أوجدت العلاقات
الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وكذلك البنى الثقافية السائدة في فترة تاريخية
معينة نمطاً معيناً من الحياة، بقيمه الخلقية والروحية، يدفع الإنسان مهما كان
انحداره الطبقي إلى ربط أحلامه وطموحاته بالنمط والمثل الحياتي السائد، وفي لمجتمع
النامي نجد ان نمط الحياة السائد يدفع مصائر العديد من أفراد المجتمع ولاسيما أولئك
المنحدرين من طبقات اجتماعية وسطى ودنيا، إلى التشبث بنمط الحياة المدني المتحضر
السائد مما يبعدهم عن التفكير الموضوعي في واقع حياتهم نفسها وعن تطويرها ومن ثم
تغييرها.
وبما أن هؤلاء الأفراد لايختارون الظروف ولا العصر الذي يعيشون فيه، فان إعادة خلق
الإنسان وغرس القيم الروحية الثقافية الأصيلة فيه، وإعادة تربيته تولد لديه الوعي
الكامل بتلك الظروف، ويمكنه بذلك استنباط طرق التغيير في تنامي قدراته وإغناء ذاته.
إن
الغالبية العظمى من فئات المجتمع العربي ، لاتملك سوى قوة العمل الوسيلة الوحيدة
للوجود مما يخلق نمطاً اجتماعياً متخلفاً للسلوك ومعايشة الواقع تغيب فيه كل رابطة
أساسية بين الإنسان وذاته ويتقوقع داخل نفسه في عزلة تامة عن محيطه، ويزيد من غربته
ذلك السيل العارم من الإعلام الثقافي الذي يشيع البلبلة والغثاثة والسطحية والجهل
المركب، مقدماً حصيلة من المعاني والوسائل الاحتيالية، تصرف الفرد عن الإتيان بأية
فعالية إنسانية حقيقية تساهم بدورها في خلق القيم الثقافية الأصيلة والتي تعمل على
تغيير أسلوب ومستوىحياة هذه الفئات وبخاصة الشعبية منها تغييراً عميقاً.
ولا شك إن القيم
الثقافية الأصيلة التي نعنيها هنا، هي الحضور الشامل للقيم الإنسانية التي تحتضن في
جوهرها إنجازات الإنسانية على مر العصور، أنها تختصر ثمرات جهود الإنسانية
بصراعاتها ونجاحاتها وإخفاقاتها، وتقدمها من ثم خبرة ثرة للفرد وللمجتمع من اجل
المستقبل.
فليست هناك ثقافة تخص هذا المجتمع أو ذاك فقط، وليست هناك ثقافة دخيلة أو ثقافة
مستوردة، إنما تتواصل الثقافات في حركتها فيما بينها مؤثرة ومتأثرة، حاملة إنجازات
وبصمات هذه الثقافة أو تلك. وتتفاعل الثقافات وتسند العناصر التحديثية/ التقدمية في
كل منها، العناصر التحديثية/ التقدمية في الأخرى، وتتضافر في صراعها ضد عناصر
التخلف، ولا يتبقى في عملية التطور الاجتماعية بشكل عام سوى ما يستجيب لحاجة
المجتمع في حركته الدائمة إلى أمام وما ينسجم وتطلعاته ضمن خصائصه القومية العامة
والمتأثرة بخصائص القوميات المختلفة المتآخية في البلد الواحد، وفي إطار تراث الأمة
الحضاري ولغتها وتاريخها وظروفها الموضوعية.
وبما أن الثقافة وجميع ميادين البناء الفوقي عملية تاريخية معقدة تخلقها الظروف
الاجتماعية والاقتصادية والتاريخية،فإنها تعمل بدورها على خلق القوانين العامة
للتطورمؤثرة في إحدى تلك المراحل على تطور العملية الاجتماعية/ الاقتصادية نفسها،
والتي تتأخر في بعض الظروف التاريخية الخاصة لأسباب خارجية وداخلية معينة عنالعملية
الثقافية، التي تتأثر بدورها إذا وجدت نفسها عرضة لتحديدات اجتماعية وتاريخية
خاصة.. ولذلك فأن الطابع التحرري التحديثي التقدمي لحالة ما والتقليدي الرجعي مثلاً
يبقى شيئاً موضوعياً لايتوقف عن وعيه أو الوعي به.
ان
الاشكالية الجوهرية هي دائماً معرفة ما إذا كان هذا الاندفاع إلى أمام أو التخلف أو
الجمود أمرا يجري على أساسه قبوله أو رفضه، كما أن الإجابة على تساؤل كهذا تقرره
المواقع الطبقية للمتلقي وللمعطي على حد سواء، وكذلك فأن ما يعتبره المثقف الواعي
المسؤول متجاوزاً في نظره لايمكن أن يكون بالضرورة متجاوزاً في نظر المتلقي أو في
نظر أوسع قطاعات المجتمع، وبعبارة أخرى فإن المثقف الواعي يجب أن يعي أن ما يبدو
بدهياً بالنسبة له، ليس بالضرورة بدهياً لقطاعات كبيرة من المجتمع، ومن هناتنبع
مسؤولية المثقفين التاريخية في توعية المجتمع بنشر الفكر التحرري التحديثي التقدمي
والخبرات العالمية الراقية إلى جانب التعرض النقدي للظاهرات المتخلفة وللجمود
المعرفي، والكشف المتواتر لعمليات التشويه المتواصلة للقيم الثقافية والخلقية،
ولعمليات التفريغ المدروسة لمحتوى الثقافة عامة والتي تكون فكر الإنسان وعالمه
الداخلي.
والمعلوم ان المثقفين عموماً وفي مختلف البلدان، وهم ينتمون إلى الطبقة المتوسطة
الوظيفية أو العاملة يجدون أنفسهم(إلى جانب وعيهم التام بالتناقضات) يشكلون أطارا
للنظم القائمة والتي لا مجال لمناقشة غاياتها ومعناها، ومن هنا تبرز أهمية تلك
اللحظة في حياة المثقف عندما يعي مسؤوليته التاريخية تجاه مجتمعه، وعندما يعرف انه
يجب أن يساهم في بناء مجتمع جديد خالقاً بإنجازاته العديدة في مجالات الأدب والفن
والسياسة وجميع ميادين البناء الفوقي، علاقات جديدة بين المجتمع والعلم والثقافة
والفن، يعمل آنذاك بوعي على نشر ثقافة عامة تساعد على تطوير الفكر النقدي لدى
المجتمع، لأنه يعي تماماً تلك الظروف الحياتية الصعبة التي تلف حياة الأوساط
الكادحة وغالبية قطاعات المجتمع العامل والتي تعيق بدورها مسيرة التطور وأتساع
مديات الثقافة، ومن ثم تعمل على إسقاط الأثر الفكري الناضج لأية دراسات أو قرارات
أو معلومات عامة أو أية ثقافات تقدم إليه في أطر التطور الهائل لوسائل الإعلام، أي
تطور (حوامل) الثقافة العصرية.
ولما كانت وسائل الثقافة العصرية من إذاعة وتلفزيون وفضائيات.. لها ذلك التأثير
الواسع الانتشار بإملاء كل ما يراد قوله على السامع أو المشاهد وهو في عقر داره،
ولما كانت تذيع السيء والرديء إلى جانب الجيد، وتنشر مآثر الثقافة الكلاسيكية إلى
جانب الهزل الرخيص، فإن المردود الثقافي يكون سلبياً وتختلط فيه القيم في فوضى
عجيبة، ومن ثم يصبح كل ما يقدم خدعة لاتعمل على تطوير الذات الإنسانية بل بالعكس،
تعمل على ضياعها وتدفع المتلقي إلى الهروب من الواقع إلى عالم من الأوهام إلى جانب
تشتيت وعيه، تضاف إلى ذلك آلية الحياة الجافة التي يعيشها فيزداد ضياعاً وتنهار
قيمه ومأثوراته.
لقد أصبح الفرد في المجتمع العربي مزدوج الذات ومخلوقاً أنانياً في وجوده غير
المباشر وفي وجوده كمواطن بل وأصبح فرداً لاحضور له، فقد أصبح بعض المثقفين يتصرفون
بلباقة أكثر وأصبحوا يصفقون لكل شيء ويمدحون كل ما يحيط بهم في استماتة للحفاظ على
وجودهم، وأصبح كل واحد منهم يحاول أن يحتل مكانه في الحياة دون أن يتغلب عليها ،
وما عدا ذلك لا يهم..!.
إن
مواجهة مثل هذا الواقع تتطلب تربية وعي ثقافي يعمل على تغييره ويتداخل في وجدان
أفراد مجتمعنا الطيبين الذين عاشوا قروناً في ظلام التخلف ومازالوا يرزحون تحت عبء
عمليات التجهيل المستترة والواضحة تحت جميع الشعارات، وفي سبيل خلق ذلك الوعي
الثقافي ونشر الثقافة الحقيقية الأصيلة بينهم، من الضروري المشاركة الفعالة من قبل
جميع المثقفين والأدباء والفنانين والعلماء إلى جانب السلطة في صنع الوضع الثقافي
الجديد مبتعدين عن الارتجالية والعشوائية والتخبط حتى نتمكن جميعاً من اقتحام
الواقع وامتلاك القدرة على تغييره.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* كاتبة من مصر.