|
الشاعر الصديق رفعت عبد الوهاب المرصفي هو أحد شعراء الفصحى الذين لهم
باع كبير في هذا المجال و أصدر العديد من الدواوين و له الكثير من
الدراسات النقدية
و هو صاحب صالون أدبي بقريته ( قرية مرصفا التابعة لمدينة بنها ) و هو يكتب قصائد
للأطفال أيضًا 0 و ها هو يفاجئنا بديوان باللهجة المصرية بعنوان ( الله عليك يا
زمان الطيبين ) ، هذا الديوان الذي كتب على غلافه سيرة ذاتية بالعامية
المصرية و
الديوان عبارة عن قصيدة واحدة ، تحدث فيها عن طفولته و ذكرياته بالقرية التى ينتسب
إليها و هى قرية مرصفا حتى أنه من شدة حبه لها و تعلقه بها سمى نفسه المرصفي و هو
نسبة إلى قريته و ليس لقبًا للعائلة 0 هذه القصيدة الطويلة حَوت على
أشخاص و أسماء
و أماكن لها تأثير كبير و إيجابي فى نفس الوقت فى قلب ووجدان شاعرنا تأثر بهم و
شكلوا له ملمحاً مهماً فى مشواره الأدبي أتى ثماره فى هذا الديوان0 و دائمًا ما يحن
الشاعر إلى هذه الأماكن و الأسماء و تحث عنها الشاعر و تحث عن كل جميل
فى قريته و
لم يتحدث عن أى شيء سلبي كأنه يقول لنا كنت أعيش فى المدينة الفاضلة التى كان يحلم
بها أفلاطون و ما زلنا نحلم بها جميعا و خصوصا نحن معشر الشعراء 0 و أنت حين تقرأ
هذا الديوان تجد نفسك منجذبًا لقراءته حتى أننى قرأته دفعة واحدة لأنه
جذبنى
بحميميته التى ترجعنى بالطبع إلى قريتى التى أجد ملامحها فى ديوان رفعت المرصفي ،
فلم أشعر بالملل لأن هذه الأسماء و الأماكن و الأحداث و إن كانت بعيدة جغرافيًا عن
مكان القاريء بحكم جغرافية المكان فهى قريبة بنفس الأحداث للقاريء و عن
تغيرت
الأسماء و الأماكن 0 فما من قرية إلا و بها مسجد و هو الذى يحيط المكان بجو من
السكينة و الطمأنينة من خلال سماع الآذان أو تلاوة القرآن به و كل قرية بها بائع
الحلوى الذى نتذكره دائما فعندما كنا صغارا لأنه يمثل لنا عالما مليئا
بالسعادة و
نجد الكتاب الذى تراجع دوره الآن و إن كان قديمًا له الريادة فى تعليم النشء أسس
اللغة العربية و العلوم الدينية بالإضافة إلى تعليم الحساب و تم ذكر أيضا المستشفى
و المدرسة و غير ذلك من الأسماء التى ورد ذكرها بالديوان 0 و خصوصية
التجربة هنا –
رغم عموميتها – نجدها فى أماكن و أسماء نذكر منها ما ورد بالديوان ( جسر المدوشة
)
و هى قنطرة فى مدخل قرية مرصفا كما نجد لفظ الوسية و هو لفظ له مدلوله الاجتماعي
الذى يشي بفترة الإقطاع و لكن بالنسبة للشاعر هنا هو اسم شارعه الذى
كان يقطن به و
يذكر الشاعر أيضا درب غايش و هو اسم حارة بمرصفا كما و ضح الشاعر و من الأسماء نجد
الست هدية التى تأخذ الشمس ساعة المغربية للمريض و الإنسان يشفى بدون معرفة السبب و
العم نادى صاحب الدكان الذى كان يشترى منه السمسمية و البسكويت و نجد
أيضا الحاج
أنور أطيب الجيران و هناك أسماء كثيرة تم استدعائها من الذاكرة للتدليل على طيبة
هذا الزمان و مدلول كل اسم عند الشاعر نفسه 0 و لقد نجح الشاعر فى نقل صورة
فوتوغرافية للمكان و الزمان أيضا و الأشخاص فعرَّفنا بهم و كأننا عشنا
معهم و لكن
مع اختلاف الأسماء 0 و الشاعر يعرفنا بمنهجه السياسى و هو ناصرى الفكر ص 67 و يعدد
مكاسب الثورة و يؤكد على أن هذه المكاسب مازالت موجودة و فاعلة حتى الآن و يخرج
الشاعر من الخاص إلى العام ص 52 عندما يتحدث عن قوة الدولار و ضعف
العملة المصرية و
كيف أصبح حال الجنية المصرى الآن 0 و يتحدث الشاعر عن الاحتلال الأمريكي للعراق و
حروب لبنان و كابول و الجولان و ينكأ الجراح العربية و الإسلامية و يؤكد على أن
أمريكا هى سيدة العالم الآن و هذا الخروج عن سياق الأحداث و التسلسل
النفسى و
الطبيعى للقصيدة الديوان أعتبره ناتئا عن سياق و جسد القصيدة لأنه غير مبرر فنيًا و
إن كان قد نجح فى التلاعب بالألفاظ مثل ( الأمريكان و المرِّ – كان ) و
ما بينهما
من جناس 0 و الديوان يذكرنا بالمدينة الفاضلة أو اليوتوبيا التى عاش أفلاطون يحلم
بها نجد عند رفعت المرصفى فى قريته حياة جميلة و فاضلة ، ليس بها معارك أو شرور أو
مشاحنات كالمعتاد فى أى مكان ، و إذا كانت هذه سيرة ذاتية فهى محدد
بمرحلة الطفولة
فقط و ليست ممتدة على طول العمر مثلا و تحمل الجانب الإيجابي و المضيء لدى الشاعر
فى سيرته الذاتية تلك و التحسر على هذا الماضى الجميل و البكاء على أطلال هذا
الماضى دون الدخول فى إشكاليات منافية لجمال و روعة هذا المكان الذى
تغنى به الشاعر
و هذا طبيعى فعندما يتذكر الشاعر أى شيء سواء كان هذا الشيء مكانا ما أو شخصا ما أو
ذكرى معينة عزيزة لدية فأنه سيذكر الجانب المشرق فى ذلك و ما كان يجلب
و مايزال
السرور للفرد بمجرد استدعاء هذه الأحداث من الذاكرة ، و لقد صور الشاعر قريته
بناسها و معالمها بكاميرا الذاكرة المحبة التى ترى كل جميل و تتغاضى بل و تُخرج من
الكادر كل ما يعكر صفو و روعة الصورة الملتقطة 0 و لكن ما يؤخذ على هذا
الديوان
الجميل ، هو هذا العنوان الكاشف لمحتوى الديوان من أول وهلة فأنت ستعرف بأنه بكائية
على هذا الزمن الماضي الجميل فنجد العنوان ( الله عليك يا زمان الطيبين
) ، حتى
الإهداء جاءت به نسبة كبيرة من البوح و الفضفضة التى لازمت الديوان حتى من خلال
سطور القصيدة الديوان و الشعر هو فن الحذف و الاختزال و إلا لأصبح دردشة مباشرة و
مثال ذلك ما نجده ص 65 عندما يتحدث عن عم حجاجي تومرجي الوحدة الصحية
فيقول : "
دفتر المواليد حداه دفتر الوفيات حداه
دفتر التواريخ حداه " و كان يكفى الإشارة إلى
هذا دون التصريح بأسماء هذه الأشياء و هى من الأشياء البديهية التى كانت موجودة لدى
تومرجى الوحدة الصحية فكان أقرب إلى الطبيب منه إلى التومرجى فى ذلك
الوقت لأنه كان
البطل للوحدة الصحية فى هذا الزمان 0 و يتعرض الديوان إلى إشكالية كتابة العامية و
هل نكتبها بالفصحى أم باللهجة المحلية التى ننطق بها؟! و الشاعر اختار الشكل الثانى
و هو كتابه العامية بما ننطقها به و كان الواجب عليه و هو شاعر فصحى أن
ينحاز
للفصحى فيكتب الشعر به و عندما نقرأ هذا الشعر ننطقه بالعامية و هذا هو الصواب من
وجهة أغلبية النقاد و أنا معهم 0 و مثال ذلك ص 17 كتب الشاعر " ديما " و المفروض أن
تكتب (دائما ) و ص 36 كلمة " بابئى " و المفروض أن تكتب بأبقى و هكذا 0
و لابد من
الإشارة إلى الخروج العروضى فى بعض مقاطع الديوان و قد أشار الشاعر إلى مواضع خروجه
و لكنه لم يحددها كلها 0 و القسم ص 19 عندما يقول : " احلف بأحرف م القيامة و البلد
احلف بجميزة و صفصافة ووتد " رغم شاعرية البيت و جماله أراه منافيا
لقدسية القرآن
الكريم و ما له من مكانة فى قلوب كل المؤمنين مع الملموس المادى فى جميزة و صفصافة
ووتد 0و لو أقسم بأحرف القرآن فقط و لم يجمع معها الجميزة و الصفصافة و الوتد لكان
أجمل 0من وجهة نظري المحبة لهذا الشاعر و لإبداعه المتميز 0 الشاعر
رفعت المرصفى
أحببته شاعرًا فصيحًا و كاتبا للأطفال و فى العامية قدم لنا تجربة واحدة أراها جيدة
فى حدود أنه أول عمل له فى مجال العامية و أنتظر إبداعه الرائع فى مجال الفصحى الذى
له باع طويل فيه و أرضية صلبة يقف عليها و حتى لا نخسره شاعرا قديرا فى
هذا المجال
و لا يسعنى فى النهاية إلا أن أتقدم له بالتهنئة على هذا الديوان الجميل
ـــــــــــــــ
* شاعر وكاتب من مصر ـ
atefgendy_2006@yahoo.com
|