أصداء الذكرى

بقلم/ محمد عطية محمود*

2008-12-11 06:16:26
 

مع اصفرار ضوء الشمس وقت الأصيل استراحت إلى مقعدها الخيزران العتيق . بأنامل مرتعشة تناولت الصورة بحروفها الباهتة ، و ألوانها المتباينة بين الأبيض ـ الضارب إلى الصفرة ـ و الأسود .

 استشعرت حلاوة اللمس الريان للملامح البيضاء الشابة .. أحست بنسائم رطبة تهدهد خصلات الشعر الفاحم المتهدل على جبين ناصع .. جاست بالنظرة المتألقة الزاهية خلال الرقعة الخضراء لتتفتح لها ثغور الورد مبتسمة .. تتهامس أطياف الود .. تتعانق مع الضلال الوارفة الحانية .. يمتزج فيها الدفء مع الانتعاش .. تحفها الآمال .

 تألقت العينان بضوء خافت . مصمصت شفتيها . بلا وعى سحبت إحدى جديلتيها من تحت شالها الأسود . استملحت ملمسها تحت وطأة الأنامل . غاصت ملامحها خجلة ـ في إطارها القديم ـ في ردائها الأبيض الفضفاض ..تستكين إلى رفيقها بعينيه الهادئتين ، في سترة سوداء من لون شعرها .. تفوح رائحة تحتل من النفس قرارها .. تغلف أرجاءها بعبق لا يزول .تنطفىء كل الأنوار ، إلا ذاك النور الذي ظل سراجه ينسج أشعته حول الصورة التي تصدرت كل المعاني قاطبة . تقتنص من الماضي أحلى اللحظات .

انطلق الحلم فاردا جناحيه ، محتضنا كيانين امتزجا في كيان واحد .. يتجلى في ملامح طفولية غراء .. تلتهم حنو النظرة .. تجلب عاطفة تسكن الأحشاء .. تزهو في عيني الوليد نفس النظرة المتألقة .. تحمل قسماته نفس السمات .. تطفو براءته فوق سطح الصورة الجامد .. تحبو أطرافه في عينيها .. تهرع إليها .. تتردد في البدن مشاعر أمومة دفينة ..  تتملك الأحشاء بخليط من الدفء و الامتلاء .. تعود بها إلى الإحساس الأول بالامتلاء ، ثم احتواء الحلم ، ثم آلام مبرحة ما لبثت أن تحولت إلى غبطة تمتلك النفس .. تطفح فوق كل الآلام .. تزبد الفرحة مرات لتعلن اكتمال حبات العقد المرمرية الغالية ، و مع تبلور كل حبة من حباته تمتزج الفرحة الغامرة بمشاعر الامتداد الحقيقية .

تقافزت على السطح البراق ملامح لشاب وسيم يمتد فيه هدوء ذات العينين .. تحتمي شفتاه بشارب كث . يذيل الصورة إهداء .. " إلى أمي الحبيبة "   

عاودها خليط من الدفء و الامتلاء مع إحساس بحنين لا يقاوم . تحركت رغبتها في احتضان ابن أحشائها المستقر في رحم الغربة البعيد القرار . اهتز صدرها بدموع انحدرت على وجنتيها تلثم بملحها جدار البعد بعدد آلاف الأميال .

على حيز عريض تمازجت فيه الألوان ، تراصت وجوه شابة ، و أخرى طفولية عابثة تحتضن جذورها العتيقة . بدت ملامحها تعترضها التجاعيد ، بينما اختفى الشعر تحت غطاء يحجبه ، و توارى بهاء العينين خلف نظارة طبية . إلى جانبها تراءت بقايا من ملامح رجولية هرمة تفوح منها روائح الذبول و الانزواء .

انطلقت من جنبات الصدر زفرة حزن و لدتها ذكرى آلام فراق أبدى ، انزوى فيه ما تبقى من تلك الفحولة السالفة . خلّف ركاما لا يستطيع حتى نفض غباره ما تبقى من ...

انفرط عقد أمانيها ، و انطوت حافظة صورها لتحتضنها بما فيها .. تمتمت بهمس خفيض ؛ انحدرت دموعها حانية على الخد ، لاذعة على اللسان الجاف ، بينما تلملم الشمس بقايا أشعتها .

ــــــــــــــــــــــــــــ

* كاتب وقاص من مصرـ الاسكندرية

 

 

 
 
 

 

تصميم وبرمجة :: شبكة فلسطين المستقبل
pfndnet © 2007

 

جميع الحقوق محفوظة لمركز الإشعاع الفكري للدراسات والبحوث © 2003-2007