ لهم هويتهم من الضياع، كما ويعد حافزاً ومحركاً لتجاوز حياة المنفي، ويرى (بن غوريون) أنه لو استطاع إرسال بعض الشبان اليهود متنكرين إلى بلاد الشتات ليرسموا صلبان معكوفة على جدران المعابد اليهودية، ليضطرهم ذلك للعودة إلى الأرض المقدسة لما تأخر في ذلك (العظم، 1975، 188).

 

ثالثاً – المسوغات القانونية:

استندت الحركة الصهيونية إلى عدد من المسوغات القانونية لتضفي عليها الطابع الدولي؛ لتبرير فكرة الحق التاريخي في أرض فلسطين وترتكز عليها لتأكيد شرعية الكيان الصهيوني وهي على النحو الآتي :(شعبان،1989 ،58)

  1. وعد بلفور الذي صدر على شكل رسالة موجهة للصهيوني روتشلد، وأدمج فيما بعد في صك الانتداب الذي شمل فلسطين، وهذا الإدماج هو إنكار لأبسط قواعد العدالة، فتبني مبدأ وطن قومي يهودي في فلسطين يتعارض مع مبدأ حق كل شعب في تقرر مصيره (هنري ،1970، 18).
  2. كما يعد التصريح وثيقة قطعت بمقتضاها أمة وهي بريطانيا العظمى في ذلك الوقت وعداً رسمياً لمجموعة من الناس، وهم اليهود بمنحهم بلاد أمة ثانية وهي أرض فلسطين.
  3. الاستناد إلى قرارات الأمم المتحدة بعد إشراك بريطانيا وفرنسا ثم الولايات المتحدة الأمريكية في تحقيق أهداف الحركة الصهيونية مثل: قرار الأمم المتحدة (29-11،1947 رقم 242)القاضي بتقسيم فلسطين بعد قيام الولايات المتحدة والدول الاستعمارية بتوجيه من الصهيونية إلى إقناع الدول للتصويت إلى جانب القرار.
  4. حق الشعب اليهودي في إقامة دولة كباقي شعوب العالم استناداً إلى وعد بلفور وقرارات الأمم المتحدة اللاحقة لا سند له في القانون الدولي، فحق كل شعب في التطور الحر المستقل لا ينبغي أن يكون على حساب تشريد شعب فلسطين عن أرضه وهو صاحب الحق التاريخي الثابت، فضلاً عن أنه لا يتم على أساس تجميع شتات شعب من قوميات مختلفة ومن جنسيات ودول في كيان مصنوع خصيصاً لها.

ووفقاً لهذا المبدأ فقد جاء طرح الزعيم الروحي للحركة الصهيونية (هرتزل) فكرة استيطان شعب بلا أرض وهم اليهود المشتتون على أرض بلا شعب وهي أرض فلسطين، وبعد العدوان (الإسرائيلي) في عام (1967) ذهب القادة الصهاينة إلى إنكار وجود الشعب الفلسطيني، في حين صرحت رئيسة وزراء (إسرائيل) في ذلك الوقت (غولدامائير) بالقول: “إنني لا أعترف بوجود الشعب الفلسطيني، إنهم لا وجود لهم” (شعبان،1989،63-64) .

 

رابعاً – الاعتماد على دولة قوية:

يسعى اليهود دوماً للاستعانة بمراكز القوى في العالم، فقد دقت الحركة الصهيونية أبواب بريطانيا العظمى لتجد الاستجابة المتمثلة بتوافق المصالح الاستعمارية البريطانية مع الأطماع الصهيونية، لتبدأ حركة التخطيط الذي عكسته مذكرة (وایزمن) للحكومة البريطانية عام (1916م)، التي ضمنها آراءه ومقترحاته بشأن فلسطين بقوله: “وإنا نضع قرارنا هذا بين أيديكم فمصيرنا القومي الصهيوني موجهة إلى وزارة الخارجية البريطانية وإلى المجلس القومي الإمبراطوري، آملين النظر في القضية على ضوء المصالح الإمبراطورية ومبادئ الحلف” (الهندي،1971،45) .

ومع نجاح اليهود في إقناع بريطانيا بضرورة كسب تأييدهم عن طريق تعزيز المصالح المشتركة تبنت طموحاتهم وأصدرت وعدها المعروف بوعد بلفور، كما اتجهت الجهود الصهيونية لكسب قوى عالمية أخرى كفرنسا وإيطاليا والولايات الأمريكية المتحدة لتنجح في هذا المسعى (الهزايمة، 2004،130) .

وعندما أصبحت الولايات الأمريكية المتحدة من القوى العظمى في العالم توجهت الحركة الصهيونية إليها طالبة منها الدعم والمساندة، فغزتها بالعقيدة بادئ الأمر وزرعوا في مسيحييها فكرة انبعاث المسيح من جديد بعد عودة اليهود إلى فلسطين، والحكم بها مدة ألف عام وبعدها يعم العالم السلام. (الزعبي،1990،111) كما أن الحركة الصهيونية استغلت التوراة وما فيها من وعود للتأثير

على الرأي العام الأمريكي في انتزاع ما تريده من الإدارة الأمريكية (كتن،1970،24) .

أن المنطلقات الأيدولوجية الصهيونية تسير على ذات الطريق الذي رسمها قادة الحركة الصهيونية، والإرهاب هو النهج العنيف الذي يمارس ضد الإنسانية  وينتهك مبادئ القانون الدولي وجميع العهود والمواثيق الدولية ، ويشكل الانسلاخ الحقيقي عن الإنسانية و قيم الحق والعدالة. ويستخدم الإرهاب للسيطرة على الشعوب المستضعفة بالقتل ونهب ثرواتها وتدمير ممتلكاتها وكسر إرادتها والرضوخ لمطالبها التعسفية وترويع المدنيين.

وقد اعتمد الفكر الأيديولوجي الصهيوني على استغلال التعاليم الدينية والمفاهيم العنصرية والمبالغة في نشاط الحركات اللاسامية واستغلال النازية وجرائمها؛ لتبرير ممارسة الإرهاب والإبادة والعنصرية كسياسة رسمية للكيان الصهيوني.

 

الاستناد المنحرف للفكر الصهيوني

استندت الأيديولوجية الصهيونية إلى بعض المفاهيم التوراتية من أجل تعبئة اليهود بالأفكار الشوفينية العنصرية ضد الشعوب الأخرى، وبخاصة ضد الشعب الفلسطيني، على الرغم من أن الزعماء الصهاينة في أغلبيتهم كانوا لا دينيين ولا يؤمنون بالتوراة، وإنما اتخذوها سنداً لدعم مشروعهم السياسي القائم على إقامة الكيان على أرض فلسطين (شاحاك، ب.ت،132) .

أولاً –المجتمع اليهودي و نظرية العرق والاختيار الإلهي:

إن مقولة اليهود يشكلون أمة واحدة، وأنهم العرق الأنقى والأفضل” هي أحد أهم الأسس الأيديولوجية للعنصرية الصهيونية، وقد استمدت الحركة الصهيونية نظرية العرق الأعلى من النظرية العرقية التي سادت وانتشرت في أوروبا، وتستند مقولة العرق اليهودي الأنقى إلى الأسس التالية (شيحة،2003 ،393) :

.1اعتبار العرق اليهودي من العروق الرئيسة في العالم، وأن هذا العرق حافظ على وحدته، رغم التأثيرات المختلفة عليه، كما حافظت السمة اليهودية على نقاوتها.

.2محاولة إبراز ما سماها “هرتزل” الرسالة الحضارية للشعب اليهودي عندما قال :” أولاً: إن الدولة اليهودية ستكون عبارة عن حصن منيع للحضارة في وجه الهمجية”. ثانياً: مقولة الحق التاريخي لليهود في فلسطين العربية: وقد تركزت هذه المقولة على العنصرية التي عدت فلسطين ليست سوى الأساس والمنطلق للعودة إلى أرض (إسرائيل) التي تتطابق مع امتداد الوطن العربي حسب مفاهيمهم .

(غارودي،1997 ،30-41)

ولكن مقولة الاختيار الإلهي للشعب اليهودي تتضمن هذه الفكرة أن الشعب اليهودي قد اختير من قبل الله، ليكون الشعب المختار، وقد حاولت الفلسفة اليهودية، الربط بين هذه المقولة وبين رسالة الشعب المختار (غارودي،1997،70-73) .

ثانياً –  الدين في خدمة الأيديولوجية الصهيونية :

تكمن اليهودية في خدمة وتطور الدولة الصهيونية : لا ينكر أحد أن هناك فرقاً بين اليهودية كدين وبين الصهيونية كحركة عنصرية سياسية عالمية, وبالتالي هناك فرق بين اليهودي والصهيوني اصطلاحاً فقط؛ لأنه يمكن أن نجد صهيونياً غير يهودي مثل الصهيوني الألماني : “رودلف كانستنز” الذي تعامل مع النازيين من أجل إرهاب لليهود خدمة للهجرة اليهودية إلى فلسطين، ونجحت جهوده حينما سمح النازيون عام 1933 بإرسال عدد كبير من اليهود من أحد معسكرات الاعتقال إلى فلسطين ،ومثل “تيودور هرتسل” المعروف بالإلحاد , بل الأغرب من ذلك أن الصهاينة المؤسسين لدولة(إسرائيل) أكثرهم ملحدون لا يعترفون بالديانات, ولا تمتلكنا الغرابة كذلك إذا عرفنا أن “وايزمان” (1784- 1952) وهو أول رئيس للدولة الصهيونية , اعترف سنة 1927 بأن ” وعد بلفور كان مبنياً على الهواء، وروي أنه عام 1927 كان يرتعد خشية أن تسأله الحكومة البريطانية عن مدى تأييد اليهود للحركة الصهيونية فهي كانت تعلم ” أن اليهود ضدنا (أي ضد الصهاينة)، لكنهم لم يتجاهلوا بأن مسألة اليهودية كدين سيكون لها دور فعال في التضليل الأيديولوجي، ولقد كتب الحاخام شنيرسون” أن الصهاينة كانوا يرون في التوراة والوصايا العشر مجرد وسائل ملائمة لتقوية الشعور الجماعي(المسيري،1978،56).

مما يدل على تفاهة تلك التشكيلة الدينية التي صيغت بها دولة (إسرائيل)حتى تصبح اليهودية منصاعة لخدمة الصهيونية التي تمثلها دولة (إسرائيل) بالدرجة الأولى, كما يوجد كثير من اليهود يرفضون الصهيونية رفضاً باتاً؛ لأنهم يدركون خطرها على اليهود وعلى غير اليهود ,وخاصة بعد منتصف القرن العشرين أي بعد ظهور الحركات الإسلامية بمختلف توجهاتها الإخوانية أو الإحيائية المتشددة من جهة , وبعد تطور الفكر التقدمي الحر بشكل جيد حيث تم فضح معالم وأهداف الصهيونية الإمبريالية، وكمثال، نذكر منظمة الفهود السود المعروفة بعدائها للصهيونية، وكذا منظمة السلام الآن.

(بلويس،1980،177)

وفضلاً عن هذا وذاك هناك يهود صهاينة يشكل أغلبهم حاخامات متعصبون لليهودية والصهيونية في نفس الوقت، وهم الأكثر تشداً إذ يعارضون أية خطة سلام مع الفلسطينيين، وهم الذين يشكلون العصب الحسي الحقيقي للحكومة (الإسرائيلية)الحالية ،وهم الذين يصرون على أن القدس عاصمة أبدية (لإسرائيل)، ولقد ظهرت بوادر هذه الفئة منذ نشاه الحركة الصهيونية،  وبدأت تفرض نفسها بعد انتخابات نوفمبر 1988  (المسيري،1978،244) .

والآن ما تلك الصبغة الدينية لدولة (إسرائيل) ؟ وكيف تخدم تلك الصيغة أفكار بني صهيون ؟

إن (إسرائيل) بهذا الاسم يوحي باسم جدهم يعقوب بن إسحاق المعروف باسم (إسرائيل) وهو اسم ورد في التوراة , واسم الأرض أرتس (إسرائيل) وهي تسمية دينية قومية , وعلم (إسرائيل) ” أبيض وأزرق وهو لون “الطاليت” أي مكان الصلاة عند اليهود, وتتوسط رايتهم نجمة داود أحد أنبياء بني (إسرائيل), والبرلمان الذي يجتمع فيه ممثلو الشعب اليهودي يطلق عليه اسم “الكينيسيت” وهو مأخوذ من “بيت هاكينيسيت” وهو اسم المجلس اليهودي, وقد غيرت (إسرائيل) أسماء المدن والموانئ والقرى الفلسطينية وسميت بأسماء عبرية قديمة… لتصبح (إسرائيل) شيئاً أشبه بالمتحف. و (إسرائيل) إذن رموز صيغت من “عتمة الأعصر السالفة؛  فكيف يتكيف معها يهود القرن الواحد والعشرين ؟

(المسيري،1978،244)

أقول : إن اليهودي نفسه وهو المعرض لأجهزة الإعلام الصهيونية الخطيرة والمشتري الأول لها بقصد أو بغير قصد , قد وقع في فخ الوعي المعلب باسم الأخلاق السامية والفضيلة، فهاجر إلى فلسطين ظناً منه أن له فيها حقوقاً تاريخية، وتم إجازته من طرف الصهيونية باسم “العالياه” وهم فئة أصحاب المقام الرفيع في الجنة، وهم المثل الأعلى لليهودي الحقيقي؛ إذ هو الذي هاجر إلى(إسرائيل) وبقي فيه حتى أدركه الموت، أما إذا خرج من الأرض المقدسة  فإنه يرتكب “الياريداه “أي اليهودي المرتد والذي سقط من الجنة , فمصيره نار جهنم, أما إذا غير رأيه قبل السفر إلى فلسطين فهو من “النشيراه” وهذا تقبل توبته , وخاصة إذا هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية   (المسيري ،1978، 150) .

هكذا يعرض اليهود أنفسهم لعملية التضليل فيتحول الاعتداء إلى فضيلة, والدولة العلمانية يتحكم فيه حاخامات متعصبون, فقد نشرت داربوان في سنة 1979 ما يلي: “أعظم ما تشقى به (إسرائيل) اليوم هو خضوعها لرأي الحاخامات المتعصبين” (جارودي،1983،18) .

وعلى المستوى التضليل الديني الاجتماعي والذي ولد بطبيعة الحال أسلوباً سياسياً كان ضمن أهداف المخطط الأيديولوجي الذي رسمته (إسرائيل)، والذي سوف يفيد كثيراً في جلب اليهود من جهة، وفي جلب أصوات الناخبين اليهود من جهة أخرى لصالح الأحزاب السياسية المتعصبة (شاس-(إسرائيل بيتنا) والذي ينتمي إليه اليهود “السفارديم اليهود الذين هاجروا إلى فلسطين من شبه جزيرة إيبيريا أو من شمال إفريقيا أو من الدول العربية, وهم يهود من الدرجة الثانية ، وفي المقابل هناك يهود “أشكناز وهم اليهود الذين هاجروا إلى فلسطين من روسيا وأوروبا وأمريكا ويمثلون حسب رأي بعضهم – التيار المعتدل, وهم من يشكلون “كتلة اليكود”. ولما كان طابع الدولة الصهيونية طابعاً استعمارياً عنصرياً فإن هذا سينعكس فوراً على هذا المجتمع المزدوج، وسرعان ما يتحول إلى صراع داخلي في بنية (إسرائيل)، لكن الصهاينة وتحت مظلة الغرب والإمبريالية الدولية قد وظفت تلك النعرة الداخلية وتم تسخيرها لخدمة أغراض توسعية تم بها إخضاع اليهود شاؤوا أو أبوا.

(جارودي،1983 ،18)

أن الكيان الصهيوني قد مر بمرحلتين: الأولى ما قبل 1947 اعتمد خلالها الكيان على الدول الإمبريالية كمساند عنصري يتخطى ويخترق القواعد الأخلاقية المرتبطة بالحداثة والديمقراطية، وهذا ليس معرض الحديث في هذا الموضوع؛ لأن هذه الفترة للكيان الصهيوني جزء لا ينفصل عن تاريخ الإمبريالية الصهيونية الدولية ككل، والثانية مرحلة ما بعد1947 وهو تاريخ استلامها كشهادة حارس في الشام ودول المحيط وهي بداية التكتيك السياسي النيابي الداخلي للحركة الصهيونية باحتلالها أرض فلسطين .

ثالثاً – المؤامرة الصهيونية:

من أهم تجليات النموذج الاختزالي ما يقال له المؤامرة اليهودية الكبرى أو المؤامرة اليهودية العالمية والتي تفترض أن الجماعات اليهودية يكونون كلاً واحداً متكاملاً متجانساً، وأن لهم طبيعة واحدة وأن اليهودي شخص فريد لا يخضع للحركات الاجتماعية التي يوجد فيها، إذ إن ثمة خاصية ما في اليهود تجعل من العسير دمجهم ، فهم وراء المحافل الماسونية التي أسسوها أداة لمؤامرتهم وهم وراء البهائية التي تسعى لإفساد الإسلام وكل العقائد، وهم على اتصال بعالم الجريمة للمساعدة في إفساد العالم (المسيري،1998،12-11) .

كما كان لهم دور في ظهور الرأسمالية بكل بشاعتها والبلشفية بكل إرهابها والإباحية، وهم يسيطرون على الرأسمال العالمي والحركة الشيوعية، ومتحكمون في اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الأمريكية من خلال ما لديهم من نفوذ وسطوة وهيمنة على تحقيق مآربهم وتنفيذ مصالحهم، متخذين مجموعة من النقاط في هذا المجال يمكن حصرها كما يلي:

  1. لليهود منذ قرون خطة سرّية غايتها الاستيلاء على العالم أجمع لمصلحة اليهود وحدهم، وكان ينقحها حكماؤهم طوراً فطوراً حسب الأحوال و الظروف و الأزمان المستجدة مع وحدة الغاية .

(المسيري،1998،12-11)

  1. يسعى اليهود لهدم الحكومات في كل الأقطار، والاستعاضة عنها بحكومة ملكية استبدادية يهودية ويهيئون كل الوسائل لهدم الحكومات لاسيما الملكية ومن هذه الوسائل إغراء الملوك باضطهاد الشعوب، وإغرائهم بالتمرد على الملوك متوسلين لذلك بنشر مبادئ الحرية والمساواة ونحوها مع تفسيرها تفسيراً خاصاً يؤذي الجانبين وبمحاولة إبقاء كل من قوة الحكومة وقوة الشعب متعاديتين وإبقاء كل منها في هاجس وخوف دائم من الآخر، وإفساد الحكام وزعماء الشعوب ومحاربة كل ذكاء يظهر بين الأمميين (غير اليهود) مع الاستعانة على تحقيق ذلك كله بالنساء والمال والمكايد وما إلى ذلك من وسائل الفتنة ويكون مقر الحكومة (الإسرائيلية) في أورشليم أولاً، ثم تستقر إلى الأبد في روما عاصمة الإمبراطورية الرومانية قديماً(التونسي، د.ت،31).
  2. إلقاء بذور الخلاف والشعب في كل الدول عن طريق الجمعيات السرية والدينية والفنية والرياضية والأندية على اختلاف نشاطها والجمعيات العلنية من كل لون ونقل الدول من التسامح إلى التطرف السياسي والديني، فالاشتراكية، فالإباحية، فالفوضوية، فاستحالة تطبيق مبادئ المساواة.
  3. يرون أن طرق الحكم الحاضرة في العالم جميعاً فاسدة، والواجب لزيادة إفسادها في تدرج إلى أن يحين الوقت لقيام المملكة اليهودية على العالم لا قبل هذا الوقت ولا بعده؛ لأن حكم الناس صناعة مقدسة سامية سرية، لا يتقنها في رأيهم إلا نخبة موهوبة ممتازة من اليهود الذين أتقنوا التدريب التقليدي عليها، وكشفت لهم أسرارها التي استنبطها حكماء صهيون من تجارب التاريخ خلال قرون طويلة، وهي تمنح لهم سراً وليست السياسة بأي حال من عمل الشعوب أو العباقرة غير المخلوقين لها بين الأمميين (غير اليهود) (هاشم،2012 ،42).

رابعاً –  الصهيونية وعداؤها للعرب الفلسطينيين:

واجهت الصهيونية السياسية في سعيها لإقامة دولة يهودية  في فلسطين مشكلة وجود مئات الآلاف من السكان العرب، وبهدف الالتفاف على هذه المشكلة روّج دعاة الصهيونية فكرة “الأرض الخالية”، ليس بمعنى أنها خالية من السكان، وإنما بمعنى أن سكانها من العرب لا يمتلكون أي روابط ثقافية أو قومية تربطهم بالأرض التي يعيشون عليها؛ الأمر الذي يجعل من  السهل رحيلهم  عن هذه الأرض أو ترحيلهم عنها إذا استدعت الضرورة وذلك على النحو الآتي:

  1. زانگويل وفكرة “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”:

وكان هذا هو مغزى عبارة ” أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”، التي ارتبطت، منذ عام 1897 باسم كاتب إنكليزي يهودي بارز هو “يسرائيل زانغويل الذي كان واحداً من أبرز مساعدي هرتزل. وقد زار فلسطين عام 1897، ووقف وجهاً لوجه أمام الحقائق الديموغرافية فيها، وبعد هذا التاريخ ببضعة أعوام، وفي خطاب ألقاه في مانشستر بانكلترا، أعلن موقفه الذي صاغه في شأن الترحيل على الوجه التالي: إن لفلسطين كما هي قائمة سكانها الآن، وفي قضاء القدس من كثافة السكان الآن ما يفوق كثافة السكان في الولايات المتحدة مرتين؛ إذ فيه اثنان وخمسون نسمة في الميل المربع الواحد وليس منهم سوى 25 في المائة من اليهود. لذا علينا أن نستعد إما لطرد القبائل العربية صاحبة الملكية، بحد السيف، كما فعل أجدادنا، وإما أن نتعامل مع مشكلة وجود عدد كبير من السكان الغرباء، ومعظمهم من المحمديين الذين اعتادوا، ولقرون كثيرة، على ازدرائنا (مصالحة، 1992،12) .

ومع أن زانغويل قد عبّر، بعد رحيل هرتزل مباشرة، عن قناعته بصعوبة تحقيق المشروع الصهيوني في فلسطين، واقترح فكرة التقدم من الحكومة البريطانية بطلب لمنح اليهود منطقة أخرى للاستيطان غير أوغندا، ثم تزعّم، بعد انتهاء أعمال المؤتمر الصهيوني العالمي السابع في بال في تموز 1905 تياراً منشقاً عن المنظمة الصهيونية، راح يبحث عن أماكن أخرى لإقامة “الوطن القومي” اليهودي، إلا أن موقفه من العرب الفلسطينيين بقي ثابتاً، حيث ظل يؤكد بأن  ترحيل  السكان العرب عن فلسطين هو شرط مسبق لتحقيق الصهيونية”، وأن من واجب الحركة الصهيونية أن تقنع عرب فلسطين بالرحيل بصورة طوعية صوب الصحراء العربية، وكتب متسائلاً: ” أليست جزيرة العرب ومساحتها مليون ميل مربع كلها لهم؟ ليس ثمة ما يدعو العرب إلى التمسك بهذه الحفنة من الكيلومترات. فمن عاداتهم وأمثالهم المأثورة ” طي الخيم” و”التسلل” دعهم الآن يعطون المثل لذلك (مصالحة،1992،13) .

وبعد صدور تصريح بلفور، اقترح زانغويل، إغراء العرب الفلسطينيين بالرحيل، عبر تقديم تعويضات لهم في حال موافقتهم على التوطن في البلدان المجاورة، معتبراً بأنه لا يمكن السماح لهؤلاء الناس ” المتخلفين” ثقافياً واقتصادياً بعرقلة عملية ” إعادة البناء الثمينة” التي يقوم بها الصهيونيون. (Mayer, Arno J, 2009,PP184-185)

 

  1. أسس المشروع الصهيوني في فلسطين:

نجح المهاجرون اليهود في التسلل إلى فلسطين، على الرغم من كل التقييدات التي وضعتها السلطات العثمانية، نتيجة فقدان الفاعلية لدى هذه السلطات، وانتشار الفساد والرشوة بين صفوف موظفيها، وضغوطات الدول الأوروبية الكبرى(Morris,Benny, 2003,P52) .

لقد شكّلت السيطرة على الأراضي في فلسطين الأساس الأول الذي استند إليه المشروع الصهيوني، حيث كان زعماء الحركة الصهيونية يعتقدون بأنه ” من دون تملك الأرض لن تتحوّل أرض (إسرائيل) مطلقاً إلى أرض يهودية” وكما ذكر “مناحيم أوسيشكين” (1863-1941)، في عام 1904، فإن النجاح في تملك الأرض سيكون من خلال  طرق ثلاث: ” عن طريق القوة أي السيطرة على الأرض من خلال الحرب أو بكلمات أخرى من خلال سرقة الأرض من مالكيها” أو ” عن طريق انتزاع الأرض بمساعدة السلطات الحكومية “، أو عن “طريق المال ” مضيفاً بأن الحركة الصهيونية ستقتصر في هذه المرحلة على الطريق الثالثة “إلى أن نصبح في نهاية الأمر أسياد الأرض. (Morris , Benny, 2003.P52)

يبدو أن الحركة الصهيونية لم تكتفِ بالتطلع إلى السيطرة على الأرض، بل أرادت كذلك أن تقيم اقتصاداً يهودياً متجانساً، ومستقلاً، على قاعدة “العمل العبري”، وهو ما شكّل الأساس الثاني الذي قام عليه المشروع الصهيوني.

وكان ميثاق منظمة “بيلو” قد أكد، منذ عام 1883 ، أن الأرض المملوكة من قبل اليهود ستزرع من دون مساعدة السكان الأصليين”. ومنذ عام 1890، وقبل الموجة الثانية من الهجرة بأكثر من عشر سنوات، طالب “مناحيم أوسيشكين” بتبنّي شعار “العمل العبري”، ودعا إلى إحلال اليهود محل العمال العرب، لكن المستوطنين الأوائل كانوا في حاجة إلى مساعدة العرب بحيث اعتمدت المستوطنات الزراعية خلال العقود الأولى للاستيطان اليهودي في الغالب على اليد العاملة العربية(Morris ,Benny, 2003.P66).

ولم يوضع شعار “العمل العبري” موضع التطبيق الفعلي إلا مع وصول الموجة الثانية من الهجرة اليهودية التي أعقبت اندلاع  “البوغرومات” الجديدة في روسيا ما بين عامَي 1903 و 1906. فقد ضمت تلك الموجة من الهجرة عدداً من قدامى أعضاء مجموعات الدفاع الذاتي اليهودية التي تشكّلت في روسيا ، والذين كانوا متأثرين بالتيارات الشعبوية والاشتراكية الروسية .

(,Morris Benny,2003.PP38-39)؛(Schattner, Mauris 2008,PP155-157)

وقد أراد هؤلاء المهاجرون، وفي عدادهم دافيد بن غوريون، “التوفيق بين أفكار التقدم وبين النزعة القومية، وكان حلمهم أن يبنوا مجتمعاً جديداً مثالياً للإنسان اليهودي الجديد، يقوم على العدالة الاجتماعية والعمل المنتج”، الأمر الذي جعلهم يدخلون في صراع مع أصحاب العمل اليهود كي يفرضوا “العمل العبري”. وبوصولهم، نشأت ” الصهيونية الاشتراكية” في فلسطين، التي اتّخذت موقفاً نقدياً من اليهودية الحاخامية، لكنها  “تملكت الرموز الدينية من خلال إحياء الأعياد اليهودية، وأضفت عليها طابعاً قومياً”، واحتلت التوراة ” مكانة مركزية في عالمها الروحي.

(Morris Benny, 2003.PP38-39)؛(Schattner, Mauris 2008,PP155-157)

وقد عبّرت هذه “الصهيونية الاشتراكية” في فلسطين عن نفسها من خلال حزبيها السياسيين هابويل هاتزاير، الذي تأسس عام 1905، والبوع اليتسيون، الذي تأسس عام 1906.  وفي عام 1907، قام عدد من أعضاء  حزب البوع اليتسيون بتأسيس منظمة “بار-جيورا(*)” السرية، على اسم بطل الانتفاضة اليهودية الأولى ضد الرومان في القرن الأول الميلادي، التي تخصصت في ضمان توسّع ” العمل العبري” وفي تأمين حراسة يهودية للمستوطنات. ورداً على تصاعد نضال العرب، في أعقاب ثورة تركيا الفتاة في تموز 1908، أسس أعضاء هذه المنظمة منظمة عسكرية شبه سرية باسم “هاشومير” (الحارس) كان هدفها حماية المستوطنات اليهودية من الهجمات العربية. وهكذا، “صارت قوة السلاح تحمي شراء الأرض والعمل الزراعي، وتحوّل المستوطن إلى جندي. (Morris Benny, 2003,P67)

فقد كان” لاكور” متوقع أن يلعب عمال اليهود دوراً حاسماً في تحسين العلاقات مع السكان العرب، لكن تبنّيهم  شعار “العمل العبري” أدّى إلى تفاقم الصراع. وهو ما أشار إليه ليفونتان  مدير فرع البنك الإنكليزي الفلسطيني، في رسالة وجهها إلى رئيس اللجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية العالمية، حين أكد بأن شبان حزب بوعالي تسيون كانوا مسؤولين، إلى حد كبير عن التوتر المتعاظم، حيث كانوا يتجوّلون وهم يحملون العصي والسكاكين والأسلحة ويعاملون العرب بغطرسة وازدراء “، كما كان  المسؤولون النقابيون “يزرعون مشاعر العداء للصهيونية في قلوب السكان المحليين من خلال تصريحهم بأنه لا ينبغي توفير فرص العمل للعرب (Laqueur, 1973,PP245-246).

ويتطرق “راز-كراكوتزكين” إلى الظاهرة نفسها بقوله: إن العرب ظلوا مستبعدين من الوعي الصهيوني فيما أسماه الخطاب الصهيوني “النضال من أجل احتلال العمل”، الذي برز مع وصول الموجة الثانية من الهجرة، إذ اعتبر مهاجرو تلك الموجة أنفسهم بمثابة ” رواد”، وكانوا يعتقدون أن الاستيطان ” يعني  تحويل الشعب اليهودي بصورة راديكالية، بحيث يصبح اليهود أفراداً منتجين”، وكانوا ” يحتقرون أعضاء المستوطنات الزراعية اليهودية، التي أسستها الموجة الأولى من الهجرة؛ لأنهم  كانوا يلجؤون إلى تشغيل اليد العاملة العربية، ويطالبون بالتخلص من العمال العرب”، دون أن يدرك أحد منهم التناقض الكامن في كونهم ” يتبنّون الاشتراكية ويدعون، في الوقت نفسه، إلى طرد العمال العرب(RAZ-KRAKOTZKIN, 2007.pp114-115) .

أما الأساس الثالث للمشروع الصهيوني، فقد تمثّل  في العمل على ضمان وجود أغلبية كبيرة من السكان اليهود في فلسطين. وخلال عقود، حاول الصهيونيون إخفاء تطلعهم الحقيقي هذا، خوفاً من إثارة غضب السلطات العثمانية والسكان العرب. وعن هذه السياسة التي اتّبعت، كتب اثنان من مستوطني الموجة الأولى من الهجرة، هما بن يهودا ويئيل ميشال بينس، في تشرين الأول 1882، إلى صديق لهما في مدينة فلنا: ” لقد التزمنا بقاعدة هي أن لا نتكلم عن هدفنا، إلا إلى أولئك الذين نثق بهم… إن الهدف هو إحياء أمتنا على أرضها عن طريق زيادة عددنا هنا كي نشكّل غالبية السكان سوى 500000 عربي، لا يملكون قوة كبيرة، ويمكننا بسهولة أن ننتزع البلد منهم، شريطة أن نلجأ إلى الحيلة، وأن لا نثير عداءهم قبل أن نصبح أكثر قوة وأكثر عدداً منهم.  (Morris ,Benny, 2003.PP63-64)

  1. الصهيونية الثقافية ” وموقفها من العرب الفلسطينيين:

إلى جانب الصهيونية السياسية والصهيونية الدينية، برز تيار صهيوني أخذ أنصاره على زعماء الحركة الصهيونية تجاهلهم الساذج لـ “المسألة العربية”، أو موقفهم العنصري إزاءها، ورأوا في التربية والتعليم الوسيلة الأمثل لتحقيق “البعث القومي” اليهودي، واعتقدوا بأن على المهاجرين اليهود، بعد أن رجعوا إلى الشرق، أن يتحرروا من تأثيراتهم الأوروبية وأن يتملكوا، من جديد التقاليد الثقافية الشرقية. وقد ارتبط هذا التيار، الذي صار يُعرف بالصهيونية الثقافية أو الصهيونية الروحية”، بآشر تسفي غينزبرغ ، المعروف باسم أحاد هعام (1856-1927)، الذي أصبح من أبرز نقاد مشروع إقامة دولة يهودية في فلسطين(Schattner, Mauris 2008,PP116-117) .

ولد أحاد هعام في مدينة صغيرة في أوكرانيا في وسط ميسور وتقليدي، وتبع مساراً نقله من الدين إلى القومية، وسافر، في أعقاب “البوغرومات” التي شهدتها روسيا القيصرية، إلى أوروبا الوسطى لدراسة الفلسفة وعلم الاجتماع ما بين عامَي 1882 و 1884. ثم استقر في أوديسا في عام 1887، حيث انضم إلى جمعية “عشاق صهيون “، وانتخب عضواً في لجنتها التنفيذية، وقام بعدة زيارات إلى فلسطين خلال سنوات 1890، ثم هاجر إلى لندن في عام 1908، وذلك إلى أن استقر في عام 1922 في فلسطين. ويُعتبر أحاد هعام الشخصية الأبرز  في الحركة الصهيونية خلال الفترة الممتدة ما بين وفاة ليو بنسكر في عام1891 وبروز تيودور هرتزل في عام 1896 حيث فتحت صهيونيته “الثقافية” أو “الروحية” أفقاً جديداً للحركة التي كانت تراوح في مكانها . (Mayer, Arno J, 2009,PP179-180)

بعد زيارته فلسطين في عام1891، ويشير”أحاد هعام” مقالاً ، بعنوان: “الحقيقة حول أرض (إسرائيل)، ذكر فيه أن هدف جمعيات ” عشاق صهيون ” هو خلق مركز دائم  للشعب اليهودي في فلسطين، لكنه اعتبر بأن هناك عقبات عدة تعترض تنفيذ هذا المشروع، وفي مقدمتها قلة الأراضي الصالحة للزراعة، ومعارضة السلطات التركية والوجود الكثيف للسكان العرب، الذين كانوا مطّلعين على نشاطات اليهود  ونواياهم، لكنهم كانوا يظهرون تجاهلاً لهم ما داموا لا يشكّلون خطراً حقيقياً  عليهم، حيث كتب: “لقد تعوّدنا نحن الذين نقيم في الخارج على اعتبار أرض (إسرائيل) أرضاً خالية من السكان ومقفرة، بحيث سيكون في وسع كل من أراد أن يشتري أرضاً فيها أن يحصل على كل ما يريد. لكن هذا ليس صحيحاً أبداً. ففي البلد بأسره لا نجد أي حقل صالح للزراعة ليس مزروعاً… ولقد تعوّدنا نحن الذين نقيم في الخارج على النظر إلى العربي بوصفه متوحشاً يعيش في الصحراء، مثل الحمير، لا يرى ولا يدرك ما الذي يجري من حوله. وهذا خطأ كبير… فالعرب، وبخاصة سكان المدن، يرون ويدركون أفعالنا، وهم على دراية بتطلعاتنا. وإذا ظهر بأنهم غافلون ولا يلاحظون شيئاً، فذلك يعود فقط إلى أنهم لا يشعرون الآن بأي خطر على مستقبلهم . (Mayer, Arno J, 2009,PP180-181)

وقبل انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول، يشير الكاتب “أحاد هعام” انتقاداته إلى صهيونية هرتزل، وأخذ عليها تطبعها بطابع سياسي صارخ، واستهانتها بالعنصر الروحي والثقافي، واقترح أن يقام في فلسطين ” مركز ثقافي وروحي مثالي، تنطلق منه نهضة اليهودية ثم تمتد عبر بلدان الشتات التي ستظل موطن غالبية اليهود”. وكان يرى بأن اليهودية ليست “جملة من الممارسات والاحتفالات الدينية، وإنما مجموعة مبادئ أخلاقية قادت الشعب العبري في منفاه “، وأن أي دولة يهودية ستتأسس في فلسطين ” ستنقاد حتماً إلى ممارسة القوة،  ليس فقط ضد البلدان المجاورة المعادية، وإنما أيضاً ضد السكان العرب الخاضعين لها في الداخل” (Mayer, Arno J, 2009,PP180-181) .

 

وقد رد ماكس نورداو(*)، وهو أحد معاوني هرتزل، على “أحاد هعام”، ورأى في أفكاره “اللاسياسية” أفكاراً “انهزامية” يصعب تطبيقها، وأكد بأن الرواد الصهيونيين “سيحملون معهم التسامح والمدنية إلى بلد أجدادهم”، وأن فلسطين تمثّل بالنسبة إلى اليهود، وبخاصة في أوروبا الشرقية، ” ملاذاً للمضطهدين، وملجأً لهم في زمن الاضطرابات، ولكن أحاد هعام واصل انتقاداته الشديدة لمعاملة المستوطنين اليهود “العدائية والوحشية” للعرب، وتوغلهم ” من دون إذن، وبصورة ظالمة في أراضيهم”، وقيامهم “بضربهم من دون حياء”. وعندما صار الصهيونيون يقاطعون اليد العاملة العربية ذكر، في عام 1913، عن أسفه لكون الصهيونيين ” قادرين، من الناحية الأخلاقية على معاملة شعب آخر بهذه الطريقة السيئة ” (Mayer, Arno J, 2009,PP182-183) .

وحذّر أحاد هعام المستوطنين اليهود الأوائل من خطر التعامي عن وجود العرب في فلسطين، وأشار إلى أن “الرواد” الصهاينة يعتقدون أن “اللغة الوحيدة التي يفهمها العرب هي لغة القوة،” وأن موقفهم هذا نابع من حنقهم حيال ” من يذكّرهم بأن ثمة شعباً آخر في أرض (إسرائيل) وأنه يعيش هناك ولا ينوي مغادرتها “، واستغرب كيف أن اليهود، الذين كانوا حتى الأمس ” عبيداً في منفاهم”، صاروا يتصرفون كمستبدين ما أن ذاقوا طعم الحرية، حيث كتب: ” كان علينا أن نستنتج من تاريخنا القديم والراهن بأنه لم يكن من اللازم إثارة مشاعر الغضب لدى الشعب الذي يعيش في هذا البلد من خلال اللجوء إلى أفعال غير شريفة، وأنه كان من الضروري أن ننتهج نهجاً حذراً إزاء الغرباء الذين سنعيش في وسطهم، فيجب علينا أن نعاملهم بمحبة واحترام، وذلك بما يتوافق مع الحق والعدالة.

(مصالحة ،1992،9)

  1. بروز “المسألة العربية” والتحذير من مخاطر تجاهلها:

بدأت مشاعر القلق تسيطر على العرب الفلسطينيين مع تدفق المهاجرين اليهود الغرباء، الذين نجحوا، بأساليب مختلفة، في التسلل إلى فلسطين. فقد كان أولئك المهاجرون يجهلون  اللغة العربية، ولم تكن لديهم أي معرفة بالعادات والتقاليد العربية. وعلى الرغم من عددهم القليل هؤلاء المهاجرين صاروا يتصرفون باعتمادهم على الفكر الإرهابي الصهيوني والتصرف مع الفلاحين العرب على أنهم أسياد مع أصحاب الأرض الحقيقيين ذلك الفكر الإرهابي الصهيوني المتطرف جعل منهم يتعاملون مع الأكثرية العربية الفلسطينية كأسياد وينظمون ضدهم عمليات عسكرية وتهريب السلاح لليهود بالتعاون مع الانتداب البريطاني وتشجيع المهاجرين الصهاينة على الهجرة بواسطة الحركة الصهيونية العالمية، وذلك كله ظهر جلياً في التعامل مع الفلاحين وأصحاب الأرض الحقيقيين والذي كان له تبعات خطيرة جداً من خلال تعاملهم مع الفلاحين العرب، وكان هذا السلوك السبب الأول للاحتجاجات العربية على الهجرة اليهودية وللمصادمات التي صارت تدور بين الفلاحين العرب والمستوطنين اليهود.  (Laqueur, 1973,PP242-243)

ففي 24 حزيران 1891، برز أول احتجاج عربي  منظّم ضد هجرة اليهود، عندما قام وجهاء القدس العرب بتوجيه برقية إلى الصدر الأعظم في إسطنبول، موقّعة من 500 شخصية يطالبون فيها الحكومة بوقف الهجرة اليهودية ومنع بيع الأراضي لليهود، حيث ورد فيها: ” إن اليهود يستولون على كل الأراضي على حساب المسلمين، ويسيطرون على التجارة ويدخلون الأسلحة إلى البلد. (Morris, Benny, , 2003.P71)

ومع أن قيادة الحركة الصهيونية ظلت تتجاهل، في تلك الفترة، أهمية “المسألة العربية”، وتنكر على العرب حقوقهم القومية، معتبر، ” يزهار سميلانسكي  “، بأنهم لا يشكّلون أمة وإنما مجرد تجمع لقبائل وعشائر متنافسة “، إلا أن التحذيرات من مخاطر تجاهل هذه المسألة ووقوع  صدام واسع بين الطرفين لم تتوقف. فخلال محاضرة، ألقاها لدى انعقاد المؤتمر الصهيوني السابع في عام 1905م، ونشر نصها، في عام 1907م بصيغة مقال حمل عنوان: “المسألة المخفية”، رأى “يتسحاق إبستن” (1862-1943)، الأستاذ والمزارع، مستلهماً أفكار أحاد هعام، أن “المسألة العربية” هي من ” أهم المسائل التي تواجهها الحركة الصهيونية”، في حين أن زعماء هذه الحركة يمتنعون، خلال نشاطهم السياسي، عن الاتصال بعرب فلسطين، أي  مع “أصحاب البلاد الحقيقيين”، على الرغم من قيامهم بالتحدث مع الحكومة العثمانية ومع كل من له صلة ما  بفلسطين” (Morris,Benny, 2003.P73).

وأشار إلى أنه إذا كان الصهيونيون يكنون حباً لوطنهم… ولأرض أجدادهم”، فهم ينسون ” أن الناس الذين يعيشون على هذه الأرض متمسكون أيضاً بشدة بوطنهم”، وأنه من المهم ” عدم  تجاهل حقوقهم، وعدم استغلال كونهم يعيشون في ظل أوضاع تقليدية، سابقة لعصر الأنوار. فهذا التأخر، الذي ينبغي على الصهيونيين مساعدة العرب على تجاوزه، لا يجب أن يحرف الانتباه عن “جمرات” الثقة بالنفس والفخار العربيين الكامنة، والتي يمكن لعاصفة الاضطهاد أن تؤجهها متسببة بحريق”. وذكّر إبستين الصهيونيين بأن العرب ينظرون إلى اليهود بوصفهم أعداء لهم، ويتغذون بأفكار الانتقام” منهم؛ وذلك لأن  فلسطين تضم شعباً متمسكاً بشدة “بأرضه العزيزة عليه” عبر “روابط معنوية تربطه بقبور أجداده”. وبعد أن لاحظ عدم وجود “حقول خالية” في بلد ” يعيش فيه أكثر من نصف مليون من العرب، تعمل نسبة 80 في المئة منهم في الزراعة”، دعا المستوطنين اليهود إلى احترام حقوق العرب ” الفردية والوطنية” ، وإلى تملك معرفة حقيقية “بأذواقهم، وتطلعاتهم، ولغتهم وأدبهم

 


الوسوم:, , ,

" حنان ناصر "

عدد المواضيع: 229 , الملف الشخصي:

محرره صحفية في مجلة الرافد الفكري