حكاية الكلب " هول "

بقلم / سليم عوض عيشان ( علاونه)*

2008-09-15 16:43:36
 

مقدمة لا بد منها..

 

في كل مرة كنت أطل عليكم فيها بعمل أدبي ما .. كنت أدع الشخوص هي التي تتكلم .. تتحدث .. ولكني اليوم سأتحدث إليكم مباشرة .. باسمي الشخصي ولقبي ... بدون استعمال أساليب الاستعارة أو الرمزية .. لا لشيء ..إلا لأنني سأحدثكم لمجرد الحديث .. للتسلية .. للترويح عن النفس .. ولن أقصد أي بعد آخر مهما كان شكله .. فلتكن استراحة قصيرة بعد شد الأعصاب الرهيب الذي أحدثته لديكم شخوص أعمالي في كل الأعمال السابقة بدون تحديد .. سأسرد عليكم قصة كلب ؟؟!! .. نعم كلب ؟؟!! .. أوليس الكلب بكائن حيّ ؟؟ ..ألا يستحق أن أكتب عنه شيئاً ما .. ألم أكتب عن " العصفور الصغير " ؟؟ .. عن الحجر " الأخرس " ؟؟ .. عن " الصرصار " ؟؟.. حديثي إليكم اليوم بدون هدف ؟؟!! .. بدون مغزى ؟؟!! .. فأنا بدوري لن أقصد منه أمراً ما .. ولن أهدف من ورائه شيئاً ما ؟؟!! .. كل ما أرجوه أن لا يضع أحد ..أي أحد .. أن لا يضع الكلام في فمي ؟؟!! .. أيضاً .. أرجو أن لا يسألني أحد .. ولماذا تسرد علينا هذه القصة إذن ؟؟!! .. ولماذا طرأت إلى ذهنك الآن ؟؟!! .. وفي مثل هذا الوقت بالذات ؟؟!! .. صدقوني.. نفس تلك التساؤلات طرأت إلى ذهني .. ولم أجد لها جواباً .. مثلكم تماماً ؟؟!! حكاية الكلب " هول " في نهاية الأربعينات وبداية الخمسينات ( من القرن الماضي بالطبع ) كان هناك كلب .. هو ليس كأي كلب ؟! بل هو كلب مميز .. ( ولا أريد أن أقول بأنه كان كلب ابن كلب ؟؟!! ) كان يعمل في سلك الشرطة ؟؟!! .. نعم في سلك الشرطة .. وما الغرابة في ذلك ؟؟ .. بعض الأخوة من مصر الشقيقة ممن ما زالوا أحياء حتى الآن .. أعتقد بأنهم يعرفونه .. بل يعرفونه جيداً .. ليس رجال الشرطة من يعرفونه فحسب .. بل الكثير ممن كان لهم علاقة بشكل ما مع الكلب " هول " .. أمثال من ؟؟ ..سأقول .. أمثال اللصوص .. رجال العصابات .. المجرمين .. هذا من جانب .. ومن جانب آخر .. المحققين .. الصحفين .. وسائل الإعلام .. المحامين ورجال القضاء . حقاً بأن الكثير من الكلاب .. قوية .. شرسة .. شديدة حاسة الشم .. ذكية .. مدربة … ولكن الكلب " هول " كان يتميز عنها جميعاً في مثل تلك الأشياء وأكثر .. نظراته النارية المتقدة.. مخالبه الحادة.. أنيابه الفولاذية .. ضخامة جسده .. بشاعة منظره .. كلها كانت شهادة فخرية يتميز بها الكلب " هول " عن باقي جلدته .. صيته ذاع في كل الأصقاع من بلاد القطر المصري .. فكان مجرد ذكر اسمه على لسان أحد يثير القشعريرة والخوف في النفوس والقلوب والأبدان .. في كثير من القضايا .. كان المتهم الذي يأبى الإعتراف بجريمته بعد استعمال كل وسائل التحقيق المتعارف عليها معه .. وبعد أن يستنفذ المحقق كل خبرته بالإيقاع بالمجرم .. يلوح له بأنه سيعرضه على الكلب " هول " .. فترى المجرم العتيد .. يرتجف .. يضطرب .. يتهاوي .. يبكي .. يقبل يديّ المحقق أن لا يفعل معه مثل هذا الشيء مطلقاً .. فهو يعلم جيداً معنى عرضه على الكلب " هول " ؟؟!! .. ثم يتبع ذلك بالإعتراف بجريمته وبحذافيرها ودقائق تفاصيلها .. فإذا ما ركز عليه المحقق أكثر .. وأصر على عرض المتهم على الكلب " هول " .. أخذ المجرم يعترف بقضايا وقضايا سابقة كان قد اقترفها في السابق دون أن يكشفها أحد ؟؟!!. بعض عتاة المجرمين .. ممن كانوا لا يعرفون من هو الكلب " هول " كانوا يصممون على عدم الاعتراف – رغم استعمال كل وسائل التهديد والترغيب والتعذيب معهم .. - والأمر كذلك - يجد المحقق بأنه لا مناص من عرض المجرم العنيد على الكلب " هول " .. ولما كان المجرم لا يعرف من هو الكلب المقصود .. كان يتجلد .. ويتماسك .. ويأبى الاعتراف .. فإذا ما تم العرض الخاص بالكشف عن المجرم من خلال طابور من المجرمين والمشتبه بهم للتعرف على الفاعل منهم .. كان المحقق يعرض على الكلب شيئاً من المخلفات في موقع الجريمة مهما كانت بسيطة وغير ذات قيمة .. فيشمها الكلب بتلذذ غريب لمرة واحدة .. بنفس عميق عميق .. وكأنه يختزن تلك الرائحة في تلاليف المخ ؟؟!! .. ويبدأ بالتبختر أمام الطابور الطويل .. يتشمم كل واحد منهم على مهل – بحكنة الصانع الماهر - .. يمر على الطابور مرة .. ثم مرة .. ثم مرة .. وكأنه يختزن رائحة كل منهم لعدة مرات للتحقق من الرائحة الأصل المخزنة لديه … يجلس الكلب " هول " للحظات وكأنه يراجع حساباته في الشم .. يسير هنا وهناك بعيداً بعض الشيء عن الطابور .. ينظر ناحية الرجال الذين يجلسون القرفصاء في الطابور .. ينهض بتمهل .. يسير نحو الطابور من البداية .. يأخذ بشم كل واحد منهم وعلى مهل .. يتركه للآخر وكأنه يفعل ذلك للمرة الأولى .. فإذا ما اقترب من الفاعل .. تشممه بشكل عادي .. ثم يتركه ليتجه نحو الآخر .. فيهدأ الفاعل.. يتنفس الصعداء وقد ظن أنه نجا من الكلب اللعين وخدعه .. فيقهقه في نفسه .. وليس من المستبعد أنه يأخذ في دندنة لحن شائع ؟؟!! .. بحركة التفافية مفاجأة .. وبسرعة الصاروخ عابر القارات – الذي لم يكن معروفاً أيامها _ ينقض الكلب " هول " على ضحيته .. المجرم .. بعد أن أعطاه الأمان والاطمئنان المصطنع .. وكأنه يتلاعب به .. فينشب في جسده مخالبه ويغرس في وجهه أنيابه .. فيفزع الرجل لهول المفاجأة .. يتألم .. يصرخ .. يولول .. فلا يهتم " هول " بالرجل وصراخه .. فيطرحه أرضاً .. ثم ينهال عليه بكل جسده وبكل قوته المخيفة .. وبكل أنيابه ومخالبه .. فيسارع الحرس والحراس لنجدة الرجل من بين يدي الكلب الرهيب .. بعد أن يكون قد أعمل فيه مخالبه وأنيابه بشكل جيد .. فيتهاوى الرجل .. وقد يسقط مغشياً عليه في كثير من الأحيان .. ويعترف بكل تفاصل جريمته التي أنكرها حتى لحظات تدخل الكلب " هول " . لا تكاد تخلو جريمة .. دون تدخل الكلب "هول " لكشفها .. ولا يكاد يسقط مجرم .. إلا ويكون الكلب " هول " سبباً مباشراً أو غير مباشر لسقوطه .. فامتلأت الصحف والمجلات بمواقف الكلب " هول " .. فلا تخلو إحداها من صورة له وهو يتبختر أمام طابور المشتبه بهم .. أو مقالة طويلة في عدة أعمدة .. أو وهو ينقض على أحد المجرمين .. امتلأت سجلات محاضر الشرطة بالقضايا التي تحمل بصمات واسم الكلب " هول " .. وامتلأت جنبات المحاكم باعترافات المجرمين الذين أجبرهم الكلب " هول " على الاعتراف .. تماماً كما امتلأت قلوب المجرمين بالخوف والهلع من مجرد ذكر اسم الكلب " هول " .. بعد عقدين من الزمن .. وبعد التاريخ الطويل لمهمة الكلب " هول " .. صولاته وجولاته في مجال عمله .. كان لا بد لكل بداية من نهاية .. وقد كان .. الكلب " هول " هدته الأيام المتعاقبة المتوالية.. ومر العمر به سريعاً .. فانقضت سنوات عمره دون أن يحس .. ودون أن يحس بها من حوله .. أصابته الشيخوخة .. هرم وشاخ .. تساقطت أنيابه الفولاذية لكثرة ما استعملها في مجال عمله ؟؟!! .. ذابت أظافره المخيفة الرهيبة لكثرة ما أنشبها في أجساد بشرية .. هده المرض .. ولم يعد يستطيع الحراك أو القيام بأي عمل . تقرر أن يحال الكلب " هول " على المعاش ؟؟!! .. وتقرر أن يقام له حفل مهيب .. تكريماً " للكلب " ؟؟!! الذي خدم الشرطة .. والعدل .. والقطر المصري بكل جد واجتهاد .. بمخالبه وأنيابه .. طوال عقدين من الزمن .. حضر حفل التكريم المهيب جمع غفير من رجال الشرطة .. رجال القانون .. رجال القضاء .. رجال الدولة .. ورجال الصحافة والإعلام .. وألقى رجال الأدب والفكر الكلمات الرنانة الطنانة في تمجيد بطولات الكلب " هول " .. وانبرى أحد الشعراء المجيدين بإلقاء قصيدة عصماء يذكر فيها مناقب ومآثر الكلب "هول " ؟؟!! من ضمن الحضور .. جمع غفير من المجرمين والعتاة السابقين ؟؟!! جاء بعضهم اعترافاً منه بأن توبته كانت على يد – أقصد مخالب وأنياب – الكلب " هول " لأنه كان يخشى أن يلتقى به يوماً ما مرة أخرى ؟؟!!.. فآثر التوبة .. ومنهم من جاء عرفاناً وتقديراً للكلب لأنه كان يرى طيفه يمر في ذهنه في كل مرة يفكر فيها بالقيام بجريمة ما .. فيمنع نفسه ويردعها عن القيام بذلك الأمر حتى لا يلتقى بالكلب المخيف. في نهاية الحفل تقدم سيادة وزير الشرطة .. وعطوفة وزير العدل .. ومعالي وزير الداخلية فقاموا بمصافحة الكلب " هول " وتقليده النياشين والأوسمة .. تقديراً منهم لجهوده في خدمة الدولة ( القطر المصري ) .. ثم تقدمت الطوابير البشرية لمصافحة الكلب ؟؟!! .. ولتقديم الهدايا المختلفة .. من لحوم وأطعمة فاخرة ؟؟!! .. وحلويات مختلفة .. وعقود من الورود والزهور طوقوا بها رقبته ؟؟!! .. وقام بعضهم بتقبيل الكلب من وجهه وفمه بعد أن قام بمصافحته ؟؟!! وعلى نغمات السلام الملكي ... قام آخر بالهتاف المدوي بحياة الكلب " هول " .. ؟؟!! - يحيا الكلب "هول " ؟… يحيا الكلب "هول "… ولم يلبث أن ردد الجميع الهتاف بصوت مدوٍ مجلجل : - يحيا الكلب " هول " .. يحيا الكلب " هول " . أمران إثنان لم أعرف ما آلت إليه الأمور بهما .. وأرجو أن لا يسألني أحد عنهما . الأمر الأول : لم أعلم هل تم فيما بعد .. عمل لحد أو قبر فخم .. يليق بمقام الكلب " هول " أم لا ؟؟!! الأمر الثاني : لم أعلم هل تم فيما بعد أن حلت كلاب أخرى - من نسل الكلب هول - محله ؟؟!! وهل سميت " الكلب هول الثاني " … " الكلب هول الثالث " … " الكلب هول ال… ) أم لا ؟؟!!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* كاتب وأديب فلسطيني..

 
 
 

 

تصميم وبرمجة :: شبكة فلسطين المستقبل
pfndnet © 2007

 

جميع الحقوق محفوظة لمركز الإشعاع الفكري للدراسات والبحوث © 2003-2007