إن أجمل أنواع الحب هو
الذي تعلم منذ
البداية أنه سيصرعك أو سيفجّرك ، والمرأة
نفسها هي الطبيعة الأكثر عوناً على الحياة
المتجددة .. وفي الأخيرة يظل الحب
صامتاً، والشعر وحده هو الذي ينطقه .. فمع المرأة
العظيمة .. ، تعرف أين هو باب الدخول
، ولكنك لا تعرف أين يقع باب الخروج .. ؟
والحب الذي لا يُحرض أو يُقلق لا
أهمية له ، ومن غير المستطاع المصادقة أو التعرف
إلى إمرأة لا تستطيع إدخالك أتون
الكتابة ، نثرية أكانت أم شعرية .. فالمرأة ليست
حبة أسبرين نبتلعها مرغمين كي تزيل
عنا الصداع الجنسي ..
المرأة كائن آخر
تماماً ..
يتجسّد في تدفق النهر وعذوبة النبع .. في
الحجل والورد وحور الجنة ...
نهرني بصوته
شبه الغاضب أَن إنهض أيها المرتاح ،
فتحتُ عينيّ نصف فتحة .. فهالني ما رأيت
.. شاهدت أمامي صديقي الصعلوك بمعالم
غريبة وسحنة مقلوبة .. أفزعتني وطردت من جفوني
النوم ..
أسندت رأسي للحائط
ونظرت إلىالساعة فإذا بها الثانية والربع صباحاً .. لم
يُمهلني بسؤاله أن أنبس ببنت شفة ..
وبدأ بحالته الغريبة والمقلقة والعصبية يُمطرني
بالكلام وكأنه يُحدث نفسه أو شيئاً
ما داخله : ألم تر أيها الأبله لقد إرتجف في
عينيّها حزن عميق ، وطغت عليها كآبة
ويأس عظيمان.. كما إرتعش على شفتيّها وهي
تهودجني الكلام وتئِدُ فيَّ الأمنيات
والأحلام .. ، قنوط شبه أبكم فاقت قوته أي وصف
وأبلغ تعبير .. رغم أنني أحيا بسببها
.. لكني لا أستطيع إكتشاف الحب معها دون حب
.. ويقتلني تلميحها بأنه من طرف واحد
..! على عكس ما تبوح به عيناها .. هذا لا يُعطي
للحب قدسيته بل يُقيّد حريته وحقيقته
، ويُعكر صفاءه ورومانسيته وشفافيته المطلقة
..! وعليه لا أستطيع إحتمال ألم
الذين أُحبهم .. ولا أستطيع إحتمال نفسي لكوني
أحمقَ ، حساساً عندما ربَّتَ سوء
الحظ على كتفي ..
يقولون يا صاحبي أن
الحب يُصبح
أعظم وأنبل في المحن .. ونحن معشر الرجال
لسنا سوى عبيدٍ للوهم مساكين .. وهذا
الفقير البائس تنقضي حياته في
الهزائم والتمنيات ..!.
صدقني يا صديقي أن
الرغبة في
النسيان أقوى مُحَرّضٍ على التذكّر .. لقد
حاولت واستخلصت .. وهذه الكسرات من
الإنسانية ، هذا الطراز من القهر
والحساسية الحادة .. تُصلي وتبتهل مناشدة كل شيء
من أجل النسيان ..
هذه المعاناة تُجسد
عنوان مجيئي إليكَ .. جئت لأموت .. فامنحني
يا صديقي طلقة الرحمة ..! عندها ربما
سأتحرر من هذا القلب .. والألم والشعور
الممزوج أحياناً بالذنب ..!
هناك وحدة وبرودة مطلقة
في غياب الزمن .. وهنا لا شيء
ينمو عدا الذكرى والمرارة والألم ..
رغم أن التذكار شكل من أشكال اللقاء .. وإن
الشمعة التي لا تشتعل لا تُضيء ..
فكلما وجدت نفسي في خضم الكارثة ..! أحس بحاجتي
وشوقي إلى الإنزواء في كنف ذكراها
لألقاها ...
يا صديقي ، الرحيل مؤلم
للذي عليه
البقاء .. لكني ما زلت مقتنعاً بكلامك عندها
قلت لي " أن كل إمريء هو سيد موته ،
والشيء الوحيد الذي بالإمكان عمله
عندما تحين الساعة ، هو مساعدته على الموت دون
خوف أو ألم ..! "
صدّقني لا أخاف الموت ،
لأنه بالنسبة لي كيمياء .. والقضية ليست
أن تخاف أو لا تخاف ، بل القضية في
قراءة وفهم التاريخ ورهافة النفس ومعاناة
الإنسانية .. فالموت يخاف العاشقين
المتحدين والمتمردين مثلي .. لكن ما يؤلمني في
الموت هو ألا أموت حباً ..! .
حقاً ًيا صاحبي إن
أحداً لا يستطيع تعليم الآخرين
الحياة .. وإن ذاكرة القلب تمحو كل
الذكريات السيئة وتضخم كل الذكريات الطيبة ،
وإننا بفضل هذه النعمة نتمكن من
إحتمال الماضي والحاضر والتفاؤل بالمستقبل ..!
ترى
كيف جاءت الريح المدومة وجرفتنا
جميعاً إلى البعيد .. رغم أنني وكما تعرف أحبل
بالحب ، وأصونه مثل سر مقدس عظيم
،لكنني لن أرزق بأطفاله أبداً..!
فأيهما أجمل أو
أكثر أهمية ، الطريقة التي نعيش بها
أم الطريقة التي بها نموت ..؟! أعرف أنه ليس
صعباً أن تكون شجاعاً حين لا تخشى أن
تموت .. فالفاتورة البسيطة لكونك جندياً جيداً
هي الموت .. !
حاول دائماً أن تُعرّض
نفسك للموت .. فهو خاتمة المطاف والغفلة عن
الأشياء .. وقطعة اللاوجود الصامت
وعديمة الحس والوعي .. ، لكن الموت داخل الحياة
في الوقت الذي نظن فيه أننا نعيش
أنكى وأصعب ..!
أُنظر إليّ أيها
المرتاح في سريرك
المطل .. إنني سأموت ، أنا لا أعرف متى بعد
..! لكنني أدرك هذا لأنني أنظر إلى نفسي
عبر نفسي ، وليس من خارج نفسي ، أنت
يا من تراني من الخارج ، قل لي إن كنت على خطأ
، وأنظر هنا يا رفيقي في عينيّ ..
الشيء الذي يكسرني هو
نفسه الذي ينقذني .. لكن
ومع هذا الوعي المتشظي للصورة والكون
والحياة .. فإن سؤالاً واحداً يسافر معنا
خلالها ، ويسأل : ما هي الذريعة
الأقوى للحب ؟! وحاجتنا لهذا الحب تجعلنا لا نعيش
خلواً منه .. ، لكنها ملحاحة في
طلبها يا صديقي .. هل ستهنأ أو تسعد إن تحقق
لها
قتلي..؟!
إن كان كذلك .. فأنا
على أتم الإستعداد لتنفيذ رغبتها عن طيب خاطر .. وما
عليّ سوى التخلي عن كل شيء ، ولا
أستطيع إبدالك مكاني .. يا صديقي ، رغم أن ذلك
ينقذني لأراها وأهواها من جديد وفي
كل وقت وحين ..! وما كاد ينهي الصعلوك كلماته
ويأسه ومرارته التي تكاد تدلف من كل
مساحاته .. حتى لوّح لي بيده كالمجنون ، وقفز
بكل عنف ورشاقة الرياضيين من النافذة
.. وإنتفضت من نفسي وإذا بي على النافذة أشخص
بكل عيوني من الطابق الثالث إلى
الأسفل ، لكنني لم أر جثته المسجاة وحزنه العارم
..
لم أر شيئاً سوى ضوء القمر الذي يغسل كل شيء
.. كل الألوان والأحزان.. نظرت بحزن
وعمق إلى القمر الساطع الجميل ..
فوجدت فيه تقاطيع وجه صديقي يبكي.. دققت النظر
فإذا به يلوح لي مودعا مرة ً
ومبتسماً أخرى أو مقهقهاً حزيناً كعادته.. كان يقهقه
دائماً في فرحه الشديد أو غضبه ويأسه
وقنوطه.. حتى تبتل ضحكته بدمعته في كلتا
الحالتين..!.
حقاً كان دائماً هو
نفسه ، في زمن ووقت بلا معالم .. وهذا ما يفسّر
الحاجة المتقدة لتعليم الوقت بجراح
لا تُنسى ، جراح توجع أبداً حتى بعد إندمالها..
كانت هذه حياته..!.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*
كاتب وأديب عربي من فلسطين / رام الله