البشرية لم تعرف عقاباً من هذا الضرب المفروض علي الشعب الفلسطيني.. تفهمنا أو فهمنا حصار العراق وليبيا لكن غزة لماذا؟!!

بقلم/ زياد العيساوي*

2008-05-19 01:28:59
 

لا إسرائيل و لا أمريكا قامتا باستصدار قرار دوليٍّ، يوجبُ هذا الحصارَ الجائرَ المفروض علي الشعب الفلسطيني في قطاع غزّة حتي يومنا هذا، بل إنهما لم تتجرءا، حتي علي مجرد التفكير في تمرير قرار، تتم مناقشته داخل أروقة مجلس الأمن، بهذا الشأن، فليس ثمة ما يستوجب النقاش حول سنِّ أيِّ قرار، يأتي من هذا القبيل، الذي لا يحمل أيَّ مسوّغ شرعيٍّ، ذلك أنّه، لا توجد أية حالة تهديد للسلم والأمن الدوليين، كما تنصُّ اللائحة التشريعية لميثاق هذا المجلس، علي خلاف، ما كان يوم حصار العراق إثر غزوه للكويت في عام 1990 ـ تحت ما يُسمي بالبند السابع لمجلس الأمن الدولي، الذي تلته بُعيد ذلك عملية (عاصفة الصحراء) بقيادة الجنرال الأمريكي (شوارسكوف) التي أعطت الضوء الأخضر لأمريكا وحلفائها، من أجل تحرير الكويت عنوةً، وكذلك في حالة حصار ليبيا في عام 1992 ـ بخصوص ما أُثير من شُبهات حول ضلوع مواطنيها في تفجير طائرة البانام أمريكان فوق بلدة (لوكربي) تلك القضية، التي عُرِفت باسم هذه المقاطعة الأسكتلندية، حينما خضع الشعب الليبي لإجراءات قسّرية في نهاية ولاية الرئيس بوش الأب وحتي فترة طويلة من ولاية الرئيس بيل كلينتون عندما تم إدراج ذلك الحصار تحت ما يُعرَفُ بالبند السادس، الذي لا يخول قط، اللجوء إلي انتهاج مبدأ القوة العسكرية. لكنْ في الحالة الفلسطينية الراهنة، المُتمثـِّلة في حصار قطاع غزّة فإنّ الأمرَ، يختلف تماماً عن الحالتين العراقية والليبية، وما تعرض له البلدان من حصار، في العقد المنصرم، ولهذا الاختلاف أوجهُ ُ شتّي، يجيء في طلعيتها، أنّ الحصارَ في الحالتين الأوليين، كان علي الرغم من انتفاء مستوجباته، في الحالة الليبية، إذ ْ أنّ قضية (لوكربي) في حد عينها، تـُعدُّ أساساً مسألة جنائية في الظاهر، إلا أنها اكتست بميسم أمميّ ودوليّ، بعد محاولات عديدات في كواليس مجلس الأمن الدولي، وبعد عدة مداولات بين أعضائه، ففي نهاية المطاف، استطاعت أمريكا وبريطانيا تدويل هذه القضية الشائكة والمعقدة، وأنْ تجعلاها تتسم بهذا الطابع الدولي والشرعي، إثر ضغوط اقتصادية وسياسية مارستاها علي بقية الأعضاء، الدائمين والدوريين، سواء بسواء، انتهجتا فيها مبدأ الترغيب والترهيب، أو ما يُعرف بسياسة العصا والجزرة، التي أضحت متداولة كثيراً في العُرف السياسي، خصوصاً في برامج القنوات الفضائية السياسية والإخبارية، وبعد أنْ استغلتا الوضع الدولي المُستجد حديثاً، في تلك الفترة، وهوّ سيطرة القطب الواحد، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي والمنظومة الشرقية، التي كانت تدور في فلكه، والذي كان يُمثّل القوة العظمي الوحيدة في العالم المتصدية للمشروع الأمريكي، الأمر الذي من شأنه، أنْ جعل أمريكا في قضية لوكربي تـُمثـَّل دور الخصم والحكم في الآن ذاته. فالحصارُ المضروبُ علي قطاع غزّة من قِبل أعداء الإنسانية، يُعتبرُ من أبشع الجرائم، التي تـُمارسُ في حقِّ الشعوب جمعاء، لكونه يؤسسُ لنمط جديدٍ من نوعه في قهر الشعوب المطالبة بحقوقها الشرعية، فالتاريخ لطالما أخبرنا، بأنّ البشرية لم تعرف أي حصار من هذا الضرب المضروب علي الشعب الفلسطيني، لكون الفلسطينيين والصهاينة ليسوا في حالة حرب، بل هم في حالة تفاوض من أجل السلام، منذ انطلاق ما يُسمي بعملية السلام في مؤتمر مدريد التي اجتمع حول منضدتها المتخاصمون، ويبدو ليّ من خلال هذا الحصار، أنّ الصهاينة يريدون فرض شروط القوي، ومن يملك زمام الأمور، علي الفلسطينيين، حتي يستطيعوا كسبَ ما لا يمكنهم كسبه من تنازلات، من هذا الشعب الأبيّ، وإرغامه علي القبول بفتات منضدة المفاوضات، وهذا ما لم يحدث ولن يحدث، وما لا يرضي به المقاومون في القطاع، بحسب ما أحسبُ؛ وما دعا إسرائيل إلي انتهاج سياسة التطهير العرقي، الذي عادة ً ما يكون من الكوارث الناجمة عن أيِّ حصار، يأتي من هذا الصنف المطبق علي الشعب الفلسطيني، كونها تعي جيداً، بأنها سوف لن تربحَ الجولة، لو انتهجت سبيل شنِّ الحرب علي القطاع، علي الرغم من الترسانة العسكرية الضخمة التي تحوزها، وتفوق الآلة العسكرية العربية مجتمعة، تطوراً وفتكاً بالبشر، ولن تزيد أية خطوة من هذا القبيل، إلا في إصرار هذا الشعب علي تمسكه بحقوقه المشروعة، لذا فهي تطمح إلي أنْ يموت هذا الشعب، جوعاً ومرضاً وجهلاً، نتيجة للحصار، وبأقل الخسائر المتاحة لها، إن هي لم تطلق رصاصة واحدة من ترسانتها المُدجَّجة بالسلاح الأمريكي المنشأ، علي أسوار غزة المنيعة، التي جرَّبت في أكثر من مرة، دكـَّها من دون جدوي، أي أنها تريد أن تحقق أهدافها من غير أن تخسرَ طلقة ً واحدة ً ولا فرداً من جنودها المنهزمين نفسانياً منذ حرب تموز (يوليو) في لبنان وفي عملياتها السابقة الفاشلة، لاختراق هذا الحصن الحصين، وكانت أبرز هزائمها التي لاقتها علي أيدي المقاومة الباسلة، خطف بل أسر جنديها المدعو جلعاد شاليط. وهذا ما لا ينبغي علي العرب مجتمعين، أنْ يمكّنوا إسرائيل من تحقيقه، بصمتهم علي ما يُرتكب من جرائم في حقِّ هذا الشعب الشقيق، أو في أخفض الأحوال، ينبغي عليهم المطالبة بوقف هذا الحصار المقيت، فكيف هي الحال إذن، إنْ ساهم بعضهم في تشديده علي الشعب العربي الفلسطيني المرابض والمرابط في الخندق الأمامي للذود عن الأمتين العربية والإسلامية والرافض لإرادة الصهاينة في مصادرة حقوقه، فليس هناك ما يبرر لهذه الفئة تواطؤها مع الصهاينة في إنجاح هذا المخطط الدنيء، الذي يرمي إليه الأخيرون، وسوف لن نقبل منها أية حُجج واهية، قد تسوقها لنا في معرض دفاعها عن نفسها، من قبيل ما تحجَّجت به إبان حصار ليبيا ففي الحالة الليبية كانت تـُطبـِقُ الحصار الشديد بذريعة أنها تـُطبّقُ قراراً دولياً سنـّته الأسرة الدولية، وبحذافيره، وليس بمكنتها البتة، أنْ تتنصل منه، مع أنها كانت تسرُّ إلينا بأنها مقتنعة، بأنه حصار جائر وظالم ، لكونها كما تدّعي، هي جزءُ ُ لا يتجزأ، من هذه المنظومة أو المظلة الدولية، فإنْ هي أقدَّمت علي أية محاولة لكسر هذا الحصار الجائر، كما كانت تنعته بنفسها، ولو خفيّة عن أنظار العالم، سيُفضح أمرها، وتـُتهم بأنها قد نقضت ميثاق الجمعية العامة للأمم المتحدة، وما يدور حولها من مؤسسات تابعة لها، ثم أنّ ضميرها لا يسمح لها أصلاً، أنْ تـُفكرَ مجرد التفكير، في أي شيءٍ من هذا، وقد قبلنا جدلاً نحن الليبيين المحاصرين آنذاك، بأمانة اليعربي ونزاهته، ورضينا بحسن النيات، وحاولنا مراراً وتكراراً ألانجرّ هذه الفئة إلي ما لا تطيقه، مشفقين عليها من تبعات هذه الخطوة الجريئة، إنْ اتـّبعتها، وتسربت أنباؤها إلي الشرطي الدولي (أمريكا) في الوقت الذي كنا نرجو منها، أن تمتلك إرادتها، وتضرب بهكذا قرار عمق سلة المهملات، لكن ما العمل، فهي بحد تصوري، لم تنل استقلالها بعد، مع أنها تزعم بأنها دول مُستقـِلة و وطنية .. هكذا. ولكن بمَ يا تـُري ستـُعلل لنا هذه الفئة حقيقة ضلوعها في مأساة الشعب الفلسطيني المسجون من دون أيِّ قرار دولي، تجعله مشجباً لتعلق عليه خيبتها، لكونها في هذا الحصار علي حدٍّ سواء مع الصهاينة، ذاك ان اتفاقية جنيف التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، المتفق عليها دولياً عام 1949، تعتبر مثل هذا الحصار، جريمة في حق الإنسانية، علي من يقترفه ومن يساعد علي استمراره (ومنها هذه الفئة العربية) بل أنها تـُجرَّم حتي من يسكت عنه، وبمقدوره أنْ يحلَّه، مستنداً علي ما جاء في مسودة تلك الاتفاقية ؛ فهذا الاتفاق أو بمعني أدق، هذا القرار الدولي، يـُلزمُ كـُلَّ من هم في وضع بعض العرب الذي يشارك تواً في هذا الحصار، ولو ضمنياً، بأنْ يكون في حلٍّ من هكذا اضطهاد ضد شعب أعزل بأكمله، وقبل ذلك، ضد شعب شقيق ومسلم، وقبل كل هذه الأمور، كيف يسمح لنفسه ويبرّر لنا مشاركته في هذه الجريمة البشعة. حتي علي الصعيد الأخلاقي، فنحن هنا، نتحدث إلي هذه الفئة العربية، بالمنطق نفسه الذي كانت تـُحاججنا به، من حيث كونها حريصة علي الدَّوام، علي تطبيق قرارات الشرعية الدولية برمتها، التي طالما صدَّعت رؤوسنا بها، فهيا أرينا صدقَ احترامك لهذه الشرعية المزعومة، وذلك بتطبيقها، إنْ كنت صادقة في أول الأمر وآخره، بكسرك لهذا الحصار الذي لا يحمل أي سند شرعي(* كاتب من ليبا)0

 
 
 

 

تصميم وبرمجة :: شبكة فلسطين المستقبل
pfndnet © 2007

 

جميع الحقوق محفوظة لمركز الإشعاع الفكري للدراسات والبحوث © 2003-2007