الدراسات الصوتية عند العرب

بقلم: د. محمود محمد الحريبات*

2007-11-05 05:32:40
 

 

عندما نتحدث عن الأصوات عند العرب، يتبادر إلى أذهاننا سؤالاً مهماً وهو: هل كان علم الأصوات عند العرب علماً مستقلاً بين العلوم اللغوية ؟ اهتم العرب بالقرآن الكريم ولغته خوفاً عليه من التحريف والتغيير ؛ مفتخرين بحفظه وتلاوته وترتيله؛ مما جعلهم يهتمون بالأصوات على أساس أنها القاعدة الأساسية التي تقوم عليها القراءات القرآنية. تنافس فيها العرب فاشتهر علماء من الصحابة ، منهم من برع في القراءات كابن مسعود ، وغيره من العلماء الذين مهروا في القراءات . وأخذ العرب يهتمون بالأصوات لتجويد القرآن ، حتى عصر الخليل بن أحمد، الذي عني كثيراً بدراسة الأصوات حتى ألف كتاباً في النغم والأصوات متتبعاً فيه أوزان الشعر وإيقاعه مستخرجاً علم العروض . ثم معجم العين ، الذي رتبه على مخارج الأصوات ، فبدأ بأبعد الأصوات مخرجاً في الحلق فقد رسم الخليل الطريقة التي يمكن بها معرفة مخرج الصوت الحقيقي ، فكان موفقاً في طريقته إلى حد أن علم الأصوات الحديث يعترف بكثير عن آرائه ومقاييسه الصحيحة . فقد تابعه في ترسم هذا الطريق تلميذه النجيب سيبويه ، فتناول الجهاز الصوتي ، وحدد مخارج الأصوات بدقة متناهية ، وتحدث عن صفات الحروف ، من جهرٍ وهمسٍ ، وشدة ورخاوة . فقد تأثر بسيبويه كل من جاء بعده من اللغويين ، فأخذوا يرددون كلامه في الأصوات دون أن يزيدوا عليه ما يستحق الذكر، ولكن العمل العظيم الذي قام به الخليل وتلميذه سيبويه فتح الطريق أمام أصحاب المعاجم لدراسة الأصوات في مقدمات معاجمهم، كابن دريد في مقدمة(الجمهرة). ثم الأزهري في مقدمة (التهذيب). فكانت هذه المقدمات دافعا قويا لاستقلال الدرس الصوتي، وأصبح فرعا من فروع علم اللغة مستقلا كالنحو، وأُفرِدَ له عنوان واضح ومادة علمية تناولها العلماء بالشرح والتحليل، وكانت هذه الخطوة الجريئة في القرن الرابع الهجري وصاحبها (ابن جني ). الذي ألف كتاباً مستقلاً في علم الأصوات هو: )سر صناعة الإعراب ). وهو في بداية كتابه يلتمس لحدوث الأصوات وسيلة للإيضاح لم يهتد إليها سيبويه من قبل ؛ إذ يشبه ابن جني مجرى النفس في أثناء النطق بالمزمار ، ويشبه مدارج الحروف ومخارجها بفتحات المزمار التي توضع عليها الأصابع ، فحركة الأصابع تؤدي إلى اختلاف الأصوات ، وربط ابن جني بين علم الأصوات وعلم الموسيقى ، لما فيه صفة الأصوات والنغم ، ومعظم أراء ابن جني في الأصوات نالت إعجاب المستشرقين وعلماء اللغة الأُوربيين . بل إن ابن جني قال منذ ألف سنة ما لم يتوصل إليه علماء الأصوات إلا في عصرنا هذا . وفي القرن الخامس الهجري ألف ابن سينا رسالة صغيرة في الأصوات العربية ، واسمها (أسباب حدوث الحروف ). وقسمها إلى ستة فصول ، وبين فيها سبب حدوث الصوت الإنساني وسبب حدوث الحروف ، وتشريح الحنجرة واللسان ، وحديثه في هذه الرسالة أشبه بحديث علماء وظائف الأعضاء , مما جعل لهذه الرسالة ولابن سينا تقدير وإعجاب بعض اللغويين المحدثين . وفي القرن السادس الهجري ألف الزمخشري كتابه ( المفصل ). في النحو وخصص القسم الأخير منه للدراسة الصوتية . وفي أوائل القرن السابع الهجري ألف السكاكي :(مفتاح العلوم ). وعمل فيه رسم بدائي لأعضاء النطق. تلك هي الدراسات الصوتية عند قدامى العرب ، أما الدراسات الصوتية عند علماء الغرب ظهرت بوادرها في الربع الأول من القرن التاسع عشر الميلادي . وقد استفاد الغربيون من دراسة العرب الصوتية ، وأصلو عليها علوماً كثيرة , وفروعاً للدراسات الصوتية مكنهم منها تطور العصر وظهور الآلات الدقيقة , والدرس المعملي الصوتي , الذي أمكن عن طريقه تحديد الأصوات وطرق استخدامها بدقة, على حين كان العالم العربي يعتمد على ذوقه المرهف.

 أهم المراجع:

 1- الدراسات الصوتية عند الأزهري في معجم تهذيب اللغة.رسالة ماجستير إعداد: محمود الحريبات. 2- سيبويه :الكتاب, ج4 , تحقيق د/عبد السلام هارون. 3- ابن جني : سر صناعة الإعراب ج1، تحقيق د/هنداوي، دار النشر، دمشق. 4- معجم العين: تحقيق د/عبد الله درويش. 5- الأزهري: معجم تهذيب اللغة ج1، تحقيق د/عبد السلام هارون. 6- علم الأصوات : د/كمال بشر, دار المعارف 1986م.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* كاتب أكاديمي فلسطيني ـ محاضر في جامعة القدس المفتوحة

D-MHMOUD-HREBAT@MKTOOB.COM

 
 
 

 

تصميم وبرمجة :: شبكة فلسطين المستقبل
pfndnet © 2007

 

جميع الحقوق محفوظة لمركز الإشعاع الفكري للدراسات والبحوث © 2003-2007