|
p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify;text-justify:kashida;
text-kashida:0%">لم يكن جنوبياً كفاية
و لم يكن شمالياً.. كان
حلقة بين الحلقتين، و حينما ارتبط
والده بامرأة من الجنوب لم يكن يفكر في مصير ابنه
و لا فيما سيتعرض له حينما يكبر..
ولد في الجنوب لكنه نشأ في الشمال.. في حاضرة
عربية.. والده تخلى عن والدته و
انضم لزوجة أخرى.. ابنة عمه التي رأت العائلة أنها
المرأة الوحيدة التي يستحق.. كان
بائساً.. شقيق والدته القاطن في الخرطوم تبناه..
تعاطف مع وحدته و بؤسه وإن كان لام،
كما بقية العائلة، الأم التي وقعت في غرام رجل
من "الجلابة".. كان يحاول دائماً
الاقتراب من عوالم والدته لكن جو مكانه و بشرته
الفاتحة كانا يخذلانه.. يجعلانه
غريباً وسط المجتمع الجنوبي ذو السمرة الفائقة رغم
محاولاته تقليدهم في المظهر
واللباس.. كان يتحدث لغتهم بصعوبة و لا يفهم كثيراً من
تعليقاتهم.. رغم ذلك كان لايسره أن
يوصف بأي صفة غير أنه جنوبي.. كان يفتخر
بالزنوجة و بنسبته إلى الجنس الأسود
كما كان العرب يفتخرون بالعروبة و بنسبتهم إلى
النبي.. و كلما كبر كان يفشل في
التصالح مع نفسه.. كان يكره شعره الناعم و أنفه
المائل إلى الاستقامة.. كان يكره
لكنته العربية و شفتيه الرقيقتين.. في الجامعة كان
ناشطاً ضد تيار العروبة.. ضد هيمنة
الرجل الشمالي.. ضد الظلم.. لكن ذلك لم يكن
الوقت المناسب لأفكاره الثورية ففي
ذلك الوقت كان الوقوف ضد تيار التعريب و الأسلمة
يعتبر خطيئة كبرى.. طرد من الجامعة
بتهمة الشغب و التحريض و غادرها ليبقى فترة في
البيت.. كل ما كان يفكر به هو أن
أمه لم تكن بالنسبة لأبيه سوى مجرد محظية رفّهت
عنه حين بقائه في الجنوب ثم ما لبث
أن مل منها و تركها حينما انتهى دورها.. كان
يكره في والده كل الرجال من العنصر
الأبيض.. كان يقف مع الأسود ضد الأبيض و مع
المرأة ضد الرجل و مع الفقير ضد
الغني.. هذا العالم مليء بالظلم.. هذا ما توصل
إليه.. اهتم بالفلسفة و سعى للحصول
على منحة في جامعة الجنوب الناشئة.. كان يسعى
منذ وقت للذهاب إلى هناك.. إلى حيث
لا أحد يستطيع منعه من الحركة والكلام و لا من
انتقاد السلطة.. السلطة..؟ ما
السلطة..؟ و من أعطى السلطة لأصحاب السلطة..؟ لا أحد
يملك الإجابة عن تساؤلاته.. تركته
أمه يمارس حريته في الارتحال بعيداً عنها.. آن
الوقت ليعتمد على نفسه كما قال..
سيمكث في أحد بيوت العائلة المصنوعة من القش و
سيبحث عن عمل.. يصل ثم يجد بصعوبة
عملاً في أحد مكاتب الشحن.. عمل شاق و مرهق و أجر
قليل.. **** بعد أيام سيتعرف
عليها.. كانت تقف على إحدى عربات الفول بائعة للفول و
الطعمية.. كانت ظاهرة جديدة عليه أن
يرى بائعة أنثى و أيضاً أن يرى عربة فول لم
يشاهد مثيلها سوى في الدراما
المصرية.. كانت صدفة و قدر.. أعجب بشخصيتها و أعجبتها
ملامحه الوسيمة و كلماته التي لا
تخلو من رقة.. لدهشته فقد رفضت أن تأخذ منه ثمن
صحن الفول.. قالت إنه ضيفهم.. قبل
أن تتسرع في الحكم أخبرها عن أصوله.. أنه من هذه
البقعة و ذلك المكان.. قالت بدورها
أن الانسان إنما يتبع والده و طالما أن والدك من
الشمال فأنت شمالي مهما كانت أمك..
جملتها جعلته يتعصب.. لا إنه ليس شمالياً
أبداً.. ليس شمالياً.. ثقافة الشمال
لا تمثله.. غيرت الموضوع ثم سألته إن كان لديه
ما يفعله هذا المساء ولما أجابها
معلناً فراغه اقترحت أن يلتقيا عند السادسة في
ساحة النصر.. - هل تعرفها..؟ -
أكيد.. هكذا انتهى اللقاء الأول.. منحته فرصة
ليعرفها عن كثب و منحها ابتسامة
زينت ملامح وجهه.. عاد لمنزله بروح عالية.. إن لديه
موعداً..! **** اسمها ساحة النصر
رغم أن لا أحد انتصر في الحرب الأخيرة.. يتوسطها و
على كثيب من الصخر تمثال المقاتل
المجهول.. تمثال كبير للجندي الذي مات في الحرب..
الجندي الذي لا يعرفه أحد و لا يعرف
أحد لم أو فيم قتل.. أما الساحة فقد كانت كما
كل شيء هنا مكاناً لإعداد
المقاتلين.. ثكنة للجيش أو أرضاً للتدريب لكنها اليوم
مكان لإلتقاء الأسر و الشبيبة و
العاشقين.. فارق كبير بين ليل الأمس و أجواء
اليوم.. الفتاة وصلت في الموعد
المحدد.. أوقفت دراجتها على سارية قريبة.. لم يكن
معتاداً على رؤية فتيات يقدن
دراجة.. في الواقع فإن أشياء كثيرة كان ينبغي عليه أن
يعتاد عليها هنا.. جلست جواره و حكت
له الكثير من الحكايا عن هذه البلدة و عن ما
قاساه أهلها فيها.. هو أيضاً قص
عليها قصته و حكى لها عن عائلته المنقسمة بين الهنا
و الهناك.. كان الجو مليئاً بالغيوم
ورطباً.. سألها أن تحكي عن نفسها هي.. كانت
قصتها أكثر تشويقاً.. توفيت والدتها
فذهبت برفقة أبيها إلى مصر كالعشرات من
الجنوبيين إبان الحرب.. كانت صغيرة
لهذا فقد استطاعت بسهولة تجويد العربية التي
تتحدثها بلكنة مصرية حلوة.. هذا
يفسر مشروع عربة الفول التي اقتبسها والدها من باعة
الحواري المصرية.. كتفها التصق به و
هي تحكي.. كانت ترتدي قميصاً بلون الورد و
بنطلون جينز بدا لائقاً على جسدها
الرشيق.. نظر إلى عينيها البنيتين و نظرت إلى
عينيه الناعسة الشبيهة بمقلة
أنثوية.. قالت في ارتباك عبارة مباغتة: - لماذا لا
نزور أبي..؟ لم يمانع.. سارا في
شوارع المدينة الواسعة حتى وصلا إلى ركن بين عدة
أكشاك.. كان الرجل عجوزاً و وقوراً
ينحني على مجموعة من الكتب.. بائعاً كان للكتب و
المجلات باللغتين العربية و
الانجليزية.. سلمت عليه ابنته بشوق قبل أن تعرفه على
صديقها.. رفع عينيه إليه و صافحه
باحتفاء.. - مندوكورو..؟ تسرع للنفي.. إنه ليس
ابداً كذلك.. لكن الرجل العجوز الذي
ابتسم كأنه كان يدرك أن هذه ستكون إجابته دعاه
للجلوس مستفيداً من الفرصة ليحدثه
عن كتبه و عن أهمية القراءة.. قال إنه يشجع
الشبيبة على القراءة بالشراء أو
الإستعارة أو حتى الإهداء.. و تدخلت ابنته قائلة:
- أبي يعتقد أن جميع مشاكلنا ستحل
إذا حظي شعبنا بالثقافة الكافية.. لذلك فهو لا يهتم
حتى و إن حصل على عائد قليل من
وقفته طوال النهار.. ومنذ وقت منحني عربة الفول
ليتفرغ لبيع الكتب.. أعجب بهذه
الأفكار.. هو أيضاً كان من هواة القراءة.. شرب كوباً
من الشاي الأحمر برفقة العائلة
الصغيرة و عاد إلى بيته القشي.. كانت تجربة جديدة
عليه بالكلية.. **** عندما عاد إلى
بيته في اليوم التالي كان يجد كل شيء مرتباً..
أحدهم استخدم المقشة و قام بتوضيب
جميع أغراضه.. كانت هي بكل تأكيد.. ذهب إليها
ليشكرها وليخبرها أن عليها ألا تفعل
ذلك ثانية.. "لماذا..؟"، سألته فأجابها أنها
تشقى هي الأخرى صباحاً و مساء و
أنها ليست بحاجة إلى مزيد من التعب لكنها لم تقبل
المناقشة و اعتبرته ضيفها و أن من
واجبها الاعتناء به. في الغد سيأتي مبكراً و
سيقابلها عند الباب.. تحييه و تخبره
أنها قد طبخت له.. تتمنى أن يعجبه طبيخها..
"هذا كثير فعلاً.."، من جديد لم
تقبل ثناءه.. قالت إن هذا أقل ما يمكنها أن تقدمه
له وأنهم.. أرادت أن تقول أخوة
لكنها سحبتها لتقول بعدها أنهم "أهل".. كانت مرشده
السياحي لأنحاء المدينة و في عطلة
نهاية الأسبوع دعته لأمسية في صالة "ستارز"..
الملهى الليلي الصغير لكن الذي
يرتاده عدد من السكان الأجانب و عمال المنظمات..
كانت التذكرة غالية لكن ابن عمها
"البارمان" استطاع توفير بطاقتين و شروب مجاني..
اشتعلت الموسيقى الإفريقية ثم
الغربية.. رأى فتاته و هي ترقص بمرح و حينما أعلنت
الموسيقى البطيئة كانت بين ذراعيه
في حين كان يفكر ماذا كان هذا المكان سابقاً..
مخزناً للذخيرة..؟ **** في تلك
الليلة رجعا في وقت متأخر وعبر لها عن سعادته
باللحظات التي قضاها معها..أما
التطور اللاحق فقد كان بعد عدة أسابيع.. كان عابراً
بالسوق و فكر أن يمر على فتاته
ليسلم عليها.. من بعيد سمع صوت الشجار.. إنها تتشاجر
مع بعض المشترين.. اقترب و استطاع
أن يفهم أنه موضوع الحوار.. إن سيدة ما تعايرها و
تصفها بكلمات وقحة و تردد أنها مجرد
فتاة قذرة تتردد على بيت الشمالي.. أحس
بالاستياء.. لن يكون السبب في جرح
الفتاة التي أحسنت إليه.. اقترب منه أحد الشباب
قائلاً بغلظة و تهديد: - أيها
العربي المتعجرف.. من المستحسن أن تبتعد عن بناتنا و
إلا... لم يحتمل.. أبعد الأخير عن
وجهه و أعلن أمام الجميع أن هذه الفتاة ليست سوى
خطيبته.. خطيبته و حبيبة عمره..
وسعت الدهشة الجميع وسرى صمت لوهلة.. حتى هو أصابه
نصيب من الدهشة.. **** بحسب العادة،
فإن قرار الإرتباط هنا هو قرار شخصي ليس من
واجب المجتمع بعد إعلانه سوى
احترامه و الرضوخ له.. سيقابلها بعد ذلك عند النهر
الكبير.. تخبره أن بامكانه الانسحاب
وأن لا أحد سيجبره على المتابعة.. "أتفهم تصرفك
النبيل.."، أخبرته بشكر في حين قال
أنه ليس مجرد تصرف نبيل.. بل إحساس أحس به منذ
اللقاء الأول.. لم يجد من يقدم له
عطفاً مماثلاً ربما سوى أمه.. أخبرته ان هذا ليس
عطفاً على أي حال.. و أن هنالك كلمة
أكثر تعبيراً عن هذا الشعور.. - حب..؟ أومأت..
منذ وقت طويل لم تحس بكل هذا القدر
من الخجل.. ضمها إلى صدره في حين كان ماء النهر
يجري من تحت أرجلهما.. **** لم يندم
على قراره حتى حينما اختلى بنفسه، لكن، حينما
وجد فتاته بحلة زاهية و تصفيفة شعر
جديدة أدرك أن شيئاً ما اختلف.. لم تعد تعامله
على أنه مجرد زائر أو ضيف.. أخذت
موافقة والدها لتنتقل إلى منزله.. أعمامها و
أسرتها الكبيرة تتحفظ على هوية
الزوج لكنها لا تهتم.. الزواج..؟ سيكون لاحقاً و في
الغالب بعد ولادة مولودها الأول
بحسب تقاليد القبيلة.. جميل أن تجد أنثى بكل هذه
الرقة مستعدة لمشاركتك الحياة..
تطبخ و ترتب المنزل و تنام معك.. لكن ما ليس جميلاً
هو أن تخدع هذه الأنثى الرقيقة و أن
تتركها شريدة العواطف.. لم يكن عقله الذي تربى
وسط التقاليد العربية ليقبل هذا
النوع من الارتباط حتى و إن رأى أهله هناك أنه وضع
صحيح.. كيف يمكنه أن يبدأ أسرته
بهذه الطريقة..؟ اقترب منها مشوش الفكر و أسئلة
كثيرة تدور برأسه.. لم يكن سهلاً
عليه تقبل هذا الوضع والاستمرار فيه.. أمسك بكفها
و ابتعد لوهلة حينما اكتشف حقيقة
أخرى .. ربما تلوث فكره بالآراء الشمالية لكن ذلك
كان أمراً فوق تسامحه.. هي لم تكن
عذراء.. لكنه أيضاً لم يكن قمة مثالية ففي الواقع
هو لم يفكر بذلك إلا بعدما قضى
ليلته بين ذراعي فتاته.. الأخيرة بدورها لم تدخر
وسعاً في سبيل إسعاده.. فعلت كل ما
باستطاعتها وأكثر.. و هو ما كان يحسسه أحياناً
بتأنيب ضمير.. هل يصارح نفسه و
يصارحها بأن كل ما بينهما ليس سوى متعة لحظية.. أم
أن ما بينهما هو فعلاً أكبر من مجرد
متعة لحظية..؟ هو يعلم ربما أنها لن تكون شريك
حياته الأبدي.. إذاً فهل يتركها
الآن.. أم ينتظر لتفصح الأيام عن مولود جديد يلقى
حظه من الانشقاق مثله تماماً..
حينما تعم تظاهرة ضد رجال الشمال سيعتدى عليه ضمن
المعتدى عليهم و لن ينفعه صوته
الجنوبي.. التساؤل ما زال حائراً في مخيلته المنقسمة
و رفيقة المسكن ما زالت تعامله بلطف
لم يقابل مثله.. كان حبها الأول..قالت.. إن
عليه ألا يفكر بأمر العذرية فالمرة
الأولى لم تكن حباً، بل اعتداء.. لا يعلم إن كان
يجب عليه تصديقها.. إنه ما زال
ضائعاً و سيظل ضائعاً ربما لفترة طويلة..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*
كاتب وقاص من السودان madiamoureau1@yahoo.com
|