الشخصيات 1 الدفان 2
الرجل 3 موظف
استعلامات المقبرة - المكان : مقبرة - (
موظف استعلامات المقبرة ) : يجلس وراء
طاولة عليها مجموعة كبيرة من
الاضابير والسجلات - ( الرجل ) : داخل كيس كبير وضع في
وسط المكان - ( الدفان ) : يحفر
بمسحاة - الرجل يتحرك داخل الكيس ، الدفان مستمر
بالحفر ... - يخرج الرجل من الكيس ،
الدفان لا يثيره خروجه من الكيس . الرجل : ( بصعوبة ) هل من ماء ؟
الدفان : ( يحفر بصعوبة ) الرجل : أشعر بعطش شديد . الدفان
: ( مستمرا بحفره ) الرجل : ( ينظر
الى الحفرة ) يمكنني مساعدتك .. مقابل ان اشرب ماء
. الدفان : ( يتوقف ) حقا ؟ أ يمكنك
ذلك ؟ ( يعطيه المسحاة ) تفضل احفر إذا سمحت . الرجل : ( ينزل الى الحفرة
) أحب دائما أن أساعد الآخرين ( يحفر ... ) الدفان : كم
أنت طيب . حاول أن تكون دقيقا يا
عزيزي .. إنها قياسات مهمة جدا . الرجل : إنني
احفر بصعوبة . الدفان : احفر ، احفر
ايها الطيب جدا ... الرجل : وهل سنجد الماء ؟
الدفان : كل الذين حفروا هنا وجدوه !
احفر ... الرجل : ( مستمرا بحفره ) منذ متى لم
تشرب الماء ؟ الدفان : لا أتذكر .
الرجل : لا أرى أثرا له . الدفان : احفر يا صديقي
.. عملنا يتطلب الصبر والقوة . احفر
. الرجل : والى متى اظل احفر ؟ الدفان : الى ان
تصبح الحفرة بالقياسات المطلوبة . يا
لطيبتك التي اخجلتني . الرجل : شكرا لك . وهل
سيخرج ؟ الدفان : كل شيء سيخرج من
هنا ! الرجل : ( مستمر بالحفر ) اشعر ان الحياة
قد أتعبتك كثيرا . الدفان : الأحياء
.. هم الذين يتعبونني دائما . إنهم لا يدركون
ماذا يعني الموت ! الرجل : هه ..
فهمت ، انك رجل فلسفة . الدفان : فلسفتي : إن
علينا العيش بعيدا من هنا ! الرجل :
أتعرف ؟ لقد أحببتك كثيرا . الدفان : أتعرف ؟
وأنا كذلك . الرجل : ( وهو يحفر )
ولكن أين الماء ؟ الدفان : ( ممتعضا ) ماء ، ماء
، ماء .. أي ماء ؟ الرجل : في هذه
البئر ! الدفان : بئر ؟ بئر في هذا المكان ؟ كيف
؟ الرجل : هذه البئر التي تحفرها .
الدفان : من قال ذلك . هي حفرة ليس الا ، احفر ،
استمر بالحفر . الرجل : ( يتوقف عن
الحفر ) حفرة ؟! الدفان : إنها حفرتك حفرتك
حفرتك حفرتك أيها الميت ! الرجل :
حفرتي ؟ أيها الميت ؟ من تقصد ؟ الدفان : لا أحد
هنا سواك . الرجل : وماذا افعل بها ؟
الدفان : تفعل بها ؟ قبرك ، انها قبرك .
( الرجل يترك الحفرة ، موظف
استعلامات المقبرة يأتي مسرعا الى الرجل ، يرشه بماء
الورد ، ثم يقوم بإشعال الأبخرة ،
ومن ثم يمشط له ، بعدها يعطيه وردة صغيرة وينصرف
الى طاولته ) الرجل : ماذا يحدث هنا
؟ الدفان : ها أنت تستعد للدفن ( يشمه ) ما
أطيب رائحتك . الرجل : ( يضحك بشك )
كف عن هذه اللعبة واعطني قليلا من الماء
. الدفان : اطمئن .. ستكون حفرتك
واسعة ومريحة . الرجل : تبدو لصا . الدفان : أملك
قلبا يسع لكل تصريحات الموتى . الرجل
: من أنت ؟ الدفان : سترجع أيها المرحوم الى
تلك الحياة الجميلة هناك ، كلنا
سنرجع ... الرجل : من وضعني داخل الكيس ؟ الدفان
: هكذا جاءوا بك . الرجل : من هؤلاء
؟ الدفان : أحب دائما ان لا استفسر عن أشياء لا
تهمني . الرجل : ( يتفحص المكان )
ولماذا أنا هنا ؟ الدفان : ( يضحك ) واين تدفن
الجثث يا عزيزي ؟ الرجل : في في في
في في ... ولكنني مازلت حيا . الدفان : عليك ان
تستعد للدفن ..اترك هذه الاوهام .
كما ترى بعد ان تكتمل حفرتك سيكون كل شيء جاهزا
لمراسيم دفنك ، انظر الى حفرتك
السعيدة .. انظر اليها ، هنا ستنام بهدوء ( يشير الى
الحفرة ) ومن هنا ستهاجمك جحافل
الدود ، ستبدأ بعينيك أولا ، ما أروع ذلك ، عظامك
ستنتشر هنا وهنا وهنا . لن اسمح لاي
كلب بان يجرك من حفرتك ، لا أخفيك سرا .. كلاب
المقبرة هنا لها القدرة على إخراج
الجثث من عمق مائة متر ! الرجل : ( يتفحص المكان
) اشعر أنني في مقبرة ، أو هي شيء من
هذا القبيل . الدفان : ليلة البارحة رأيت عشرة
كلاب تجرجر فخذا ، أشعر بالعار
والخزي لأنني لم استطع انقاذه ( يهمس باذنه ) خفت ان
اكون انا الآخر فخذا لأنيابها !
الرجل : أكل هؤلاء موتى ( يشير الى القبور ) زحام
شديد ، أين يمكن ان اكون ؟ الدفان :
حدثني احد الكلاب .. ان توزيع الجثث يتم بطريقة
غير عادلة ... الرجل : ( ينادي ) هل
من احد هنا ؟ هـــــــي .. أنتم ... الدفان
: ( متواصلا ) أنا ادعو دائما الى
المساواة ، لا فرق عندي بين كلب وآخر ، نحن أسرة
واحدة متماسكة ، كل مشاكلنا نحلها
بالنباح ، اقصد بالطرق الديمقراطية ، بالحوار مع
الاخر ، بالشفافية ، بالمصادقية ،
بالمظاهرات السلمية ، بالاحشاء ، بالعظام
بالاعتصامات ، بـ .... الرجل : قبور
، موتى ، جثث ، سراديب .. من انت ؟ الدفان
: أنا أقدر تماما كل الكلاب ، ماذا
تفعل عندما يداهمها الجوع ، الجثث هنا منتشرة
وبكثرة ، عندما تكون سببا في انقاذ
كلب ، فهذا يكفي لان تشعر بالكبرياء . الرجل
: وما الذي تريده مني ؟ لغتك لا
افهمها . الدفان : اطمئن ، سأحرسك حتى يأكلك الدود
وينتهي ، لا يمكن ان نعقد مقارنة بين
الدود والكلاب ، الفرق شاسع بالمفهوم الانساني
. الرجل : هل نمت كثيرا ؟ واين كنت ؟
في أي يوم نحن ؟ الدفان : في يوم جميل وسعيد
. ( موظف الاستعلامات يقوم بقياس حجم
الحفرة ، بعدها يقيس طول الرجل وعرضه ، ثم ينصرف
ليسجل الارقام في سجل كبير جدا ... )
الرجل : من أنت ؟ الدفان : د .. فـ .. ا .. ن
... الرجل : دفان ؟ دفان لمن ؟
الدفان : سؤال تافه . لموتى هذه المقبرة ، العمل
متوفر هنا ، اعرفهم كلهم بأسمائهم
وتواريخ دفنهم ، هذان الذراعان تشرفتا بحفر جميع
هذه القبور ( يشير الى القبور ) .
الرجل : أ تسمح أن تقول لي .. كيف اخرج من هنا ؟
الدفان : تخرج ؟ من أين ؟ الرجل : من
مقبرتك . الدفان : الى اين ؟ الرجل : الى بيتي
؟ الدفان : الموتى لا يخرجون من هنا
أبدا . الرجل : لست بميت . الدفان : كل الجثث
تحاول الفرار من قبضة الموت بحجة
الحياة . الرجل : ولماذا ترفض أن أكون حيا ؟
الدفان : الحفرة هي عالم الأحياء
الأبيض ، الهادئ ، الجميل ، الرحب ... الرجل : إذا
كان الأمر هكذا لـــم لا تدفن نفسك ؟
الدفان : ومن يدفنكم أيها الأحبة ؟ من يهيل
التراب الناعم على أجسادكم الرقيقة ؟
من يحرسكم من الكلاب ؟ الرجل : أنا افعل هذا
بدلا عنك . الدفان : لا يمكن .. انك
لا تعرف حتى كيف تمسك المعول ، لايمكن أن تكون
دفانا ، هذا العالم ليس بعالمك على
الإطلاق ، دع الحياة الحقيرة لنا نحن الحقراء
واذهب الى النعيم . الرجل : لا أتذكر
سوى أنهم أخذوني وانا نائم على سريري ، ولا
اتذكر سوى سياطهم التي زرعوها في
جسدي ، بعدها نسيت حتى اسمي . الدفان : ما اروع
ذلك ! ماذا فعلت لهم لكي يأتوا بك
الى هنا ، يدك الناعمة ( يلمسها ) ما اجمل هذا
الخاتم ! الرجل : لم ارث من أبي سواه
. الدفان : دفنك لا يعني إطلاقا دفن تراث
الآباء معك ، انا احترم تراث الشعوب
. الرجل : لغتك الباردة تبحث دائما عن حكايا
ساخنة ، هل ابدو حكاية ايها الدفان
تتسلي فيها وتطفئ بها رغباتك المستعدة لدفن
العالم كله . الدفان : انها لغة خاصة
، خاصة ، لكوني من عائلة مقبرية مهنتها الدفن
، نولد في المقابر ، بين القبور
تضعنا أمهاتنا ، نَدفنُ ونُدفنَ فيها ، جدي كان
دفانا بارعا .. الجثة يقوم بدفنها
بلمح البصر ، أبي كان فنانا في دفن الجثث
الجماعية ، أولادي توزعوا على مقابر
المدينة كلها ، يؤدون دورهم الإنساني والجليل
خدمة للإنسان وتطلعاته الحفرية ...
الرجل : عائلة مشرفة . والآن هيا أخرجني من هنا
، لا تكن قاسيا هكذا ( يصرخ به ) أنا
عطش جدا . الدفان : والدفن ؟ الرجل : دفن من ؟
الدفان : دفنك ! الرجل : ( يضحك ) ما
زلت حيا صدقني . الدفان : ولــم لا تصدق انك
ميت ؟ الرجل : تعال واسمع نبضات قلبي
، اسمعها . الدفان : أكاذيب لن تنطلي عليّ
. الرجل : كما ترى وتسمع ، اتحرك ،
اتكلم ، افعل أي شيء تريد . الدفان : كل هذه الجثث
( يشير الى القبور ) كانت تتحرك ،
تتكلم ، لكنها في نهاية المطاف دفنت ، دفنت يا
جنازتي العزيزة . الرجل : الموتى لا
يتكلمون . الدفان : تخريف ، كل ليلة أسهر انا
وهؤلاء الموتى ، نعقد حوارا ، نتجادل
، نتشاجر ، نغني ، نرقص ، هم الأحياء فقط ،
فقط ... ! الرجل : أ يحدث هذا كل يوم
؟ الدفان : في مثل هذا اليوم فقط ، يأتونني
بجثة طازجة ، يعطونني أجرة الدفن
وينصرفون ، كثيرا ما تركوني بلا أجرة ، لكنني كنت
آخذ أجرتي بطريقتي الخاصة . الرجل :
أجرة ، ميت ، جنازتي ... لــم لا تدعني اخرج
بدلا من هذه الثرثرة ؟ الدفان : يا
للحزن .. نسوك بلا أجرة دفن ! الرجل : إنني
اخاطب فيك انسانيتك ، قد تبدو انسانا
.. أخرجني من هنا . الدفان : يترتب على هذا
النسيان ان أبيع أحد فخذيك ، أو
ذراعيك ( يتفحصه ) لاشيء فيك مغر ، ملابسك رثة ،
ربما افكر كيف استفيد من احشائك او
الصالح منها للعمل . الرجل : أ لديك خريطة
للطريق ؟ الدفان : تخريف آخر ..
أسمعت بجثة هربت من قبرها ؟ شيء مضحك ( للقبور ) هل
سمعتم انتم بذلك ؟ الرجل : كيف اثبت
لك بانني لست بميت ؟ هل انت اعمى ؟ حسنا ، ما
رأيك بالصراخ ، سأصرخ ( يصرخ )
آآآآآآووووو .. ها ما رأيك ؟ الدفان : انظر الى هذا
القبر ( يشير الى احد القبور ) ظل
صاحبه قبل ليلتين يصرخ حتى الفجر وهو يركض هنا
ويركض ويركض ويركض ودفنته وهو يركض
.. كانت دفنة تراثية . الرجل : لا تملك سوى
مفردات لا تلتقي بما يحمل رأسي من
مفردات ، كيف احاورك ؟ ( يهمس له ) ما رأيك ببعض
النقود . الدفان : أجرة الدفن تقصد ؟
الرجل : لا .. انها من اجل ان اخرج من هنا
. الدفان : رشوة ؟ الرجل : أتعابك .
الدفان : شكرا لأساءتك .. هذه هي نهاية العالم ،
لتتهدم كل القبور ، لينهض الموتى
القدماء .. لكي يروا باعينهم التي اكلها الدود الى
أي قعر سحيق وصلت اليه اخلاق الموتى
الجدد ، رشوة ؟ أ يمكن لمثلي ان يخون شرف مهنته
؟ ( يبكي بقوة ) الرجل : ماذا ينفعك
وجودي هنا ؟ الدفان : ( يتوقف عن البكاء ) لا
تهمني المنافع الشخصية بقدر ما يهمني
واجبي . لقد وجدت هنا لكي أدفن ، ووجدت انت
هنا لكي تدفن ، انا وانت كالقطة
والخروف لا نستطيع ان نستغني عن بعضنا الاخر
. الرجل : قطة وخروف ؟! ابحث لك عن
لعبة اخرى ارجوك . الدفان : أيرضيك ان اصبح عاطلا
عن العمل ؟ لا يرضيك . اذن ادخل
حفرتك بهدوء ايها المتوفي . الرجل : تتكلم بجدية ؟
الدفان : كلكم تتصورونني مهرجا .
الرجل : لن اسمح لك بلمسي . الدفان : لن ألمسك ،
بل سأدفنك ، أدفنك برفق ، لن تشعر
بثقل التراب الرطب ، اخترت لك وسط هذا الزحام
الخانق حفرة تليق بك . الرجل : إذن
أنت جاد فعلا في دفني حيا ؟ الدفان : حيا ؟
لــــم هذه الصورة البشعة التي
ترسمونها لي ، انا اعمل فقط ، هذه هي طبيعة عملي ،
كيف أدفنك حيا ؟ كيف ؟ في حياتي
الحفرية كلها لم أجرؤ على دفن فأر واحد ما زال على
قيد الحياة . الرجل : حاول فقط ان
تتأكد من صحة معلوماتك ، أنا ارفض أن أكون ميتا ،
وسأظل ارفض وارفض وارفض ... الدفان :
من حقك جدا ان ترفض يا صديقي الميت ، حقك ،
ارفض ، ارفض وبصوت عال ، ولكنها
مضيعة للوقت ، انك لا تحترم الوقت ، والى مَ تظل
رافضا يا ميتي ؟ الرجل : الى ان اجد
نفسي حيا . الدفان : لن تجدها ايها المرحوم ،
كريهة هي الحياة ، لها رائحة لا تطاق
. الكل موتى يا عزيزي . الرجل : انهم احياء
.. لكنك تتخيل ان كل شيء ميت لانك
انت الميت ، لانك لا تريد ان تخرج من مفردات هذه
المقبرة ، لانك لا تدري ان هناك حياة
خارج هذا المكان ، لانك لم تسمع يوما
بالعصافير ! لانك ... الدفان : كلمات
سمينة قد تؤدي الى غسل دماغي الوسخ ( بحزم
) فضل كبير مني ان يجد امثالك شبرا
واحدا في هذه المقبرة ، انظر ، اضطر دائما ان ادفن
جثة فوق جثة فوق جثة فوق جثة . لا
احد يقدر هذا العمل المبدع ابدا . الرجل : سأموت
من العطش ايها المبدع . الدفان :
وهذه من ضمن الاشياء التي تتخيلها ! الرجل : كيف
أتخيل العطش ؟ كيف ؟ الدفان : كل من
يدخل الى هذه المقبرة فهو ميت ويلزم دفنه بسرعة
. الرجل : ( صارخا ) انا حي ، وسأظل
حيا ، وسأصرخ بانني حي ، حي ارزق ، انا حي حي
حي حي حي ... الدفان : تعودت ان اسمع
هذه المفردة البائسة ( بامتعاض ) حي . الرجل
: أحملك المسؤولية كاملة في محاولة
دفني حيا ، انا املك الرغبة بالاستمرار ، هل تفهم
؟ الدفان : يا للحزن .. انت تريد
الاستمرار ، وهؤلاء ( يشير الى القبور ) كانوا
يريدون الاستمرار ( يصرخ به ) وانا
اريد الاستمرار .. فمن يدفن اذن ؟ من ؟ هل تبقى
المقابر بلا قبور ؟ بلا جثث طرية
طازجة ؟ أ ترضى ويرضى ضميرك الميت ان يموت الدود
جوعا لا لشيء سوى انك تريد الاستمرار
( يبكي ) ألا تملك ذرة رحمة في قلبك ؟ الرجل
: ( مع نفسه ) يبدو انني في ورطة
كبيرة . ( يقفز موظف الاستعلامات مسرا ، يسلم الدفان
كفنا ) الدفان : عليك الان ان تخلع
ثيابك وترتدي كفنك بنفسك .. هل هناك اعظم من هذه
الحرية ؟ هل هناك انبل من احترامي
لحقوقك الخاصة ؟ هل وجدت يوما في حياتك من يحاورك
ويحترم افكارك ؟ خذ كفنك . الرجل :
لست بحاجة الى كفن . الدفان : لا يمكن ان تدفن
عاريا ، ألا تستحي ؟ خذ كفنك وكن
مرحوما عاقلا . الرجل : ( بتقزز ... ) ابعد عني ،
ابعده ... الدفان : الحرية ان تحترم
افكار الاخرين . عنادك يضحكني ، انه رداؤك
الجميل . الرجل : ابتعد ، لا تلمسني
، انك تثير قرفي ، ما اقذرك ... الدفان : شكرا
لهذا الاطراء .. جثة متعبة . ( يعطي
اشارة الى موظف الاستعلامات الذي يهب بغضب
شاهرا معوله ، يهدد به الرجل تارة
واخرى يحاول ضربه ) الرجل : سيضربني ... الدفان
: ستخلع ثيابك قطعة قطعة وبهدوء .
الرجل : ( صارخا به ) حتى ثيابي تختارها لي وبذوقك
انت .. ابتعد عني . الدفان : سأعد من
الواحد الى الواحد .. بعدها يغرز معوله في
صدرك ، اود ان اهمس في اذنك : ان
المعول سيخرج من ظهرك مباشرة . الرجل : لا أريد ان
اخلع ثيابي .. لا اريد . الدفان :
تخجل ؟ الرجل : لا اريد فقط . الدفان : سأعد
... الرجل : انتظر قليلا ، فقط
اسمعني . ( موظف الاستعلامات يحاول الهجوم عليه رافعا
المعول ) الدفان : سأعد ... الرجل :
لا تعد ، توقف ، حاول ان تفهم . الدفان : سأعد
... الرجل : سيضربني هذا الارعن .
الدفان : سأعد ... ( الموظف يهم بضربه ) الرجل : ســ .. سأخلع ( يصرخ )
سأخلع ، سأخلع ملابسي ، سأخلع من اجل ان تظل انت مرتديا
ثيابك . الدفان : قطعة قطعة وبهدوء
... الرجل : ( يبدأ بخلع ملابسه بألم واضح ،
يرميها غاضبا ، موظف الاستعلامات
يجعله يرتدي الكفن بطريقة عنيفة ) الدفان : انك
الان ميت حقيقي ، جنازة غادرت عالمها
المزيف ، التافه الى عالم البياض. ارقصي يا
جثتي رقصتك البرزخية ، ولترقص معك كل
الجماجم والعظام والاعمدة الفقرية ، ارقصي
ايتها المقبرة .. ها هو ابنك الجميل
قادم اليك . اعزفي يا شواهد ، غنّي ايتها
القبور . ( موظف الاستعلامات يجمع
ملابس الرجل ويعود الى مكانه ) الرجل : لا افهم
قاموس كلماتك ، باية لغة يمكن ان
اتحدث معك ؟ لم اكن لأكون هنا ، ولم اكن لتكون
روحي ما بين مسحاتك والمعول ، اتركني
انا وقدميّ نمشي بلا توقف ، نبحث ، نصرخ بلا
اوراق رسمية او تبعات . الدفان : أشم
رائحة خطورة في كلماتك ، رفض ، احتجاج ،
استنكار .. لابأس . لنتحدث بما هو
اهم : ماذا تقترح ان نأخذ منك بدل اجرة الدفن
ايها الفقيد الراحل العزيز ... ؟
الرجل : كفّ عن اطلاق الصفات كما تشاء . الدفان
: لقد مللت الاذرع والسيقان ، وسئمت
الجماجم والعظام ، وكرهت الاحشاء والبلاعيم ، لا
تقل لي خذ كلية او عينا او معدة ..
مللت من كل هذا ( ينظر الى اصابعه ) هل تسمح بأن
ألقي نظرة على اصابعك الجميلة ؟
الرجل : ماذا فعلت هي الاخرى ؟ الدفان : لاتكن سيء
الظن دائما ، مجرد استطلاع بريء (
الدفان يأخذ اصابعه ، يتفحصها ، يلمس الخاتم
) اعتقد انك تشاركني الرأي . الرجل :
في ماذا ؟ الدفان : ان الخاتم يفي بالغرض
! الرجل : ( يصرخ ... ) الخاتم ؟ لا
. اعطيك أي شيء الا هذا الخاتم ! الدفان : هذا
يثبت انه على قدر كبير من الاهمية .
الرجل : بل هو شيء آخر لا يمكن ان يفهمه رأسك
المعبأ بمفردات الدفن والعظام والدود
، لا يمكن ان تملكه ، انه جزء من اصابعي ، لن
تستطيع انتزاعه . ( يأتي موظف
الاستعلامات مسرعا شاهرا معوله ... ) الدفان : سنحاول
.. لن نخسر شيئا . ( يهجمان عليه ،
يحاولان انتزاع الخاتم من اصبعه وسط صراخه ،
لكنهما يفشلان ) الرجل : ابعدا ،
اتركاه ، لا .. اصبعي . الدفان : انه لا يخرج من
الاصبع فعلا . ما اروع ذلك . الرجل :
ألم اقل لك ذلك ؟ الدفان : صدقت ، انك تثير
دهشتي ايها المتوفي ، لابأس . لا
تقلق ، سننتزع اصبعك والخاتم معا ! الرجل : ( بخوف
) اصبعي ... ؟! الدفان : أجرة الدفن
، لن تمانع بالتأكيد ، هذا حق من حقوقي ، بما
ان من واجبي دفنك بالمقابل حقي
يدعوني لبتر هذا الاصبع الثمين . الرجل : انك تهشم
اجزائي ، تلك الاصابع ، انظر اليها
.. بيضاء كأن في عروقها دما ابيض . الدفان : كلهم ناموا بلا اصابع يا
جنازتي ، لــم لا تفهم ( يشير الى القبور ) من الحماقة ان
ادفنك مع الخاتم ، ادفنه لمن ؟ للدود
؟ أيرضى ضميرك ان تدفن كل هذه الاموال تحت
التراب ، أي منطق غريب هذا ؟ الدود
لا يلبس الخواتم . الرجل : ما أقسى ان أصبح
مشروعا دائما للتقطيع ! الدفان :
سيتشرف خاتمك بأن يغفو في هذا الاصبع غفوته
الابدية ( يبرز اصبعه ) انظر الى
نحافته وطوله الفارع . ( يهجمان عليه ، موظف
استعلامات المقبرة بمعوله ، والدفان
يمسك فأسا ، نسمع صرخات الرجل وصياحه ، يقطع
الاصبع ، الدفان يضع الخاتم في اصبعه
، الموظف يبدو فرحا .. ينصرف الى طاولته
) الدفان : ما أجمله ... الرجل : (
بألم واضح يبحث كالمجنون ) أين الطريق ؟ اين ... ؟
اريد الخروج . الدفان : تحتاج الى
الف سنة ضوئية حتى تعثر على الطريق ! الرجل : انا
عطشان جدا ، اريد ماء . الدفان :
كثرت طلباتك ايها الميت ، يمكنك ان تحفر . الرجل
: احفر ؟ ( يمسك المسحاة ويبدأ
بالحفر ) اين ؟ هنا ؟ في هذه الحفرة ؟ اين الماء ؟ اين
انت ايها الماء ؟ الا تخرج ... (
يتوقف عن الحفر ) الدفان : اشرب يا عزيزي ، اشرب
( يعطيه حفنة من التراب ) ستشرب كل
هذا بعد لحظات . الرجل : شيء ما في احشائي يحترق
. الدفان : هناك وسيلة واحدة تستطيع
بها الحصول على شيء من الماء ( يأخذ منه المسحاة
) هذه المسحاة خذها ... ( يرميها له
) الرجل : ماذا افعل بها ؟ الدفان : تضرب بها ،
تقاتل ، تدافع عن نفسك وعندما تفوز
تحصل على الماء . ( يأتي موظف الاستعلامات حاملا
معوله ، يتقابلان ، الرجل يمسك
المسحاة ، تبدأ المبارزة باشارة من الدفان ، يتفرج
بتلذذ ، نرى ان كفة النزال تصبح
لصالح الموظف ، الرجل يسقط ) رائع
، رائع .. نزال
رائع ، المشكلة انك تعطي نفسك حجما
اكبر منها في حين انك مجرد مجموعة من العظام
المنخورة . الرجل : لاشيء يربطني بك
، لا اشبهك ، انت شيء من قرن بدائي ، حيوان
منقرض ، كيف لزمنك الميت ان ينتمي
لزمني الحي ( يصرخ به ) من انت ؟ الدفان : تأخرت
كثيرا عن حفرتك . الرجل : ( بحزم )
سأخرج من هنا . الدفان : تخرج ؟ الى اين ؟ الرجل
: لن ابقى لحظة واحدة هنا . الدفان :
ايمكنك الخروج ؟ الرجل : اتركني احاول فقط
. الدفان : تفضل ، حاول ، هيا .. حتى
اثبت لك حسن نواياي ، اخرج من هنا ، هيا
... الرجل : حقا ؟ اخرج ، انا اخرج ،
لا اصدق ، سأخرج ، ساخرج ... ( يذهب مسرعا
.. يحاول تسلق الجدران ، يصيح ،
يحاول ثانية بالتسلق ، يسقط تعبا ، ينهض بصعوبة ، يأتي
الى الدفان ) الدفان : انك ميت طموح
، ولكن لا مجال هنا للطموحات . الرجل : جدران ،
جدران .. صوتي لن يتخطى حاجز هذه
الجدران . الدفان : والان الى الحفر ، اكمل حفرتك
بيديك ، الحفرة هي المستقبل ، انها
ملك صرف الرجل : احفرها بيديّ ؟ الدفان : ان
تحفر حفرتك بيديك .. هذا هو قمة
السمو والرفعة والتواضع . الرجل : لا اريد شيئا سوى
الخروج . ( يأتي موظف الاستعلامات
شاهر معوله ) الدفان : انظر ماذا فعلت ؟ الرجل
: قل له ان يبتعد . الرجل : لا يمكن
.. انه لا يسمع ، لا يتكلم لايحس ، لايضحك ، يبكي
.. انه شيء صنع من مجموعة كبيرة من
العظام والجماجم ، شيء من اللحوم المتفسخة
والدماء اليابسة ، انه وحيد البوز ،
يعيش على الجثث الطرية اللذيذة . ( الموظف يدور
حول الرجل ) الرجل : سيضربني ...
الدفان : لا جدوى من المقاومة . الرجل : كيف احفر
حفرتي . الدفان : بالمسحاة . الرجل :
أقصد لا يمكن . الدفان : لا شيء مستحيل ، وإلا
من حفر حفر هؤلاء ( يشير الى القبور
) هم بأنفسهم ، سأعد من الواحد الى الواحد
. الرجل : لا تعد .. انتظر ، حاول أن
... الدفان : لا اعرف رقما سوى الواحد ، سأعد
... الرجل : انتظر ... ( الموظف يهجم
عليه ) توقف ، قل له ان يتوقف ، سأحفر ، سأحفر
الدفان : ( يشير للموظف بالتوقف )
والان سأترك لك مهمة شرف إكمال حفرتك بنفسك.
الرجل : سأحفرها ... الدفان : احفرها
بالمواصفات التي تناسبك ، هذا كرم زائد مني
. الرجل : أين المعول ؟ الدفان : (
يعطيه المعول ) خذه .. الافضل ان تغادر هذا العالم
الميت بسرعة ( الرجل يحفر بتواصل )
خذ من الوسط ، الطول ايضا فانت طويل القامة ،
رأسك يجب ان يستقر في رقاده الاخير ،
احسنت ، تصلح ان تكون دفانا . ( ينتهي من
عملية الحفر ، يبدأ الموظف بأخذ
القياسات اللازمة لحفرة الرجل ) الرجل : هل تسمح
بكلمة اخيرة ؟ الدفان : كلمة ، لا .
ماذا تريد ان تقول ؟ سأتكلم بالنيابة عنك
( يقوم بدور الرجل ) 17 انهم
يدفنونني حيا ، لا لشيء سوى انني ارفض عملية دفني هذه ،
ارفضها ولن اسكت ازاءها ، بل ارفضك
ايها الدفان الحقير ، القاسي .. الذي لم يعطني
قطرة ماء واحدة ، انظروا الى قساوة
وجهه اللعين . انه لا يريد ان يصدق انني مازلت
على قيد الحياة ، ولكن روحي ستطاردك
ايها الدفان ، وسأطالب وفي قبري ان تطرد من
الحياة كلها ، وان تموت اتعس ميتة ،
لن يدفنك احد ، وستظل بلا كفن . مت ايها الجبان
، مت ايها الدفان الوضيع ، مت ، مت ،
مت ... ( يصفق الدفان لنفسه بعد ان يتوقف عن
اداء دور الرجل ) 18 ها ما رأيك ؟
الجميع ملّ هذه الثرثرات ، ادخل حفرتك ايها الميت
، سنشيعك الى مثواك الاخير تشييعا
يليق بك ، افضل من اطنان الكلمات التي لاتشتعل
ولا تساعد على الاشتعال . ( يقومان
بتشيعه وسط صمت مطبق ، موسيقى جنائزية تتسيد
المكان ، يدخلانه الحفرة .. بعدها
يقوم الدفان بإهالة التراب عليه بمهارة ، وعندما
ينتهي يقوم موظف استعلامات المقبرة
بجلب باقة من ازاهير يضعها على القبر بكل أدب
واحترام . . ثم ينصرف بحزن ) ( انتهت
).
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
* كاتب واعلامي عراقي ـ 1999 العراق – الناصرية
Alizai300@yahoo.com