
الإهـداء:
إلى من يتوسد الرصيف هناك..
تغطيه السماء ونظراتنا
قد لهى الشيب في لحيته ورأسه
وما زال يمد يده
غياب
..وغريب شق معطفه
أخذ قلبه وملامح وجهه
تدفأ قليلا
نفث من سيجارته
وظل يوسوس له أنهما واحدا
كان يعد النجوم فوق رأسه
حتى تطاول البنيان من حوله
كان يعد خطواته لبيت حبيبته
حتى تزوجت هي الأخرى
كان دقيقا ويعد كل شيء!
يشاكسه ويصدق الآخر:
أنت تمزح..
علم بلدنا عليه ببّغاء؟!
ستعود..
لحبيبة لا تنتظر رجوعك بفارغ الصبر
لأهل بكوا عليك حتى جفت مدامعهم
لأصدقاء احتسبوك في عداد الموتى
لوطن يهبك اسمه فقط
وأب ما عاد يذكر ملامح ابنه
لسقط متاع وأنياب وحشة
كنتِ على حق يا أمي
أبي يشبهني كثيرا
سيبكون عليكِ يوما أو اثنين
ويشقون عليكِ أثوابهم البالية
وينصرفون لدنياهم بدونك
إلا أنا لن أنساكِ يا نورا
البرد يعصف بعظامي يا أمي
والطريق جليد
خبري النسوة اللاتي استغربن غيابي:
أبي قطع من كفه خبرة
ولم يقطع من جيبه شيء
مازال يقول ساخرا:
أنتم تحجزون بقلبي مساحة حذاء
أصدقاء المقهى كما هم
الشيب يهزأ برءوسنا
وصورتك مازالت في جيبي
زوجك كريم وشهم
كنت أظنه سيبارك حبنا
يقول لي أنت قلبك مليء بالظلام
وقلبي لو تعلمون مسكن للأحزان
به من النور ما يكفي ليظل نابضا
به شجرة وارفة، وكتّاب وشيخ
من سيشيع جنازة الروح
هل نستأجر بواكينا..
ونقتطع لهم من أكفاننا مناديل الوداع
أم نبكي على أنفسنا حتى الموت
بكيت كل غائب، لكني وجدت الله حاضرا
سأعدّ من واحد لألف!
ربما..!
متقن هذا الصمت، سادي هذا الحزن
يا برد المسافات بيننا..
مخنوقة كلمات الحب التي لم نقلها
مشوه بالبعد كل شيء...
وأنت كما أنتِ
توزعين الحزن بالمجان
وتمنحينهم بطاقات العزاء
تسألين دائما: لماذا أحبك؟
وأنا لا أعلم كيف يحب الرضيع أمه
وكيف تهتدي إليه من بين الزحام.
ويأتي رمضان..
أنا الذي تعودت صيامه منذ السابعة
كيف لي أن أصوم يوما واحدا عنكِ.
تراهم كانوا يغارون من ضفائرك يا نورا؟
أعين النساء ما زالت ترمق شباكك
وقلبي هناك، بارد في العراء.
يقول بصبيانية:
كلما أحببتك أحبكِ
وكلما أحبكِ أحبك أكثر وأكثر!
يا حبيبتي، حزني أضعاف..
تزوجت هذا الرجل..؟
الذي يصعد فوق السطح
ويبث من رأسه رسائلَ للغرباء!
ويلوح وجهك من بعيد
يهمس في أذنك وتضحكين:
هذه الليلة لن نطفيء النور.
غضب يتلوه سكينة
حروف تقسو عليكِ برهة فتبدو بلهاء
فخلف كل حرف منها رجل مكتمل الشوق
يتجاوز حبه الأبجدية وحماقات الأدباء.
وأنا منذ رحلتِ..ساقية معطوبة
وأنا منذ غيابك طريق مهجور.
يفضحني وجهي كلما ذكر اسمك
يرتبك الوقت، وتدوخ عقارب الساعات
وتسجل الأيام والشوق في دفاتري..
هذه المرأة كالقطرة
تستقر في أحشاء النار المضرمة
ولا يخبو دونها أي شوق
هذه المرأة تذكرك بك حينما تكون ضعيفا!
يصدح المذياع: إني رأيتكما
فيذوب قلبي لوعة ويموت.
ما زال العاشق يترنم:
لي عيون أرى بها جيدا
لكنها عن غيرك عمياء لا يرتجى شفائها.
يعجبكِ...؟
هل يبكي مثلي إن قسوتِ عليه؟
يقولون لماذا لا تنساها؟
وكلما حدثوني عن نسيانك
لفظت أحاديثهم، وامتلئت بك كثيرا.
ومازلت أضع دفتري تحت وسادتي
كي أكتب عنكِ قبيل أن أنام.
قال المتحذلق:
ستعد من واحد لألف، ثم تنساها.
قال أبي:
ولدي لا يعرف الضعف.
ويرد صديقي:
قلبه يبكي العصافير.
تقول أمي سحرتك هذه الملعونة
ويتمتم الشيخ:
كل ما يهمس به، لا يتعدى أسوار الهذيان.
أشعلت سؤالا في المحراب..
يا الله..
هب لي قلما، لا يكتب عن الحزن بعد الآن.
إلى نورا، مع كثير من وفاء
أحذية
الفقراء
أمام
واحدة من تلك المحلات التي لا
تستطيع أن تمر
من أمامها سوى بواسطة، وجيبٍ عامر، كنت
ذلك الفضولي الذي يحاول جاهدا- رغم
الأضواء- فهم ما يدور خلف هذا الحاجز الزجاجي من
أرقام خيالية
.
للوهلة الأولى ظننت أنها مزحة من
العيار الثقيل، ثم تلتها العديد
من العمليات الحسابية للمقارنة بين
عمر الفرد وما يجنيه مقابل سلعة واحدة من
تلك المعروضات!
بالكاد راتب خمس سنوات يكفي لشراء
تلك الناعمة المتكئة بدلال هناك،
والتي يوحي لك سعرها أنها ليست مجرد
ساعة، من المؤكد أنها أبعد بكثير من ذلك، قد
تكون قنبلة نووية متنكرة، وقد تكون
واحدة من تلك الساعات التي تجلب الحظ ، وقد لا
تكون ساعة من الأساس فأنا لا أعلم
الكثير عن هذه الاختراعات الحديثة بالإضافة أنني
لم أمر على هذا المحل منذ سنوات،
ولكن مالا أستطيع فهمه، كيف لهؤلاء الكسالى الذين
يحيطون بي أن يدفعوا هذا المبلغ
الضخم في مقابل ساعة؟
بدأ الصداع والذهول
يتسرب إلى ملامح وجهي بطريقة فاضحة
لا أريد أن أثبت لأحد أنني ذلك
الفلاح
المتمدن القادم من قريته للتو، وما زال
عقله يحتفظ بغبار الطريق!
صحيح أن هؤلاء
الناس يبدو عليهم أنهم يستحمون كل
يوم، وأسنانهم بيضاء كتلك التي نراها في التلفاز
وكأنهم لم يأكلوا فولا قط ، ولكن
ربطة العنق التي أحاول استعراضها بطريقة مسرحية
أمام الجميع تشفع لي رغم ألوانها
الفاقعة!
في الحقيقة لم تكن هي بغيتي بقدر ما
كنت أحاول قدر الإمكان إلهائهم عن
نصفي الآخر الذي ينتهي بحذاء أسطوري معمر يستطيع
أن يدخل موسوعة
"جينيس"
بفركة كعب.
لحظات قليلة كانت كافية لينتقل مؤشر
الفضول
لدي إلى الجهة الأخرى من الصفر، وأنتقل أنا
الآخر للجهة الأخرى من الحاجز الزجاجي
بكل سهولة إلى داخل المحل أطالع
الأشياء بمنتهى التكبر وكأنني أحمل وثيقة موقعة من
وزير المالية تثبت حسن السير
والسلوك، في هذه الأماكن لا يجب أن تصرخ كلما رأيت
رقما معقدا، ولا يجب أن تجلس بجانبه
تبكي سنوات عمرك القليلة، ولا يجب أيضا أن تضحك
لأن هؤلاء الحمقى يشترون ويدفعون
ويضحكون.
أصفار كثيرة بجانبها أرقام نسيت
منذ العهد الدراسي كيف تنطق، عندما
تزداد الأصفار المتعلقة بالنقود عن ثلاثة أبدأ
بالتلعثم كأي تلميذ في حضرة أستاذ
رياضيات ماكر!
لا أدري لم تذكرت هذا الأستاذ
الذي لا يحلو له مراجعة جدول الضرب
سوى بطريقة عكسية مفاجئة، كأن يسألك عن حاصل ضرب
تسعة في سبعة وليس سبعة في تسعة،
أين هو الآن كي يرينا مهارته؟
بالكاد نطقت هذا
الرقم المكون من خمسة أرقام متسائلا
باستنكار هل هو صحيح، حتى أخبرني صاحب المحل
بخبث شديد أنها "ماركة". لم يكن علي
سوى أن أطبق فمي الذي تحول فجأة من اتساع
الذهول إلى ابتسامة يبدو عليها بعض
الرضا.
ذكرني نطقه لكلمة ماركة بربطة
عنقي فاقعة اللون، هي زاهية فقط
ولكن قد لا يكون لها قيمة فعلية، لا أدري لم يهتم
الناس بالمظاهر بتلك الطريقة
المقرفة التي لا تدل سوى على خوائهم الداخلي، عادة
حينما أريد أن أشتري أنتقى أكثر
أصدقائي برودا كي يصاحبني، أتحمل أنا ثقل دمه خلال
الطريق ويتحملون هم مالا يطيقون من
المجادلة والضحكات أحادية الطرف، ربما تكون هذه
الفائدة الوحيدة من أن يكون لك صديق
بهذه المواصفات القياسية للتعامل مع
السوق.
لا أعاني كثيرا من حب التملك، كما
أعاني من حب الترك، لا أستطيع أن أضيف
إلى قائمة الإهتمامات
شيئا آخر أخشى فقده، وأتحمل تبعات خسارته، ولهذا ليس لدي سوى
تلك الأشياء التي أستطيع الحفاظ
عليها -
في العادة نحن نحافظ على الأشياء التي نخشى
أن نفقدها، وليست تلك الأشياء التي
تقبل التعويض ونستطيع أن نراهن عليها بكل
أريحية-.
خرجت من المحل بقدرات عالية في
الجمع والضرب والطرح، كأن تجمع عدة
أعداد فلا يعجبك قيمتها فتضربها،
وتطرحها أرضاً خلف ظهرك ولا تشغل بالك بها.
في
المحل المجاور لم أستغرب كثيرا
عندما رأيت هذا الرجل يجر ابنه خارجا ويسب نفسه عدة
مرات، الولد لم يكن غاضبا قط من أن
يقول له والده يا ابن الـ..، لأنه ترك قلبه
أمام عتبات هذه الكرة ناصعة البياض،
لم أكلف نفسي عناء رؤية سعرها بقدر ما تمتمت في
نفسي مقولة صاحبي أن:"الفقراء
لا يستحقون إلا الموت"
في هذا الشارع
الطويل كانت الأضواء مبهرة حقاً،
والأسعار أكثر إبهاراً، اللافتات المضيئة هنا لم
تبدد ظلام الشارع الجانبي الذي
يقطنه بعض السكان الذين يتفرجون فقط ولا يشترون،
ويتمنون في الليل وينسيهم النهار
الطويل الذي يقضونه في أعمالهم ما تمنوه
بالأمس.
من الجيد أن تحلم ، والأكثر جمالاً أن تنسى تلك الأحلام الغير قابلة
للتحقيق ، ولهذا يحلم الفقراء
وأعينهم مفتوحة، وتطوى الذاكرة إلى حين ميسرة بمجرد
إغماض أعينهم!
عندما تمتلك
مثل حذائي لن تحمل هم فقد أي شيء، ولكن يجب عليك أن
تقتصد في مشيك قدر الإمكان، هذا لأن
أحذية الفقراء تدوس الأرض كثيرا عن أحذية
الأغنياء.
بلاد ما وراء الهمس..
وحدي أمر على مقابر
حناجركم
أبث فيها بعض من ثرثرتي
أحاول أن أعزف بأوتارها شيئا
من شجاعة
ولا شيء سوى أنكم صامتون أكثر مما
يستدعي
الصمت..
ملت القبور قاطنيها
وتشققت الجدران ممن يسيرون فيها..
فالقاعدة تقتضي السير بجوارها لا
بداخلها يا
خوف!
يصر صديقي وكل من أعرفهم أن هناك
"ما
وراء الشمس"
هناك حيث مملكة العصاة ومن طالت ألسنتهم
والتفت حول عنق
الظلم.
ما وراء الشمس...
حتى صرنا
نخاف دفئها..ونعتبره نذير شؤم..
فما أسوأ أن تقضي العمر
تخاف من ظلك فتهرب منه ببلاهة!
وما أسوأ أن يصبح التجشؤ
هوايتك المفضلة في زمن لقمة العيش
تمتلك حنجرة قد تخطت
اليوبيل الذهبي للصمت،
بل أصبح صفة تقترن باسمك
وسمتك(الصمت
العربي)
وقفص صدري..ما زالت أنفاسك حبيسة
أضلاعه
المتكسرة
ولسان يعلوه الصدأ يقبع هناك ويلتصق
في سقف حلقك
كلما حاولت النطق
حتى في لحظات الكرامة تقف على أطراف
شجاعتك وتتمطى كي تناطح الظلم
فيضع الخوف سبابته في مقدمة
جبهتك
..
أن اجلس يا هذا فلست سوى وحدك في
طريق العتمة
ولست
سوى وهج سينطفئ قبل أن يصبح سراجا..
وما أكثر من ينطفئ قبل
أن يكمل دائرة الضوء!
لا تنمو
الزهور في بلادنا لأنها حبيسة
الأواني..
ومن تتمرد فهناك
دائما من يقطفها قبل أن تعطر النور!
وكلما نبت لنا نجم
ودليل أعياه رجم الشياطين أو وارته
الغيوم.
وغيومنا ليست
سوى جدران لا يقترب فيها جلادك إلا
لينتزع منك اعترافا..
ولا
يبتعد إلا ليزيدك عذابا..ويلهب
أضلعك بسوطه وصوته.
النور
ألم من تعودت عيناه الظلام..
والقيد في أنفسنا لا
أيدينا
والظلم ركب أظهرنا وامتطى ما تبقى
من
شجاعة
وكما تموت القوة فوق شفاة
العجز..يموت الصمت في
الصدور.!
أكثر من نصف قرن
وعروبتنا نبت لها قرنان
وذيل!
وتدهور بها الحال فأصبحت
تمشي على أربع
والمطية من حق الجميع..
يركب من يركب وينزل من ينزل
وهي لا تزيد غير تحريك
ذيلها خلف مؤخرتها وبعض النهيق
أما القرد فقد حذف اسمه من
سجلات القرود..
وصار طغيانا يعلمنا الصمود وفنون
الصبر!
صار خوفا يتجول في أروقة صمتنا
فابقوا صامتين
وقلدوا نوم العازبين
وعجين الفلاحين
فماذا ستجنون؟
غير ضرب الأقفية
وبعض الملاليم
وضعت العبارات وجفت الحلوق!
تاريخ
ملوّن
اضبطوا هذا الهوائي اللعين..!
عاهرة كتب
التاريخ
تدفن تحت الأنقاض :الشهداء القديسين
وتبقي أسماء شهود
الزور()
من أي باب سندخله، ومن
تحت أي مائدة سينمو
"صلاح"
آخر؟!
أكاد أجزم وأنا في منتصف خجلي أننا
أول من سيدخله
من الشباك
وتكاد تتجلى الصورة تماما وأنا أرى
أبواب المجد قد أقفلت جميعها بعدما سبقنا
إليها من الشعوب من اصفر منها ومن
اخضر.
وتقف هذه الأمة-آخر من يصل- وحيدة
بعكاز
تتظاهر بالمرض كي يفتح لها أحدهم!
نحوا أجنحتكم وزيكم الأبيض جانبا
الآن، ومن لديه أنياب فليحكم إغلاق
فمه!
أنا لا
أطارد خيوط النور،
فمن طاردها أنهكته، ولكني لا أتعلق
بأستار الوهم
هل من العيب
أن أتصور بعد قرن من الزمان كيف
ستتحدث كتب التاريخ عنا؟
كم نسخة مزورة نحتاجها
كي نتجمل أمام مرآة الدهر ولو
قليلا؟
هل سينتقض وضوءهم عندما يقرءون عن
الفيديو كليب
مثلا؟
هل سيصدقون أن النملة تصفع فيلا، وان أمة
بأكملها لم تستطع أن تخرج يهوديا حشر بين أسنانها؟
وهل
سيصدقون أن أبناء العشر سنوات
يتبادلون الصور الإباحية، بينما يشاهد آبائهم
الكبار-جدا-أفلام الكارتون طوال
اليوم؟!
أسئلة محيرة حقا، ولكننا
سنجد من يجيب عنها وعنا يوما ما
حتما سيعرفون
أن الغواني لا يقمن مجدا،
والرقص لا يهز عروش الأعداء وأن
"مخصيو الشفاة"
لا تكتمل
فحولتهم!
من سوء حظنا أن الرواة لا يتأففون
من بقع التاريخ السوداء ، وكما
تعرفون جميعا أنه لا حياء في العلم
ولا في أي شيء آخر!
فقط
سيستبدلون الهرم بـ...... وأبي
الهول بـ"ملك جمال مصر" إلخ..!
أي كتاب سيجرؤ أن يحمل بين دفتيه هذا
الهراء؟!
على الغلاف سيشطب اسم المؤلف حفاظا على
كرامته
وفي المقدمة مؤخرات كثيرة
في الفصل الأول باب الراقصة
الموقرة سيذكرون شعبا"كله بيرقص" وحكومة "مبتعرفش"
في الفصل المجاور شعوب كسالى تستأجر من
يهش الذباب عنها
وباب قصير عن شهيدين قتل أحدهما الآخر بدس
السم!
وفي النهاية صفحة سوداء لا يظهر منها شيئا
ستخرجون بخبرة غزيرة أبرزها كيف تُصفع على
قفاك وتبقى مبتسما!
وكيف تسرق وتبقى شريفا، وكيف تقتل قتيلا
وتبكي عليه دما!
إن
كان الفساد يأتي تدريجيا، فهل يعني
هذا أننا طفرة ليس لها مثيل؟
وإلى متى سنقيم
على فوهة هذا المنحنى الأخلاقي
التدريجي؟
أشك أن المدعو تاريخ كان منصفا لهذا
الحد، لابد أن نيوتن قد أكل الكثير
من التفاح الذي وقع فوق رأسه، وربما لم يكن يحب
التفاح مثلا لهذا ربطه بنظرية بغيضة!
وربما لم يأت
(شامبليون)
إلى مدينة رشيد كي
يفكك
رموزا
معقدة، وإنما كان جائعا ويريد أن يأكل من أسماكها المملحة!
وربما لم
ينتحر هتلر، بل بكى حتى الموت لأنهم
حلقوا شاربه!
وربما لم يقصد نيرون أن يحرق شيئا ولكن
أراد أن يتدفأ قليلا!
الصورة ليست مشوشة لهذا
الحد، فقط اضبطوا هذا الهوائي
اللعين
قد
يأتي اليوم الذي أحدث فيه أولادي
بصيغة كنا...وبعدها كل مساوئنا
ولكني سأخفي
عليهم أن والدهم المعتوه قد ذهب إلى
المسجد ذات يوم وفي جيبه
(ريموت
)التلفزيون
!
كم يا ترى سأدفع للتاريخ كي يمحو
هذه الواقعة الشنيعة؟!
وإلى
حين..
ارتدوا أجنحتكم الملائكية ، وانزعوا
الأنياب..
عن كتب التاريخ أيضا:
كاذبة كتب التاريخ
ما كان الإسكندر
تلميذا لأرسطو
ما كان سوى جلاد
يغزو من أجل الغزو
ليشفي علته
بدماء
جنود الفقراء)
(
ثرثرة على جدار الليل..
ثياب الضوء معلقة
!
وساعتي الموضوعة جانبي تدل على أن
ميقات الحزن
قد حان، وطقوس الحنين لم يبقى منها سوى أن
يخفت النور وأستدعي اغترابي.
أفتقد
ظلي فلا أجد سواكَ ظلا لقلبي
غريب أيها الليل تقاسمني أنيني، كما
تقاسمهم أصوات
شخيرهم
تؤرق أناساً هنا وتربت على أجساد
هناك.
الحزن أكثر جنود الليل
وفاءا، والصمت صاحب لا يمل من إرهاق
رؤوسنا بمزيد من الصداع!
كوب من الشاي في هذه
الساعة كفيل بمنحي سعادة بالغة
ولا أدري ما علاقة الشاي بالسعادة ؟!
أم أنه
وسيلة أخرى للتحايل على الحزن الذي
يغلف مثل هذه الليلة الباردة؟
اكتشفت
وأنا أحضر الشاي أن المطر أكذوبة
الشعراء الكبرى يبللون به جفاف أفكارهم،
ويثرثرون
به كي يضيفوا مزيدا من الصفحات كما
يثرثر هذا المطر على رصيف الشارع بجانبي ويضيف
إلى أسباب صداعي أسباب أدبية أخرى!
تماما كما تغنوا للقمر ووصفوه
بالرقة بينما
هو قطعة من الحجر
وكادوا أن يحرقونا بضوئه بينما هو
معتم تماما كليلة بدون
قمر!
لو قابلت أحد هؤلاء الأدباء الآن
لرجمته بقطعة من القمر، أو أخرجت له
لساني كما كنت أفعل للمطر!
صفحتان وينتهي دفتري، وما أقبح
الليل بدون ورقة وقلم
وقدم هناك مهما بالغت في تدثيرها
فهي باردة!
ولكن بما
أني حزين هذه الليلة، وقد خالفت
الأدباء فكيف أكتب.. ولمن؟
فقد تخليت عن الوفاء
الأدبي للقمر والمطر ولا أجد مبررات
واقعية لسبب حزني كي أكتب
عنها..
إذا سأكتب عن الشاي
ففي نكهته ألف جلاد للصداع، ورشيفات قليلة
منه تجعلك تطلق العديد من آهات
الارتياح!
سأكتب مثلا قصيدة غزلية عن
نصفه الممتليء!
أو قصيدة فاضحة وأنا أجرده مما هو
فيه
أو أخدش حيائكم وأكسره
كي أرتاح.
ولكن فكرة الكتابة لكوب شاي لا
أعتبرها ناجحة كفكرة تقديمه
لأحدهم..
إذا سأكتب عن حبيبتي
ولكني سأضطر أن أذكر
القمر وأقول أنها أجمل منه بكثير
أو إخبارها بأنها تمنحني سعادة
بالغة أكثر من
تلك التي يمنحني إياها كوب من الشاي
ولكن أيضا فكرة الكتابة عن حبيبتي
لم ترق لي
وخصوصا أنني أخبرتها منذ قليل أن تنام
لا أستطيع أن أكتب هنا بينما تشخر
هي على
الطرف الآخر من سلك التليفون!
ممممممم..
إذا سأكتب عن
مآسي المسلمين وخيبات العرب التي لا
تنتهي..
والكلام هنا كثير ويجعلني أنهمك في
الكتابة حتى
يغزو النوم عقر رأسي، ويجعلني اشتري دفترا
آخر في الصباح وربما عدة دفاتر كي أسطر
بقية همومنا.
ولكن لحين الانتهاء من الكتابة
ستظهر مشاكل أخرى ولن أخرج عملا
كاملا عن مآسينا إلا إذا كتب ونشر
في ساعته وتاريخه!
وأيضا أنا فريد من
نوعي وفريد شوقي وأشياء أخرى فريدة
زوجة الملك فاروق على ما أعتقد!
لن أكتب عن
مآسي المسلمين وأكون نسخة من
الجزيرة،العربية، الحرة،....إلخ
من الوكلاء
الحصريين
لتوصيل مآسينا حتى باب المنزل)
مممممم..
يبدو أنني
سأضطر مؤخرا للكتابة عن فقراء
العالم
ولكن ماذا ستقدم الكتابة
للفقراء؟
وماذا سيحدث لو قلت أن العالم ينقسم
إلى نصفين أغنياء وفقراء ؟
وأن
نصفهم لا يدري عن الآخر شيئا،
والنصف الآخر لن يستفيد من عنصرة موضوعي إلى فقراء
وأغنياء!
لا يحتاج الأمر الكتابة عنه، يكفي
أن تغمض عينيك وتحرك ما يشبه نموذج
للكرة الأرضية وتختار مكان عشوائي
كي تعرف أن هنا فقير في بلد ما لأول مرة تسمع
اسمه
ويبدو أنني لست كريما بما يكفي كي
أضيع آخر صفحات دفتري في الكتابة عن
الفقراء!
المشاكل كثيرة والقضايا التي أستطيع
الكتابة عنها
أكثر ولكن حان وقت النوم، بالإضافة أنه
ليس من المعقول أن أكتب كل ما سبق في صفحتين
فقط!
أيها الليل
قبيح أنت
بنجومك وقمرك ومطرك وسكونك
بدون حبيبتي!
ذاكرة
مهترئة
ذاكرة الورق ضعيفة وكذلك
ذاكرة القراء..
يقولون بأن الحزن تنسيه الأيام،
وأنت مازلت تخفي همك
خلف عقارب الوقت
ودقات الساعة تشير إلى ازدياد همك ،
والثواني ثمالة في قاع
حزنك.
أخبرتك يا صاحبي أن ما بين الصدق
والكذب مقدار إلتفاتة!
لماذا
أصررت على بياضك في زمن الألوان
القاتمة؟
ولماذا تسمرت مكانك في زمن
الهروب؟
هل أغروك مثلي بتاريخ مليء
بالانتصارات، ومساحة من الوطن أكبر من
مقاس حذائك؟!
التاريخ مخمور يا صاحبي، والرواة
كأسه التي لا تنضب فلا
تصدقهم!
أوطاننا حبلى بالسواد!
ورحم يقذفنا بملل ،
فاخلوا للأوطان
الطريق حتى لا تتعثر بأحلامنا
البسيطة!
لا يُقاوم
الرصاص بالصدور يا
صاحبي كما زعموا من قبل، وهزائمنا منسوخة
على جباهنا!
فلا تبعثر آخر
أيامك، واهرب بكل ما أوتيت من قوة
ومارس الركض جبنا فأشباحهم خلفك يا
صديقي!
لا تلتفت..
فرعون هذه المرة أقوى، وهامان معتقل كبير
على
مقاسك!
وبحر الظلم أعمق من عينيك
الغائرتين، وعصا موسى لا تفلق سوى
رؤوسنا
كنت مثلك يا صاحبي أتأبط الوطن
جريدة تحت ذراعي
وبالأخرى أرسم أحلام
البسطاء وأدخن
همومهم
حتى اختنقت وصرت سطرا في جريدة
وحين أعلن
الصمت لغة البلاد الرسمية
كان لي صمت من نوع آخر
لا يصدر منه إلا صرير على ورق
حتى وشى بي الأخير عند أعينهم!
وفي التاسعة والنصف حين تركع
الساعات كرأسك!
أبوا إلا أن يتموا عبادة القتل
وتراتيل الدم.
وبكاتم
للصوت وأدت أحلامي وجُردت منها في
أقرب نقطة تفتيش..
لينفخ قاتلي بنشوة
المنتصر فوهة مسدسه ويدسه في جيبه
استعدادا لقلم جديد!
..
"فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع
الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال"
[الرعد : 17]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*كاتب وروائي من مصر
ـ
al3arafy@hotmail.com