|
كان الدم الفلسطيني خطاً أحمر لدى كل العرب منذ أن اغتصب الصهاينة أرض فلسطين وطردوا أهلها وحولوهم إلى لاجئين وأصحاب قضية نبحث لها جميعاً عن حل منذ أكثر من نصف قرن. وكان الاقتراب من هذا الدم خطيئةً لا تُغتفَر وذنباً لا يُكفَّر وجريمةً لا تُقترَف. فما الذي حدث كي يزال هذا الخط بيد أصحاب القضية أنفسهم، ويسفك هذا الدم بيد الذين نزفوه على أيدي أعدائهم عقوداً من الزمن، ورووا به أرضهم حتى كادت تنبت زهوراً لا تعرف من الألوان سوى لون الدم ومن الروائح سوى رائحته؟
كان خطف الطائرات الإسرائيلية واحتجاز ركابها أعمالاً يسميها الآخرون إرهابية ويدينونها، وكنا نحن العرب نسميها عمليات فدائية، فكيف نتعامل اليوم مع اختطاف كل فصيل فلسطيني لأفراد من الفصيل الآخر، وماذا نسمي هذه عمليات الخطف المتبادلة هذه بين أطراف القضية التي ما فتئنا نسميها عادلة؟
عام 1972 اقتحمت مجموعة من منظمة «أيلول الأسود» الفلسطينية مقر الوفد الرياضي الإسرائيلي المشارك في دورة الألعاب الأولمبية الصيفية المقامة في ميونيخ بألمانيا، وقامت باحتجاز عدد من أفراده وقتلت أحد عشر رياضياً إسرائيلياً، مات تسعة منهم خلال عملية الإنقاذ الفاشلة التي قام بها الألمان بالإضافة إلى شرطي ألماني
كما قُتِل خمسة من الخاطفين الثمانية على يد قوات الشرطة أثناء محاولة الإنقاذ، وأطلقت ألمانيا سراح الخاطفين الثلاثة الناجين إثر عملية خطف لطائرة تعود لشركة «لوفتهانزا» الألمانية. يومها نظر العرب جميعاً إلى تلك العملية على أنها عمل فدائي بطولي بينما تعامل معها غيرهم على أنها عملية إجرامية واعتبروا «أيلول الأسود» منظمة إرهابية.
ويوم الخميس الماضي اقتحمت قوات تابعة لحركة «فتح» التي يتزعمها الرئيس الفلسطيني محمود عباس الجامعة الإسلامية التي أنشأها في غزة الزعيم الروحي الراحل لـ «حماس» الشيخ أحمد ياسين فتحوّل الحرم الجامعي إلى ساحة لمعركة طرفاها الأخوة الفلسطينيون من المعسكرين المتصارعين «فتح» و«حماس». فإلى أي معسكر منهما يُفترَضُ أن ننحاز، وأيهما المناضل وأيهما الإرهابي يا ترى؟
صباح يوم الخميس الحادي عشر من نوفمبر عام 2004 أُعلِن عن وفاة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في مستشفى «بيرسي» بباريس الذي كان قد نُقِل إليه في التاسع والعشرين من شهر أكتوبر من العام نفسه. عرفات، الذي ما زال سر مرضه وموته غامضاً، قضى السنوات الثلاث الأخيرة من حياته محاصراً داخل مقره بمدينة رام الله بعد أن حمّله خصمه اللدود آرييل شارون مسؤولية سلسلة من الهجمات التي نسميها نحن وأصدقاؤنا استشهادية ويسمونها هم وحلفاؤهم انتحارية.
شارون الذي نعتبره مجرماً تعهّد - تحت ضغوط دولية - بعدم استهداف عرفات أثناء العمليات العسكرية التي قامت بها إسرائيل داخل الأراضي الفلسطينية بعد أن أعادت احتلال أغلب مدن وقرى الضفة الغربية مدعيةً أن تلك العمليات تهدف إلى «القضاء على البنية التحتية الإرهابية».
ويوم الجمعة الماضي تصاعد القتال بين الفصيلين الفلسطينيين المتناحرين في شتى أنحاء قطاع غزة، حيث سيطرت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) على مبانٍ أمنية وأطلقت قذائف مورتر وصواريخ على مقر الرئيس الفلسطيني محمود عباس في غزة، واعترض مسلحون من حماس قافلة من الشاحنات قادمة من إسرائيل، اعتقدوا أنها تحمل أسلحة إلى الحرس الرئاسي التابع لفتح، وخاضت قوات الطرفين المتصارعين (فتح وحماس) معارك عنيفة في الشوارع الفلسطينية ومن فوق أسطح البنايات.
وفي الوقت الذي سيطرت فيه حماس على معسكر للشرطة يهيمن عليه أتباع فتح، وعلى مقر جهاز الأمن الوقائي الفلسطيني في مخيمٍ للاجئين في شمال غزة فرضت القوات الموالية لفتح حصاراً حول وزارة الداخلية التابعة للحكومة التي ترأسها حماس.
عندما حاصرت إسرائيل الرئيس الراحل ياسر عرفات وقصفت مروحياتها مقره بالصواريخ وأحالت جرافاتها المباني المحيطة به إلى خرائب وأنقاض وقف العالم كله مديناً التصرفات الهمجية للحكومة الإسرائيلية. حتى وزير الخارجية الأميركي وقتها كولن باول انتقد علانية سياسة رئيس الوزراء الإسرائيلي آرييل شارون تجاه الفلسطينيين.
أما اليوم فإننا نجد أنفسنا حائرين نتساءل: إلى جانب من نقف ومن ننتقد؟ هل نقف إلى جانب هؤلاء الذين يحاصرون الجامعات والوزارات الفلسطينية، أم إلى جانب أولئك الذين يقصفون مقر الرئاسة الفلسطيني ويهاجمون القوافل الفلسطينية؟ وهل ننتقد هؤلاء أم أولئك؟
تُرى من هو الذي يغذي هذا الصراع ويقف مع هذا الطرف أو ذاك؟
في ثنايا الأخبار التي تأتينا من وسط المعارك الفلسطينية الفلسطينية ثمة إشارات لا نعرف في أي إطار نضعها لكنها مهمة لأنها تحمل دلالات لا تخفى على أي حصيف. فمن معركة الجامعة الإسلامية في غزة خرج علينا مصدر أمني من فتح يقول إن سبعة إيرانيين قد اعتُقِلوا في الجامعة وإن ثامنا قد فجر نفسه خلال الاشتباك رغم نفي حماس وجود أي شخص غير فلسطيني داخل الجامعة.
ومن داخل أروقة المسؤولين الفلسطينيين أنفسهم أتانا خبر يقول إن الولايات المتحدة الأميركية تدرس توسيع المساعدة التي تقدمها للرئيس الفلسطيني محمود عباس لتشمل قوات أمنية أخرى غير الحرس الرئاسي المؤلف من أربعة آلاف فرد هم الأفضل تجهيزاً وتدريباً من قوات الأمن الوطني التي يبلغ عددها نحو أربعين ألفاً يقول دبلوماسيون غربيون مطلعون إن عدد الأفراد الفاعلين منهم لا يتجاوز العشرين ألفاً وإن جزءاً من هؤلاء سيكونون قادرين على المشاركة في التدريب الذي تموله الولايات المتحدة الأميركية.
قديماً قال العرب: إذا عُرف السبب بطل العجب. ونقول نحن اليوم: إذا عُرف من يقف وراء كل طرف من أطراف الصراع الفلسطيني الفلسطيني اتضحت الصورة، وأصبح سهلاً حل الكثير من الأسئلة التي تبدو في ظاهرها ألغازاً محيرة تستعصي على ذوي العقل والنُهى.
حين تغيب الحكمة تصبح الدعوة للعودة إلى العقل وتحكيمه ضرورة ملحة. وحين تتغلب لغة السلاح على لغة الحوار تصبح الدعوة لإلقاء السلاح والعودة إلى لغة الحوار واجباً تحتمه الغيرة على مصلحة الأمة ومستقبلها.
وحين ندرك أن ما يحدث على ثرى فلسطين الطاهر وصمة عار تلطخ تاريخ الكفاح الوطني المشرف لأبناء الشعب الفلسطيني الذين استشهدوا في سبيل الله لتحرير وطنهم من براثن الاحتلال، تصبح دعوة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز لقادة الشعب الفلسطيني إلى الاجتماع في رحاب بيت الله الحرام لبحث أمور الخلاف الناشب بينهم بكل حيادية دون تدخل من أي طرف آخر هي عين الحكمة الغائبة عن عيون وعقول أطراف الخلاف الذي يتصعّد يوماً بعد يوم، مهدراً المزيد من الدم الفلسطيني الذي أصبح الأشقاء الفلسطينيون ينافسون أعداءهم الصهاينة على سفكه.
مقدمين لهم الخدمة الأكبر التي لم يقدمها أحد منذ تأسيس دولتهم. هذه الخدمة التي لم يحلم بها أبناء صهيون حتى في بروتوكولات حكمائهم ومؤسسي كيانهم الذي نحسبه هشًّا وهو يزداد كل يوم قوة بفضل صراعاتنا التي تزيدنا نحن هشاشةً وضعفاً.
فهل يكون لقاء مكة آخر جرعات الدواء لداء أعيا كل الحكماء واستعصى علاجه على أمهر المعالجين والأطباء؟ نأمل ذلك كي يعود المختلفون إلى عقولهم وتعود إليهم حكمتهم التي غيبها غبار المعارك، وكي يعود الدم الفلسطيني خطاً أحمر يحترمه الجميع ويقفون عنده( *كاتب من الإمارات aliobaid2000@hotmail.com
|