|
تمر منطقتنا اليوم بمرحلة شديدة الدقة والحساسية لجهة التهديدات
الخارجية التي تتعرض لها دول وشعوب المنطقة، مستهدفة النيل من سيادتها وكرامتها ،
وتطويع إرادتها، ساعية لتغيير قيادة من هنا، ونظام من هناك، لا لتطبيق قرارات دولية
منسية، وإنما لإطلاق يد الكيان الصهيوني الذي يرتكب أبشع الجرائم الإنسانية بحق
أبناء الشعب الفلسطيني البطل، وليحاول النيل من الأمة جمعاء في مصالحها ومقدراتها
ومقدساتها، والقضاء على بنيتها التحتية . وتحت شعارات مزيفة لم تعد تنطلي على أحد،
يتم تقسيم العالم، فمن ليس معنا فهو ضدنا، فلا حياد في المعركة ضد الإرهاب. بلى!
ولكن أي إرهاب هو؟ بعد أن قلّبت سياسة الكيل بمكاييل المقاييس الدولية، فأصبح
الضحية هو الإرهابي، والجلاد هو المكافح للإرهاب، وبات السعي لتحديث البلاد ومواكبة
التطوّر والتكنولوجيا الحديثة والخاضعة لمراقبة الهيئات الدولية المعنية في سبيل
تطوير المجتمع المدني وخدمة السلام العالمي إرهاباً وسعياً وراء أسلحة الدمار
الشامل، بينما يمتلئ الكيان الصهيوني بمئات من هذه الأسلحة في سبيل حماية جرائمه
وسياسته العدوانية والتوسعية في المنطقة. ويبدو أن هذا العصر يستلزم الحوار أكثر من
أي زمن مضى ، ذلك أنه على الرّغم من التقدم التكنولوجي وسائر الفتوحات المعرفيّة
إلا أنه لا تزال تخيّمُ أجواء كالحة جرّاء الإقصاء والنفي الملحوظ والعُجب بالرأي .
فنحن لم نستطع حتى اللحظة إشاعة مفاهيم الحوار والقبول بالآخر سواء أكانوا ممن
ينتمون إلى منظومة فكرية واحدة ويختلفون في قراءة مرجعياتهم ، أو كانوا يتباينون في
التوجهات الثقافية ، وحتى الدين لم يسلم من تفرق لتغييب أتباعه لغة الحوار والقواسم
المشتركة على الرغم من النداء الإلهي والوصية الربانية المقدسة ( أن أقيموا الدين
ولا تتفرقوا فيه ) .سورة الشورى الآية (13) أما سياسيونا ومثقفونا ففي حالة تنابز
وتنافر وشقاق ، فبعض الأولين سجونهم لا صدورهم مفتوحة لمن حاورهم ، وبعض المثقفين
حولوا آراءهم إلى منصة تشهيرية وشتائمية وتحول البلد الكبير إلى حلبة صغيرة للصراع
وكثيراً ما تنتهي جولاته بمآس دموية . كما أن الغرب من أبناء أسرتنا الإنسانيّة لم
يكن أسعد حالاً من المشرق إذ طالما بشّر بانتهاء التاريخ وصدام الحضارات ووصف نفسه
بأنه محور الخير والنسر النبيل وكثيراً ما يستبدل بالكلمة اللكمة لحل مشاكله
الخارجيّة . ولئن أسقط متطرفونا برجين لهم فإنه أي الغرب سينسف كل معالم حضارته إذا
لم يفتح نافذته للحوار وتفهُّم الشعوب الذين يتنفسون الهواء معه . والسؤال المطروح
في هذا السياق ، هل يريد الغرب لحضارته أن تكون حضارة الآلات لا القيم؟ إن الجهالات
هي التي تتصادم كما يقول المفكر البروفسور إدوارد سعيد أما العقول الكبيرة والعواطف
الرقيقة فلا بد من تلاقيها وحوارها . هذا العالم الكبير هل تحول إلى حاجز للتواصل
الإنساني بتسارعه وقفزاته العلميّة ؟ . ترى هل التقدم التكنولوجي يحرم الإنسان من
أنسه بأخيه الإنسان وتلهفه للحوار معه ؟ . هل هدير المصانع وضجيج الماكينات وصخب
السيارات وأزيز الطائرات وجاذبية الكمبيوتر واختراقات الأنترنت وطبول صرعات القنوات
الفضائية حرمت التعايش السلمي مع أخيه الإنسان ؟ . يجب أن نعترف أنه بغير الحوار
ليس ثمة مجال للتعايش السلمي فوق الكرة الأرضية . إن شأن القوة الاعتداء وشأن
المنفعة هو التزاحم وشأن العنصرية التجاوز على الآخرين كما يقول الأستاد سعيد
النورسي . إنه في ظل غياب لغة الحوار تطفو التصرفات غير العاقلة وتدفع البشرية
ثمناً باهظاً لذلك . ولكن أي الحوار ندعو إليه ؟ إنه ذاك الذي يحترم الاختلاف
ويوظفه في سبيل الائتلاف ويدعو إلى التسابق في إعمار الحياة للعيش المشترك . فمن
الحقائق الكبرى التي كشفت عنها نهايات القرن الميلادي المنصرم ومن خلال تجارب
الشعوب ومآسي الحروب ، وصراع الحضارات ، أن الحوار ـ وحده ـ هو القادر على رأب
الشروخ في علاقات الدول ، ومد الجسور عبر المسافات التي تفصل فيما بين الحضارات ،
وهو العنصر الحاسم في نجاح الخطط التنموية لمجتمع من المجتمعات . ولقد أدرك المجتمع
الدولي تلك الحقائق وأدرك معها أن طوق النجاة يكمن في تغليب الحوار بين الثقافات ،
والتعايش بين الحضارات لضمان التوهج والازدهار الفكري الذي لا يحصل إلا بفعل احتكاك
الأفكار وتبادل المعارف . وهذا في مضمونه العميق هو اعتراف بأن العقل ـ وليس القوة
الغاشمة ـ هو سفينة النجاة لشعوب هذا الكوكب ، لتسير بهم إلى شاطئ السلام والأمن
والاستقرار والرخاء . إنها إذن فرصتنا التاريخية ـ نحن العرب والمسلمين ـ لاستعادة
دورنا الريادي بين الأمم والشعوب ، من خلال عطاء ثقافي متميز ، ذلك أن ثقافتنا
وحدها تنفرد وتتميز على سائر الثقافات بأنها تقوم على الموازنة بين القيم المادية
وبين القيم الروحية المستمدة من تعاليم عقيدتنا الإسلاميّة السمحاء وأنها ـ وحدها ـ
التي تنشد خير الإنسانية جمعاء . فيما تنـزع الثقافات الأخرى نحو السيطرة والهيمنة
والإنفراد بالبقاء على حساب الثقافات الأخرى و لا تستهدف سوى خير قومها ، كما إن
العودة بالشخصية الإسلاميّة إلى سماتها الجوهرية كي تؤدي دورها في عالم اليوم بنجاح
هو الهدف الأساسي من الاهتمام بالثقافة الإسلاميّة باعتبارها عاملاً من العوامل
الهامة في التغيير المنتظر. ومن قيم الإسلام الأساسية ومبادئه الأخلاقية البحث عن
الحقيقة والانتصار لها ودعمها بالحجج والبراهين التي تؤدي إلى التفاف الناس حولها
بإرادتهم وحريتهم دون خوف أو إكراه ، وهذا بالطبع لا يتم إلا بالحوار الإيجابي الذي
رسم القرآن الكريم طريقه ، وعبّد مسلكه ومنهجه ، ولقد كان القرآن الكريم خاتمة
الكتب السماوية التي جاءت لتعلم الإنسان كيف يكون الحوار طريقاً للفكر ومنهجاً
للعقيدة والعمل ، وجاء الإسلام ليكون دين الحوار الذي يطلق للفكر عنانه على أساس من
الحجة والبرهان والدليل . الحوار في القرآن الكريم : كان الملائكة يسبحون ويقدسون
الله في ابتهال وخشوع ، ويشاء الله أن يخلق أبانا آدم ـ عليه السلام ـ وهكذا كانت
المشيئة الإلهية ، ويبدأ الحوار في سؤال عن طبيعته وعن دوره وعن سلبياته وإيجابياته
، يقول تعالى : " وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ، قالوا أتجعل فيها
من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون ،
وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبؤني بأسماء هؤلاء إن كنتم
صادقين ، قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، قال يا
آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات
والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون " . يقول المفسرون : إن خطاب الله تعالى
للملائكة بأنه سيجعل في الأرض خليفة ، ليس المقصود به المشورة ، وإنما التعريف بوجه
الحكمة من هذه الإرادة أو المقصود تعليم العباد المشاورة في أمورهم قبل أن يقدموا
عليها ، وعرضها على عقلائهم وحكمائهم ، وتساءل الملائكة : أتجعل في الأرض من يفسد
فيها ويسفك الدماء ، ونحن ننـزهك عما لايليق بعظمتك ولا نعصي لك أمراً؟، وقولهم هذا
إنما صدر منهم على وجه استطلاع الحكمة في خلق نوع من الكائنات يصدر عنه الإفساد في
الأرض ، مع تسليمهم بجلال علم الله وحكمته في كل ما يفعل ، ولا يتنافى تعجبهم
واستفسارهم ـ كما يقول الدكتور عبد الرشيد عبد العزيز ـ مع هذا التسليم ، لأن
التعجب يصدر عن خفاء سبب الفعل ، والملائكة لا يعلمون الغيب ، لذلك فهم بسؤالهم
يستكشفون الحكمة من ذلك الخلق . وقد أجابهم الباري ـ جل وعلا ـ بما يليق بمقامه عز
وجل : " إني أعلم ما لا تعلمون " . ثم أوضح لهم بعض جوانب الحكمة من خلق آدم وجعله
خليفة في الأرض لأنه علمه ما لا عِلم لهم به ، وسخر له ما في الأرض جميعاً ، وجعله
مسيطراً عليه ، وحمّله الأمانة التي لم تستطع السماوات والأرض والجبال ، وعندئذ سجد
الملائكة لآدم سجود طاعة وامتثال لأمر الله جل وعلا . ثم يأتي الحوار في كثير من
المواضع في القرآن الكريم ، مثل ذلك الذي حدث مع إبليس ، ويأتي في أكثر من سورة من
سور القرآن الكريم . ومنها على سبيل المثال سورة الحجر ، حيث يقول الله تبارك
وتعالى : ( وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من صلصال من حمأ مسنون ، فإذا
سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ، فسجد الملائكة كلهم أجمعون ، إلا إبليس
أبى أن يكون مع الساجدين ) . فالملائكة أطاعوا وسجدوا ، وأقام الله لهم الحجة ، أما
إبليس فإنه استكبر وعاند ورفض السجود ، وازداد غيّاً بمحاججة الباري ـ سبحانه ـ
وادعاء ما لا يملكه ، ويحكي القرآن الكريم ما دار بين الخالق ـ سبحانه وتعالى ـ
وبين إبليس من محاورات ، فيقول في آياته : " قال يا إبليس ما لك ألا تكون مع
الساجدين "سورة الأعراف (12) فأجابه إبليس : " لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من
حمأ مسنون "سورة الحِجر (33) وهنا حوار آخر يوضح عدم سجود إبليس حين يقول الله
تعالى : " قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك ، قال أنا خير منه خلقتني من نارٍ وخلقته
من طين ، ، فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين " .سورة
الأعراف ( 13 ) وهناك أيضا حوارات بين ولدي آدم قابيل وهابيل في سورة المائدة آية (
27 ـ 31 ) وكذلك بين نبي الله إبراهيم عليه السلام وعبدة الكواكب ، سورة الأنعام
آية ( 74 ـ 79 ) وسورة مريم آية ( 41 ـ 48 ) وكذلك حوار موسى عليه السلام مع قومه ،
سورة البقرة ، آية : ( 67ـ 71 ) وحوارات أُخرى كثيرة ومتعددة في القرآن الكريم .
وقد وردت كلمة ( حوار ) في القرآن الكريم في ثلاثة مواضع ، اثنان منها في سورة
الكهف في معرض الحديث عن قصة صاحب الجنتين ، وحواره مع صاحبه الذي لا يملك الكثير
من المال وغيره . فقد استعمل القرآن الكريم كلمة (حوار ) في موضعين منها : " ...
فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالاً وأعز نفرا " .. و" ... قال له صاحبه وهو
يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلاً " أما الآية الثالثة
التي وردت فيها الكلمة فقد جاءت في سورة المجادلة في قصة المرأة التي أتت إلى النبي
شاكية زوجها إلى الله : " قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله
والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير " . حتمية الحوار: إن الحوار بين الناس يجب
أن يكون أمراً ضرورياً وحتمياً كي يساعد على تقدم وازدهار الحياة الفكرية والثقافية
، خاصة حين يلتزم بآداب الحوار ، فهو يتيح ـ إذا صدقت النوايا ـ التعرف على جميع
الحالات التي يمكن أن يكون الدليل رمى إليها من وجوه الأدلة . وفي الحوار رياضة
الفكر والذهن ، وتلاقح الآراء وتنوع النظر بما يثري التجربة الإنسانية . أما الخلاف
الذي نهى عنه القرآن الكريم والسنة النبوية ، فهو الخلاف الذي يخرج الإنسان عن
الحقيقة الموضوعية ويسقطه في هوة الذاتية والانفعالية ، ولا يترتب عليه سوى اختفاء
الرؤية العقلية الصحيحة للحقائق والمعارف والمبادئ . ورغم أن الإنسان عرف التحضر
منذ أحقاب عديدة إلا أن تاريخه الطويل لم يخل من الصراع والصدام، ولعل ذلك هو ما
أعطي للتاريخ معنى حسب الفلاسفة وقرّاء التاريخ. وهكذا فبمجرد انتهاء الحرب الباردة
أو ما يعرف بالصراع بين المعسكر الشرقي الاشتراكي والمعسكر الغربي الليبرالي، فان
طعم التاريخ أصبح ممجوجاً في نظر الليبراليين مما دفع إلى الحديث عن نهاية للتاريخ
والتبشير بطغيان حتمي لمشرب حضاري أوحد، وجرى تكريس هذا الاتجاه من خلال واقع
العولمة التي عصفت في البنيان . غير انه في خضم هذه الايدولوجيا الجديدة ومن أجل
البحث عن عدو وهمي لأصحاب الآراء المذكورة آنفا فقد أبى البعض الآخر منهم إلا أن
يصطنع عدواً جديداً على ذلك يعطي للتاريخ طعماً وانطلاقة جديدة، فأنشأ ما عرف
بنظرية صدام الحضارات تلك النظرية التي تتمخض عن عدو جديد فوقع الاختيار على
الإسلام وحضارته كعدو حضاري وتاريخي للغرب وحضارته وقيمه وأدى هذا الاختيار إلى
استبعاد ما كان يحتمل من اعتبار الصين الشيوعية العدو المنتظر، وقد زاد من وقع
نظرية الصدام الحضاري بين الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية ما استشرى من العقدين
الأخيرين على طول وعرض الخارطة الإسلامية من آراء أصولية متطرفة تتبناها جماعات
اتخذ أصحابها من العنف وسيلة لهذه الآراء ، و لكن المفارقة الغربية تكمن في أن
الغرب الذي يرى في هذه الجماعات مصداقاً لرأيه في عدوانية المسلمين تجاه الغرب
وحضارته وقيمه، هو من احتضن أكثر هذه الجماعات تطرفاً ووفّر لها الأرضية الخصبة
لتناميها. وهو ما فعل ذلك كأداة ضغط على الدول التي تنتمي إليها هذه الجماعات ولم
يدر في خلده أبدا أن السحر ينقلب عليه وانه سيكون المتضرر الأول من أعمال العنف حتى
كان يوم الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) عام 2002م عندما تمت إصابة الولايات المتحدة
في رمزين من رموز تفوقها الحضاري وهما البنتاغون رمز القوة العسكرية الأمريكية
وبرجي التجارة العالمية اللذين يرمزان للقوة الاقتصادية الفريدة للولايات المتحدة
الأمريكية، عند ذلك بدأت الولايات المتحدة الأمريكية تعيد حساباتها شأنه شأن
حلفائها في الغرب ولسان حال الجميع يقول: أُعلمه الرماية كل يوم فلما اشتد ساعده
رماني ، ونظّمت الولايات المتحدة تحالفاً لمحاربة الإرهاب وبدأت بالتوازي مع ذلك
بعض الأوساط في تنفيذ حملة إعلامية ضخمة أعاد أصحابها إحياء نظرية صدام الحضارات
وصور الإسلام والعروبة بمثابة العدو الحضاري والصدامي مع الغرب وحضارية الحداثية
وطبخت الأمة العربية والإسلامية وحضارتها في مرق أعمال إرهابية لجماعات متطرفة لا
تعبر إلا عن نزاعات أصحابها وصور العرب والمسلمين كأناس يتلذذون بالقتل ويسعون بكل
الطرق لمحار |