الشخصية وملامح الضياع

بقلم/ بهيجة مصري أدلبي*

2008-10-27 02:05:42
 

إذا كان الإنسان ولد ليكون سؤالا فإن الإبداع منذ فجر الإنسانية حتى الآن هو محاولة للإجابة على هذا السؤال ، ولأنه محاولة مستمرة في البحث عن كينونة الوجود للكائن البشري ، فهو دائم التجدد والعطاء ، في مختلف أشكاله وأجناسه ، بصرف الطرف عن لحظة الزمن الهاربة .

ومن هنا يكون الأدب " تجربة تعدل الفضاء النفسي للمتكلم ، وتقدم له فرصة الالتحاق بالوجود " " فالمتكلم كائن مع كلامه ، ولكنه كائن أيضا مع فضاء نفسي يتضمن تصورات غير لغوية ، وإحساسات تغرق المتكلم في الوجود الذي يفيض من حوله ، ويقويه معا " والبحث في الإبداع كل لا يتجزأ ، وإذا تجزأ فلضرورة الدراسة والتحليل ، ولأن وجود الكائن وجود إشكالي ، مازال خاضعا للبحث ، والاكتشاف ، فالإبداع بحث أشكل فأقلق ، وأقلق فأول قلق الكائن من قلق فطري إلى قلق عقلي .

ومنذ تكونت الرواية شعر الكائن أن ثمة إمكانية لمصالحته مع الزمن ، ومصالحته مع وجوده ، دون أن يدري أنها أشعلت المسافات بينه وبين ذلك الوجود ، فضاعفت القلق والحيرة ، وأصبح جزءا من اللعبة بعدما ظن أنه سيدها ، على تعبير منصف الشلي .

ولأن المبدع كائن قلق ،فهو ينتج القلق والسؤال ، ومن هنا كان قلقي كمبدعة ، وكقارئة لهذا القلق الإنساني ، في فنجان ذاتي .

الشخصية / التعريف / الماهية :

إذا كانت مقولة فرجينيا وولف " دعونا نتذكر مدى قلة ما نعرفه عن الشخصية " معبرة عن حقيقة ملموسة ، فإن السؤال يأخذ مسافات أبعد ، مرتبطة بحقيقة الوجود للإنسان ، ماذا نعرف عن الإنسان ؟ إنه القليل القليل ، هذا إذا انطلقنا من مفهوم الشخصيات الروائية على إنها إسقاطات لكينونة المبدع ، ولأفكاره ولإحساساته ، تجاه الوجود ، مهما كان عمله مسرفا في البساطة ، أو مغرقا في التعقد والغموض .

" فلا أحد يجادل في كون الشخصية تقع في صميم الوجود الروائي ذاته ، إذ لا رواية بدون شخصية ، تقود الأحداث، وتنظم الأفعال ، وتعطي القصة بعدها المكاني ، ثم إن الشخصية فوق ذلك تعتبر العنصر الوحيد الذي تتقاطع عنده كافة العناصر الشكلية الأخرى ، بما فيها الإحداثيات الزمنية والمكانية الضرورية لنمط الخطاب الروائي" " فالشخصية هي الشيء الذي تستميز به الأعمال السردية عن أجناس الأدب الأخرى أساسا ، .... فليس اللغة ولا الزمان ولا الحيز ولا الحدث ( ما يميز مثلا جنس المقالة عن القصة ) ولكن انعدام الشخصية أو وجودها ، فبناء على عدميتها أو كينونتها يتحدد الجنس الأدبي " بل " لا أحد من المكونات السردية الأخرى ، يقتدر على ما تقتدر عليه الشخصية ، فاللغة وحدها تستحيل إلى سمات خرساء فجة ، لا تكاد تحمل شيئا من الحياة والجمال . والحدث وحده وفي غياب وجود الشخصية يستحيل أن يوجد في معزل عنها ، لأن هذه الشخصية هي التي توجده ، وتنهض به نهوضا عجيبا ، والحيز يخمد ويخرس إذا لم تسكنه هذه الكائنات الو رقية : الشخصيات " لذلك بين ميخائيل باختين أن " موضوع الجنس الروائي الأساس الذي يخلق أصالة هذا الجنس الأسلوبية ، هو الإنسان وكلمته" وإذا توقفنا عند هذا القول نجد أن الجنس الروائي إنما يتشكل ضمن مقولتين مهمتين : الكلام / المتكلم ، الكلام بما يشمل من سرد وحوار وتصوير ووصف .. الخ وكل ما يتصل بالعمل السردي ، والمتكلم الحامل لكل هذه المكونات ليتشكل بتكامل الكلام والمتكلم هذا البناء السردي المتميز .

فليس المهم عند باختين " ما تمثله الشخصية في العالم ، ولكن ما يمثله العالم بالنسبة للشخصية ، وما تمثله الشخصية بالنسبة لنفسها ، وهذا المبدأ الخاص قد لعب دورا هاما في كيفية فهم باختين للشخصيات " فالشخصية " هذا العالم المعقد الشديد التركيب ، المتباين التنوع ، تتعدد في العمل الروائي ، بتعدد الأهواء والمذاهب ، والإيديولوجيات ، والثقافات ، والأهواء ، والهواجس ، والطبائع البشرية ، التي ليس لتنوعها ولا لاختلافها من حدود "

ولاشك إن وجود الشخصية في الأعمال السردية أو في الخطاب الروائي وجود متصل بالبنية الحقيقية لهذا السرد ، بل يمكن أن تعد المكون الأساس ، والمهم ، في تجنيس هذا السرد ، وهذا الأمر ـ بصرف النظر عن تقليدية العمل أو حداثته ـ يبقى من الأهمية بمكان في بنية السرد ، لأننا حتى في ظل الغياب الذي مارسه المجددون على الشخصية بقيت الشخصية ماثلة ولو بشكلها المتلاشي في العمل السردي .

" والمعروف أن لوكاتش يؤكد دائما على ضرورة الحفاظ على وجود البطل داخل النص وإحلاله المكان الملائم له .... بل إنه سيكتشف في تحليلاته اللاحقة نوعا من التراتبية في وضع الشخصيات داخل العمل السردي " لذلك لا بد من القول إن الشخصية هي الكون السردي الأول ، والأهم الذي تقوم عليه البنية السردية ، على اختلاف مذاهبها ، ونظرياتها ، تقليدية ، أو حداثية ، أما التغيرات التي طرأت إنما كانت على الطريقة التي تعاملت بها السر ديات مع الشخصية .

 

 

 

الشخصيات / التصنيفات / السمات :

لعل الدارس المتمحص في الأعمال السردية يدرك أن الخلافات التي كانت بين التقليد والتجديد ، حول الشخصية إنما هو حول طبيعة تقديمها في العمل الروائي ، لأن في طريقة التقديم تتضح الأبعاد الحقيقية للنظريات المتجه تجاه الشخصية ، ولعل التصنيفات تقودنا إلى طريقة تقديم الشخصية ، وإلى أنواعها ، وكيفية تجليها في العمل السردي ، والسمات ، تقودنا إلى السمات التي تلتصق بهذه الشخصية ، وخاصة الاسم الشخصي .

" فبينما كان التقليديون يلحقون ملامح الشخصية بملامح الشخص لإيهام القراء بأنها ترقى إلى مستوى التمثيل الواقعي لصورة الحياة ، كان الروائيون والنقاد الجدد يزعمون أن الشخصية لا تعدو كونها عنصرا من مشكلات السرد في العمل الروائي ، من اجل ذلك لا ينبغي أن نمنحها كل هذه الأهمية ونميزها من المشكلات السردية الأخرى تميزا" ولعل الخلط الذي كان يجري بين النقاد والقراء " بين الشخصية التخيلية كمكون روائي والشخصية بوصفها ذاتا فردية أو جوهرا سيكولوجيا .. أوقع المحللين في النموذج السيكولوجي العقيم ، وأبعدهم أكثر فأكثر عن الفهم الوظيفي للشخصية " هذه كانت المغالطة الأولى في فهم وإدراك أبعاد الشخصية في السرد الروائي ، هذا إلى جانب ما جاء به التحليل البنيوي ، الذي ذهب بلسان طوماشفسكي ، إلى حد إنكار كل أهمية للشخصية ، " أما المغالطة الثانية " الأساسية المتعلقة بمفهوم الشخصية فقد جاءتنا من التقليد النقدي القديم الذي عودنا على النظر إلى الشخصية كما لوكانت خلاصة من التجارب المعاشة أو المنعكسة ، أي مزيجا من افتراضات المؤلف ، وهذا الفهم هو الذي أدى في كثير من الأحيان بالقراء إلى المطابقة بين المؤلف والشخصية التخيلية خصوصا في روايات ضمير المتكلم " مما جعل تودوروف يعبر عن الشخصية بأنها قضية لسانية ..( ولا علاقة لها بالمؤلف ) بل ذهب فيليب هامون إلى حد القول إن مفهوم الشخصية ليس مفهوما أدبيا محضا وإنما هو مرتبط أساسا بالوظيفة النحوية " وأيا كانت النظرة إلى الشخصية ، وأيا كانت التحليلات حولها ، أكانت نظرة تقليدية على أنها كائن حي يماثل الفرد ، أو أنها صورة مطابقة لصورة المؤلف ، تروي سيرته وتجاربه المعاشة ، أو أنها مختزلة ضمن عالمها السيكولوجي ، أو أنها قضية لسانية أو نحوية ، فإنها تبقى ذات أهمية قصوى في البناء السردي ، لأنها المحور الأساسي الذي تدور حوله الأحداث ، ويتشكل حوله المكان ، ويجري في أبعاده الزمان .

لذلك لن نطيل البحث في التصنيفات الكثيرة التي نظر النقاد من خلالها للشخصية ، بل سنقف عند التصنيفات والتقسيمات التي صنفت من خلالها ، فثمة تقنيات متعددة في تقديم الشخصيات اعتمادا على مقياسين هما ـ المقياس الكمي ، ويعني الطريقة المباشرة ، التي تعتمد على كمية المعلومات المتواترة ، وـ المقياس النوعي ، ويعني الطريقة غير المباشرة، وتعتمد على المعلومات حول الشخصية

وهناك تصنيفان شائعان للشخصية هما

التصنيف الشكلي الذي يركز على مهمة الشخصية في النص وعلاقتها الشكلية الخالصة بالشخصيات الأخرى .

والتصنيف المضموني الذي يعتمد على الصلة الوثيقة بين الشخصيات والحوادث .

وتقسم الشخصية حسب هذه التصنيفات إلى

بسيطة / مركبة

تحليلية / تمثيلية

مسطحة / نامية

وقد قسمها آخرون إلى

1 سكونية / دينامية

2 رئيسية أو محورية / ثانوية

استنادا إلى خاصية الثبات والتغير في الأولى وإلى الدور الذي تقوم به الشخصية في الثانية .

ومنهم من قسمها إلى شخصية مدورة وشخصية مسطحة ، حيث المدورة تلك الشخصية المركبة المعقدة التي لا تستقر على حال والمسطحة هي البسيطة التي تمضي على حال لا تكاد تتغير أو تتبدل ولا نكاد نرى فوارق كبيرة بين مجمل التقسيمات ، التي حاولت أن تقسم الشخصيات ، فجميعها في المنظور العام تدور حول محورين

ـ رئيسية

ـ ثانوية

ومن خلال هذين النوعين يمكن أن تتفرع أنماط كثيرة فالرئيسية يمكن أن تنضوي تحتها ( المركبة ، والمدورة ، والنامية ، والإيجابية ، ) والثانوية يمكن أن تنضوي تحتها ( السلبية ، والمسطحة ، والثابتة ، ) " بيد أن الشخصيات السلبية أو المسطحة ، أو الثابتة أو ( الثانوية ) لا يمكن أن ترد في العمل الروائي من دون غناء بل كثيرا ما تتوهج الشخصية المدورة أو ما يعادلها في الاصطلاح( النامية ، الإيجابية ) ( الرئيسية ) بفضل هذا الضرب من الشخصيات ، كما لا يمكن أن تكون الشخصية المركزية في العمل الروائي إلا بفضل الشخصيات الثانوية ، التي ما كان لها لتكون هي أيضا لولا الشخصيات العديمة الاعتبار ، فكما أن الفقراء هم الذين يصنعون مجد الأغنياء فكأن الأمر كذلك ها هنا . " وبإمكاننا أن نضيف فهم غريماس للشخصية كنوع ثالث حيث قدم فيه فهما جديدا للشخصية في الحكي وهو ما يمكن أن نسميه بالشخصية المجردة وهي قريبة من مدلول الشخصية المعنوية في عالم الاقتصاد ، فليس من الضروري أن تكون الشخصية هي شخص واحد ... كما أنه ليس من الضر وري أن تكون الشخصية شخصا ، فقد تكون مجرد فكرة ، كفكرة الدهر ، أو التاريخ ، وقد تكون جمادا أو حيوانا "

أما عن الاسم الشخصي للشخصية ، فقد دارت حوله أيضا خلافات ووجهات نظر متباينة ، تبعا للنظريات التي قرأت الشخصية وأبعادها ، وخصائصها ، فمنهم من عد الاسم الشخصي علامة لغوية بامتياز .. والمهم أن نبحث في الحوافز التي تتحكم في المؤلف وهو يخلع الأسماء على شخصياته " ومنهم من يجعل الاسم جزءا من سلوك الشخصية لأن الاسم أو اللقب هو الذي يميز الشخصية من غيرها ، ويحدد المكانة الاجتماعية و التي يحتلها الشخص، وهي بذلك تؤدي دورا هاما في تحديد الطريقة التي يمكن أن يتعامل بها هذا الشخص " وغموض الاسم أو وضوحه ، أو تفصليه ، أو انتماؤه إلى شريحة معينة كل ذلك يضعه المؤلف نصب عينيه وهو يختار الاسم ولسنا مع الدكتور عبد الملك مرتاض من أن الاسم الذي يطلق على الشخصية السردية لا يعني إعطاءها لازبة ولا يؤكد شريتها أو خيريتها من مجرد الاسم الذي يطلق عليها فأي علامة يمكن أن تحل محل الاسم كما أن أي ضمير من الضمائر يمكن أن ينهض بهذه المؤونة " فالاسم يحمل خصوصيته وعلاقته بالشخصية والمكان والزمان ، إلى جانب الطبقة الأجتنماعية التي ينتمي إليها ، أو حتى إلى التوجه الفكري والفلسفي الذي تنتمي إليه هذه الشخصية ، ولعل هذه الحالة لا يدركها تماما ، ولا يدرك أبعادها ، وأهيمتها في النص الروائي ، إلا من عانى الإبداع الروائي ، ومارسه ، لأنها من الأسس الهامة في اختيار الشخصيات ، وفي تركيبها ، حتى في عملية اختيار الاسم للشخصيات الثانوية . وللشخصيات العديمة الاعتبار .

حتى وإن كان الدكتور مرتاض يريد أن يصل من خلال فكرته هذه إلى أن كافكا لم يقدم أي جديد بإطلاقه حرفا أو رقما على شخصياته ، لأنه اعتمد على مرجعيات المجتمع وتقاليده والعلاقة بين العمال والمسؤولين عنهم ، بحيث كان يطلق على العمال أرقام ، يعرفون بها ، إلا أننا أيضا نرى أن الاسم حتى وإن كان حرفا أو رقما إنما يحمل دلالة معينة ، والمؤلف لم يأت به اعتباطا ، وإنما لتقديم موقف ما أو فكرة ما ، وإن كان كافكا قد استفاد من تقاليد المجتمع الرأسمالي فمرد هذا الأمر إلى أنه أراد أن يقدم صورة عن تحول الإنسان إلى مجرد رقم في ذلك المجتمع المادي، الذي ابتلع الإنسان ، وحوله إلى مجرد رقم أو حرف .

وحتى في الثقافات القديمة كان الاسم له حضور كبير حيث كان المصريون القدماء يشعرون بأنهم يلحقون بأعدائهم أذى حقيقيا حين يحطمون أسماءهم في كتاب الموتى الفرعوني .

وهذا الأمر ليس خلطا بين اسم الشخص وبين الاسم المطلق على الشخصية لأن تلك النصوص القديمة كانت أيضا مكتوبة ، بشكل أدبي معين أي أن الأسماء كانت أسماء لشخصيات في العمل المكتوب .

ومن هنا ندرك هذه العلاقة المرتبطة ارتباطا وثيقا بين الاسم والشخصية ، انطلاقا من أن العمل السردي ليس عملا اعتباطيا بل عملا معدا بإتقان ودقة ويحمل أهدافا يريد أن يصل إليها ، ولأن الشخصية هي حجر الأساس في بناء هذا العمل وهي الحاملة لهذه الرسالة ، إلى المرسل إليه ، لابد وأن تكون الدراسة دقيقة من قبل المؤلف لأسماء شخصياته التي سيخلعها عليها ،لأنها بالتالي تحدد مدلولها الذي يرمي إليه المؤلف الخالق لها .

أثر المكان والزمان في بناء الشخصية :

إن الشخصية الروائية ، انطلاقا من علاقتها بكافة العناصر السردية ، أو عناصر البناء السردي ، لايمكن النظر إليها على أنها كائن منعزل ، بل لابد من البحث في عملية تفاعلها وتشكيلها ، ولعل أهمية وجودها تتطلب من البحث الموضوعي إدراك هذا التفاعل بينها وبين العناصر الأخرى التي ربما تضارعها في الأهمية ، إلا أن وجودها لا يتأتى إلا بوجود الشخصية كالزمان والمكان .

" فالأثر الواقعي للنص يستند على استعادة الإشارات الزمانية والمكانية المشتركة مع النص ، ومع ماهو خارج النص كالتقطيع الزمني والتواريخ والساعات والأمكنة " فكما أن النص يحمل إحالات إلى نصوص أخرى يتناص معها ، كذلك الأمر يحمل إحالات إلى علل وجوده في الزمان والمكان المتشكلين من خلال تشكل الشخصية الحاملة لهما .

ويقول " فيليب هامون في سياق حديثه عن الوظيفة الأنثروبولوجية لوصف المكان " إن البيئة الموصوفة تؤثر على الشخصية وتحفزها على القيام بالأحداث ، وتدفع بها إلى الفعل حتى أنه يمكن القول بأن وصف البيئة هو مستقبل الشخصية " بل يذهب إلى أبعد من هذا في حديثه عن الفضاء المكاني وعلاقته في تكوين البناء السردي ، ليكون منسجما مع الشخصيات ، بحيث يعمل الروائي على أن يكون هذا البناء منسجما مع مزاج وطبائع شخصياته ، وأن لا يتضمن أية مفارقة وذلك لأنه من اللازم أن يكون هناك تأثير متبادل بين الشخصية والمكان الذي تعيش فيه ، أو البيئة التي تحيط بها ، بحيث يصبح بإمكان بنية الفضاء الروائي أن تكشف لنا عن الحالة الشعوري ة التي تعيشها الشخصية بل وقد تساهم في التحولات الداخلية التي تطرأ عليها " ولعل جدلية العلاقة بين المكان والشخصية ، لابد أن تتجه إلى جدلية العلاقة بين الزمان والشخصية ، انطلاقا من جدلية العلاقة بين الزمان والمكان .

هذه الجدلية المترسخة في ذهنية المؤلف وهو ينشىء عمله السردي أو و هو يخلق شخصياته ، ويكونها ، ويضعها في مكان أو أمكنتها ، التي يحددها لها ، وينشىء ذاكرتها من خلال ذاكرته بحيث تقوم أفعال التذكر ، وربط الماضي بالحاضر بالمستقبل ، بعملية تكوين العمل السردي الذي دائما يطمح لمحاكاة الحياة .

وإذا كانت " الذاكرة لا تكتمل إلا بالصمت " كما يقول باشلار فبناء الشخصية في سيرورتها الحكائية ضمن العمل السردي يحتمل وجودها مثل هذا الصمت من خلال المنولوج الداخلي والأحاديث مع الذات والتأمل الذي تمارسه الشخصيات في عملية استشراف الزمن القادم .

ولعل العمل السردي وخاصة في مرحلة مابعد الحداثة يتحرر من مفهوم الزمن الذي يتقدم والزمن ذي الهدف المحدد" من خلال تحديد موقفه من بنينية الزمن التي تعني تقسيم الزمن إلى مراحل ( ماض ـ حاضر ـ مستقبل ) وتحديد الموقف من كل مرحلة هو الذي يحدد هوية الأيديولوجيا " وهذا الموقف من الزمن بماضيه حاضره ومستقبله هو بذاته موقف من المكان وكذلك الأمر موقف من البنى التقليدية للإبداع ، وبالتالي من أسس بناء هذا الإبداع ، ونخص البناء السردي ، وخاصة الرواية ، التي اتجه الموقف مابعد الحداثوي فيها إلى الشخصيات وإلى البنية الزمنية والمكانية ، فأطلق عليها رصاصته القاتلة ، ليشيئها في عالم جديد ذي ملامح متخفية متوارية ، وشخصيات متماهية ضائعة .

وبانفجار المقولة المفهومية للزمن تتهدم النظريات ... وبعد العصور التي سلمت بثبات النظرية ، تفرض نظرية الحركة نفسها نظرية ، تأخذ بالحسبان غياب النظرية ، نظرية يستقدمها زمن لا مخرج له ولا اتجاه . " وعلى هذا التأسيس ندرك ما للزمن من أهمية حتى في غياب النظرية ، وغياب الملامح ، وغياب الحيز في تكوين الكائن ، أو تكوين الشخصية الروائية ، لأنه مهما حاولت النظريات أن تغيب الزمن من الشخصية أو أن تغيب الشخصية من الزمن ، أو أن تلغي الملامح فلا بد من جود زمن خاص بهذا الشكل الجديد ، لأن الزمن مترسخ في عمق الكائن وليس خارجه ، إنه إحساسه بوجوده، وانعدامه وعلى هذا يمكن القول إن الرواية التقليدية كان لها وجهات نظر في العلاقة بين الزمن والمكان والشخصية ، وكذلك الرواية الجديدة أصبح لها علاقة ربما تنفصل أو تتصل بتلك العلاقة القديمة إلا أنها وفي كل الأحوال علاقة لها سماتها وتعالقها الخاص بما قبلها لتبني لها عالما حتى وإن كان عالما من الوهم .

الشخصية بين الصعود والموت :

إن الصعود والموت الذين طرأا على الشخصية في مراحل تطورها إنما يعيدنا إلى تجلي الشخصية في الرواية التقليدية كمرحلة صعود لها وتجليها في الرواية الجديدة كمرحلة موت لها .

ولا نريد الإطالة بهذا الموضوع لأن بعض ملامحه المهمة قد ذكرت في سياق البحث ولكن لابأس من تنسيق الموضوع من أجل التكامل البحثي .

بداية لابد أن نعرف أن " التطور الهائل قد وسع الهوة بين الرواية التقليدية المتمسكة بالقواعد التي ورثتها عن الملحمة والحكاية الرومانسية ، وبين الرواية الحديثة المتحررة من كل شيء حتى غدت الأخير ة غريبة عن الأولى وكأنها ليست ابنتها ، ولم تخرج من رحمها "

وانطلاقا من هذا التطور فقد طرأت تغيرات على الشخصية لا تقل عن التغيرات التي طرأت على هذا الجنس ،

" فقد كان الر وائي التقليدي يلهث وراء الشخصيات ذات الطبائع الخاصة لكي يبلورها في عمله الروائي فتكون صورة مصغرة للعالم الواقعي " " ويربط آلان روب هذا الصعود للشخصية في الرواية التقليدية بصعود قيمة الفرد في المجتمع ورغبته في السيادة أي ما اسماه " العبادة المفرطة للإنسان " بحيث كان ظهور الشخصية كما تقدمه الروايات الكبرى في القرن التاسع عشر مرتبط بنظام اجتماعي معين وبتصور محدد للفرد " وإن أكثر ما يميز الرواية التقليدية هو مفهوم البطل " باعتباره شخصية محورية متميزة في علاقتها بالشخوص الأخرى ذات صفات نفسية واجتماعية وفيزيولوجية نموذجية " ومن هنا نجد أن الروائي التقليدي كان يحاول الإفادة من كافة مكونات الحياة الاجتماعية والاقتصادية ، " فيبلورها في كتابة أدبية " تكون صورة كما يتوقع عن تلك الحياة ..

بحيث تعامل الشخصية الروائية التقليدية على أساس أنها كائن حي له وجود فيزيقي " بكل ما تعني هذه الكلمة من معنى .

وكأن العمل السردي التقليدي كان قائما بكل ما يحمل على كاهل الشخصية التي يكرس لها كل اهتمام ، من أجل أن تحمل رؤاه ، ورسالته وقيمه التي يحاول أن يرسلها عبر نصه إلى الجمهور / المجتمع .

ولكن ما لبث هذا الصعود للشخصية أن بدأ بالتلاشي عبر التطور الذي طرأ على المجتمعات الغربية ، وعبر النظريات الجديدة التي أخذت بهدم تلك المكانة المرموقة للشخصية في السرد الروائي .

ويكاد يتفق النقد على أن التحول الذي طرأ على الشخصية وأهميتها في العمل السردي ، قد بدأ مع كافكا الذي " أعلن القطيعة مع التقاليد التي كانت سائدة في التعامل مع الشخصية وتهذيب ملامحها وتلميع وجهها "

بحيث قام المجددون بهدم صروح الشخصية وتحويلها إلى شيء مهمش بل أدخلوها في تلاشيها ، حتى أعلن بعضهم عن موت الشخصية زهاء منتصف القرن العشرين " ويعيد الكثيرون هذا التحول الذي طرأ على الشخصية الر وائية في الرواية الجديدة إلى التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي طرأت على الحياة كما فعل لوسيان جولدمان عندما رأى أن حلول الاقتصاد القائم على التكتلات والاحتكارات محل الاقتصاد القائم على التنافس الحر .. أدى إلى الاختفاء للشخصية الفردية ، أي لشخصية البطل وتم ذلك على فترتين :

الأولى وهي الفترة الانتقالية التي حدث خلالها اختفاء أهمية الفرد لإحلال القيم التي أحرزتها إيديولوجيات مختلفة محل سير ة الحياة التي هي محتوى العمل القصصي .

والثانية هي التي بدأت بدرجة أو بأخرى مع كافكا ، وتستمر حتى الرواية الجديدة المعاصر ة التي لم تصل بعد إلى نهاية ما وهي فترة تتميز بالتخلي عن أية محاولة لإحلال واقع آخر محل البطل الإشكالي ، وسير ة حياة الفرد ، كما تتميز بالاجتهاد من أجل كتابة رواية تغيب فيها الذات ، ولا يوجد فيها أي بحث متقدم " وإذا استندنا إلى مفهوم الرواية كملحمة للبرجوازية ، قائمة على الفرد الإشكالي فإن نهوض التكتلات الكبرى ، أدى إلى سقوط الفرد وبالتالي سقوط هذا البطل . وكما يرى لوسيان جولدمان ، " إن العمل الروائي يعكس ماهية المجتمع البرجوازي ، بقدر ما تترك تحولات المجتمع الأخير آثارها على تحولات الشكل الروائي " ومن هنا فقد أعلنت الرواية في طورها الجديد عن الانتقال من عالم البشر إلى عالم الأشياء ، ولم تكن هذه الرواية إلا مرآة لجدل الواقع ، حيث يستمر وبشكل متصاعد اقتحام عالم الأشياء لعالم البشر " وبالتالي تشييء الفرد ، وتحوله إلى شيء وتلاشيه ، كائنا حيا كان أو ورقيا على السواء .

تعرية أخيرة :

لعل طموح هذه الدراسة كان أن تطأ أرضا لم يطأها أحد قبلها ، في تحليل الشخصية الروائية ، وأن تدخل عوالم لم يدخلها أحد قبلها ، ولكن الواقع لم يكن ليدفع بهذا الطموح إلى التحقق فاكتفيت بما قدمت من تهويمات حول الشخصية الروائية وأبعادها ومكانتها وأسرارها وقيمتها في السرد الروائي ضمن مساحته العامة ، الإنسانية ، ولم أتطرق لهذه التحولات في الرواية العربية ، لأن ما قدمته إنما هو سمات عامة تنطبق على الرواية الغربية كما تنطبق على العربية على السواء ، مع بعض الفروقات التي يمكن لأي دارس أن يتلمسها في النصوص الروائية العربية ، وإن كنت أر ى أن الرواية العربية ، لم تدخل تلك المرحلة التي دخلتها الرواية الغربية من تلاشي الشخصية ، إلا بحدود صغير ة ، بل ظل الروائي العربي ضمن حدود التطور المعقول في عملية التطوير الذي مارسه على الشكل الروائي بحيث أصبح الخطاب السردي العربي يضاهي الكثير من الأعمال الر وائية العالمية ، بما يحمل من إبداع حقيقي يتخطى القيود ويرسم له خطابا متميزا منطلقا من مرجعياته المرتبطة بإنسانه وحقيقة الفرد الذي مازال الروائي العربي يدافع عنه وعن وجوده ويمكن إنجاز دراسة خاصة بالرواية العربية والتطورات التي طرأت على أسلوبها وعلى طريقة تناولها للشخصية استنادا إلى النظريات الحديثة في بناء الخطاب الروائي وذلك في بحث مستقل .

والنقطة التي أود أثيرها هي هذا التلاشي للشخصية في الرواية الغربية في ظل حداثة العولمة وعولمة الحداثة بحيث أصبح الإنسان الفرد مجرد شيء أو مجرد ظل وخيال واه لا قيمة له ، بل صار معروضا في سوق السلع للبيع والشراء انطلاقا من الحالة التسليعية التي وصل إليها الكائن البشري في هذا العصر بحيث أصبح خاضعا لقانون العرض والطلب في سوق مابعد الحداثة الذي يشرف عليه الغرب ويدفع به ويدعمه ويوهمنا بشعاراته التي لا تسمن ولا تغني من جوع .من حريات وديمقراطيات ودفاع عن حقوق الإنسان ،

وهذا الأمر انعكس ليس فقط على السرد الروائي وشخصياته بل انعكس على كل المجالات الفنية ، التي يصدرها الغرب لنا عبر الفضائيات التي بدأت تستهلك كل شيء .

فمن باستطاعته أن يتمرد اليوم وضد من ، هذه الصرخة التي أطلقتها جوليا كريستيفا تضع كل شيء موضع الشك وخاصة هذه الثقافة التي يطرحها علينا عالم ما بعد الحداثة .

ومن خلال هذه الصرخة لا أعتقد أن ما حدث من تطورات على الشخصية الروائية من تلاشٍ مجرد موضة كما طرح الدكتور عبد الملك مرتاض لأن تلاشي الكائن ، وإنما هو حرب ضد هذا الكائن من نفسه على نفسه . كما أن الحروب التي يشنها الغرب ضد الكائن البشري ليست موضة وإنما نتيجة لنظريات الإبادة التي أعدها الغرب للبشرية ، دون أن يدرك أن هذا التلاشي لا يميز بين كائن وآخر بل يصيب الجميع . فهل يمكن للإبداع أن ينقذ خالقه ، وهل ثمة بارقة تعيد الكائن إلى وجوه الحقيقي ؟

لا ندري ما الذي يخبئه المستقبل لنا ، وما الذي ستحمله لنا حداثة العولمة ، وما بعد بعد الحداثة ، أهو الإنسان أم الموت للإنسان . ؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* كاتبة وأديبة سورية ـ حلب / ص ب / 13525/

 

الهوامش :

ــــــــــــــــ

نص الورقة المقدمة في ورشة العمل التي أقيمت في الشارقة على هامش جائزة الإبداع مابين 24 / 27 / 4 / 2005

2 مايلر . نورمان ، مجلة كتابات معاصرة ، العدد الثالث ، 1989

3 كريستيفا . جوليا ، من كتاب " ومض الأعماق ، ترجمة : د . علي نجيب إبراهيم ، دار كنعان ، دمشق ، 2004 ، ص 101

4م ن ، ص 108

5الشلي . منصف ، ومض الأعماق ، م س ، ص 117

6 بحراوي . حسن ، بنية الشكل الروائي ، المركز الثقافي العربي ، بيروت ، 1990 ، ص 207

7م ن ، ص 20

8 مرتاض ، د . عبد الملك ، في نظرية الرواية ، سلسلة عالم المعرفة ، الكويت ، العدد 240 ، 1998 ، ص 103

9 م ن ، ص 104

10باختين . مخائيل ، الكلمة في الرواية ، تر يوسف حلاق ، وزارة الثقافة ، دمشق ، 1988 ، ص 109

11 بحراوي . حسن ، م س ، ص 210

12مرتاض ، د . عبد الملك ، م س ، ص 83

13بحراوي . حسن ، م س ، ص 209

14مرتاض . د . عبد الملك ، م س ، ص 97

15 بحراوي . حسن ، م س ، ص 212

16 م ن ، ص 212

17 م ن ، ص 212

18 م ن ، ص 213

19م ن ، ص 223 ـ 224

20 الفيصل . د . سمر روحي ، الرواية العربية ، البناء والرؤيا ، إتحاد الكتاب العرب ، دمشق ، 2003 ، ص 132 ـ 133

21للمزيد أنظر بحراوي . حسن ، م س ، ص 205

22مرتاض . د . عبد الملك ، م س ، ص 101

23م ن ، ص 102

24 لحمداني . د حميد ، بنية النص السردي ، المركز الثقافي العربي ،بيروت ، 1991 ، ص 52

25 بحراوي . حسن ، م س ، ص 247

26 م ن ، ص248

27رويتر . إيف . ومض الأعماق ، م س ، ص 204

28 بحراوي . حسن ، م س ، ص 30

29م ن ، ص 30

30 باشلار . غاستون ، جدلية الزمن ، ترجمة خليل أحمد خليل ، المؤسسة الجامعية للدراسات ،

بيروت ، 1982 ، ص 65

31 برتو . صوفي ، ومض الأعماق ، م س ، ص184

32 م ن ، ص 182

33 م ن ، ص 190

34 الموسى . د . خليل ، مجلة دراسات اشتراكية ، العدد 182 ـ 183 ، 2000

35 مرتاض ، د . عبد الملك ، م س ، ص 83

36بحراوي . حسن ، م س ، ص 208

37 م ن ، ص 208

38 الباردي . د . محمد ، الرواية العربية والحداثة ، دار الحوار ، 1993 ، ص 209

39مرتاض . د . عبد الملك ، م س ، ص 83 ـ 84

40 م ن ، ص 86

41م ن . ص 87

42 م ن ، ص 91

43جولدمان . لوسيان ، القصة والرواية والمؤلف ، مجموعة من المؤلف ، ترجمة وتقديم د . خيري دومة ، مراجعة أ . د . سيد البحراوي ، دار شرقيات ، القاهرة ، 1997 ، ص 118 ـ 119

44دراج . د . فيصل ، نظرية الرواية ، والرواية العربية ، المركز الثقافي العربي ، بير وت ، 1999 ، ص 42

45م ن ، ص 46

 

بقلم/ بهيجة مصري أدلبي*

 
 
 

 

تصميم وبرمجة :: شبكة فلسطين المستقبل
pfndnet © 2007

 

جميع الحقوق محفوظة لمركز الإشعاع الفكري للدراسات والبحوث © 2003-2007