خصوصية التجربة فى زمان الطيبين للشاعر / رفعت المرصفي ..!

بقلم/ عاطف الجندي*

2009-04-04 18:24:19
 

الشاعر الصديق رفعت عبد الوهاب المرصفي هو أحد شعراء الفصحى الذين لهم باع كبير في هذا المجال و أصدر العديد من الدواوين و له الكثير من الدراسات النقدية و هو صاحب صالون أدبي بقريته ( قرية مرصفا التابعة لمدينة بنها ) و هو يكتب قصائد للأطفال أيضًا 0 و ها هو يفاجئنا بديوان باللهجة المصرية بعنوان ( الله عليك يا زمان الطيبين ) ، هذا الديوان الذي كتب على غلافه سيرة ذاتية بالعامية المصرية و الديوان عبارة عن قصيدة واحدة ، تحدث فيها عن طفولته و ذكرياته بالقرية التى ينتسب إليها و هى قرية مرصفا حتى أنه من شدة حبه لها و تعلقه بها سمى نفسه المرصفي و هو نسبة إلى قريته و ليس لقبًا للعائلة 0 هذه القصيدة الطويلة حَوت على أشخاص و أسماء و أماكن لها تأثير كبير و إيجابي فى نفس الوقت فى قلب ووجدان شاعرنا تأثر بهم و شكلوا له ملمحاً مهماً فى مشواره الأدبي أتى ثماره فى هذا الديوان0 و دائمًا ما يحن الشاعر إلى هذه الأماكن و الأسماء و تحث عنها الشاعر و تحث عن كل جميل فى قريته و لم يتحدث عن أى شيء سلبي كأنه يقول لنا كنت أعيش فى المدينة الفاضلة التى كان يحلم بها أفلاطون و ما زلنا نحلم بها جميعا و خصوصا نحن معشر الشعراء 0 و أنت حين تقرأ هذا الديوان تجد نفسك منجذبًا لقراءته حتى أننى قرأته دفعة واحدة لأنه جذبنى بحميميته التى ترجعنى بالطبع إلى قريتى التى أجد ملامحها فى ديوان رفعت المرصفي ، فلم أشعر بالملل لأن هذه الأسماء و الأماكن و الأحداث و إن كانت بعيدة جغرافيًا عن مكان القاريء بحكم جغرافية المكان فهى قريبة بنفس الأحداث للقاريء و عن تغيرت الأسماء و الأماكن 0 فما من قرية إلا و بها مسجد و هو الذى يحيط المكان بجو من السكينة و الطمأنينة من خلال سماع الآذان أو تلاوة القرآن به و كل قرية بها بائع الحلوى الذى نتذكره دائما فعندما كنا صغارا لأنه يمثل لنا عالما مليئا بالسعادة و نجد الكتاب الذى تراجع دوره الآن و إن كان قديمًا له الريادة فى تعليم النشء أسس اللغة العربية و العلوم الدينية بالإضافة إلى تعليم الحساب و تم ذكر أيضا المستشفى و المدرسة و غير ذلك من الأسماء التى ورد ذكرها بالديوان 0 و خصوصية التجربة هنا رغم عموميتها – نجدها فى أماكن و أسماء نذكر منها ما ورد بالديوان ( جسر المدوشة ) و هى قنطرة فى مدخل قرية مرصفا كما نجد لفظ الوسية و هو لفظ له مدلوله الاجتماعي الذى يشي بفترة الإقطاع و لكن بالنسبة للشاعر هنا هو اسم شارعه الذى كان يقطن به و يذكر الشاعر أيضا درب غايش و هو اسم حارة بمرصفا كما و ضح الشاعر و من الأسماء نجد الست هدية التى تأخذ الشمس ساعة المغربية للمريض و الإنسان يشفى بدون معرفة السبب و العم نادى صاحب الدكان الذى كان يشترى منه السمسمية و البسكويت و نجد أيضا الحاج أنور أطيب الجيران و هناك أسماء كثيرة تم استدعائها من الذاكرة للتدليل على طيبة هذا الزمان و مدلول كل اسم عند الشاعر نفسه 0 و لقد نجح الشاعر فى نقل صورة فوتوغرافية للمكان و الزمان أيضا و الأشخاص فعرَّفنا بهم و كأننا عشنا معهم و لكن مع اختلاف الأسماء 0 و الشاعر يعرفنا بمنهجه السياسى و هو ناصرى الفكر ص 67 و يعدد مكاسب الثورة و يؤكد على أن هذه المكاسب مازالت موجودة و فاعلة حتى الآن و يخرج الشاعر من الخاص إلى العام ص 52 عندما يتحدث عن قوة الدولار و ضعف العملة المصرية و كيف أصبح حال الجنية المصرى الآن 0 و يتحدث الشاعر عن الاحتلال الأمريكي للعراق و حروب لبنان و كابول و الجولان و ينكأ الجراح العربية و الإسلامية و يؤكد على أن أمريكا هى سيدة العالم الآن و هذا الخروج عن سياق الأحداث و التسلسل النفسى و الطبيعى للقصيدة الديوان أعتبره ناتئا عن سياق و جسد القصيدة لأنه غير مبرر فنيًا و إن كان قد نجح فى التلاعب بالألفاظ مثل ( الأمريكان و المرِّ – كان ) و ما بينهما من جناس 0 و الديوان يذكرنا بالمدينة الفاضلة أو اليوتوبيا التى عاش أفلاطون يحلم بها نجد عند رفعت المرصفى فى قريته حياة جميلة و فاضلة ، ليس بها معارك أو شرور أو مشاحنات كالمعتاد فى أى مكان ، و إذا كانت هذه سيرة ذاتية فهى محدد بمرحلة الطفولة فقط و ليست ممتدة على طول العمر مثلا و تحمل الجانب الإيجابي و المضيء لدى الشاعر فى سيرته الذاتية تلك و التحسر على هذا الماضى الجميل و البكاء على أطلال هذا الماضى دون الدخول فى إشكاليات منافية لجمال و روعة هذا المكان الذى تغنى به الشاعر و هذا طبيعى فعندما يتذكر الشاعر أى شيء سواء كان هذا الشيء مكانا ما أو شخصا ما أو ذكرى معينة عزيزة لدية فأنه سيذكر الجانب المشرق فى ذلك و ما كان يجلب و مايزال السرور للفرد بمجرد استدعاء هذه الأحداث من الذاكرة ، و لقد صور الشاعر قريته بناسها و معالمها بكاميرا الذاكرة المحبة التى ترى كل جميل و تتغاضى بل و تُخرج من الكادر كل ما يعكر صفو و روعة الصورة الملتقطة 0 و لكن ما يؤخذ على هذا الديوان الجميل ، هو هذا العنوان الكاشف لمحتوى الديوان من أول وهلة فأنت ستعرف بأنه بكائية على هذا الزمن الماضي الجميل فنجد العنوان ( الله عليك يا زمان الطيبين ) ، حتى الإهداء جاءت به نسبة كبيرة من البوح و الفضفضة التى لازمت الديوان حتى من خلال سطور القصيدة الديوان و الشعر هو فن الحذف و الاختزال و إلا لأصبح دردشة مباشرة و مثال ذلك ما نجده ص 65 عندما يتحدث عن عم حجاجي تومرجي الوحدة الصحية فيقول : " دفتر المواليد حداه دفتر الوفيات حداه دفتر التواريخ حداه " و كان يكفى الإشارة إلى هذا دون التصريح بأسماء هذه الأشياء و هى من الأشياء البديهية التى كانت موجودة لدى تومرجى الوحدة الصحية فكان أقرب إلى الطبيب منه إلى التومرجى فى ذلك الوقت لأنه كان البطل للوحدة الصحية فى هذا الزمان 0 و يتعرض الديوان إلى إشكالية كتابة العامية و هل نكتبها بالفصحى أم باللهجة المحلية التى ننطق بها؟! و الشاعر اختار الشكل الثانى و هو كتابه العامية بما ننطقها به و كان الواجب عليه و هو شاعر فصحى أن ينحاز للفصحى فيكتب الشعر به و عندما نقرأ هذا الشعر ننطقه بالعامية و هذا هو الصواب من وجهة أغلبية النقاد و أنا معهم 0 و مثال ذلك ص 17 كتب الشاعر " ديما " و المفروض أن تكتب (دائما ) و ص 36 كلمة " بابئى " و المفروض أن تكتب بأبقى و هكذا 0 و لابد من الإشارة إلى الخروج العروضى فى بعض مقاطع الديوان و قد أشار الشاعر إلى مواضع خروجه و لكنه لم يحددها كلها 0 و القسم ص 19 عندما يقول : " احلف بأحرف م القيامة و البلد احلف بجميزة و صفصافة ووتد " رغم شاعرية البيت و جماله أراه منافيا لقدسية القرآن الكريم و ما له من مكانة فى قلوب كل المؤمنين مع الملموس المادى فى جميزة و صفصافة ووتد 0و لو أقسم بأحرف القرآن فقط و لم يجمع معها الجميزة و الصفصافة و الوتد لكان أجمل 0من وجهة نظري المحبة لهذا الشاعر و لإبداعه المتميز 0 الشاعر رفعت المرصفى أحببته شاعرًا فصيحًا و كاتبا للأطفال و فى العامية قدم لنا تجربة واحدة أراها جيدة فى حدود أنه أول عمل له فى مجال العامية و أنتظر إبداعه الرائع فى مجال الفصحى الذى له باع طويل فيه و أرضية صلبة يقف عليها و حتى لا نخسره شاعرا قديرا فى هذا المجال و لا يسعنى فى النهاية إلا أن أتقدم له بالتهنئة على هذا الديوان الجميل

ـــــــــــــــ

* شاعر وكاتب من مصر ـ atefgendy_2006@yahoo.com

 

 

بقلم/ عاطف الجندي*

 
 
 

 

تصميم وبرمجة :: شبكة فلسطين المستقبل
pfndnet © 2007

 

جميع الحقوق محفوظة لمركز الإشعاع الفكري للدراسات والبحوث © 2003-2007